تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر مقابر مصر والقاهرة المشهورة

القبر مدفن الإنسان، وجمعه قبور، والمقبرة موضع القبر. قال سيبويه: المقبرة ليس على الفعل، ولكنه اسم، وقبره يقبره: دفنه. وأقبره جعل له قبرا. واعلم أنّ لأهل مدينة مصر ولأهل القاهرة عدّة مقابر وهي: القرافة، فما كان منها في سفح الجبل يقال له القرافة الصغرى، وما كان منها في شرقيّ مصر بجوار المساكن يقال له القرافة الكبرى، وفي القرافة الكبرى كانت مدافن أموات المسلمين منذ افتتحت أرض مصر واختط العرب مدينة الفسطاط، ولم يكن لهم مقبرة سواها، فلما قدم القائد جوهر من قبل المعز لدين اللّه وبنى

القاهرة وسكنها الخلفاء، اتخذوا بها تربة عرفت بتربة الزعفران، قبروا فيها أمواتهم، ودفن رعيتهم من مات منهم في القرافة إلى أن اختطت الحارات خارج باب زويلة، فقبر سكانها موتاهم خارج باب زويلة مما يلي الجامع، فيما بين جامع الصالح وقلعة الجبل، وكثرت المقابر بها عند حدوث الشدّة العظمى أيام الخليفة المستنصر، ثم لما مات أمير الجيوش بدر الجماليّ دفن خارج باب النصر، فاتخذ الناس هنالك مقابر موتاهم، وكثرت مقابر أهل الحسينية في هذه الجهة، ثم دفن الناس الأموات خارج القاهرة في الموضع الذي عرف بميدان القبق، فيما بين قلعة الجبل وقبة النصر، وبنوا هناك الترب الجليلة، ودفن الناس أيضا خارج القاهرة فيما بين باب الفتوح والخندق، ولكل مقبرة من هذه المقابر أخبار سوف أقص عليك من أنبائها ما انتهت إلى معرفته قدرتي إن شاء اللّه تعالى. ويذكر أهل العناية بالأمور المتقادمة أن الناس في الدهر الأوّل لم يكونوا يدفنون موتاهم إلى أن كان زمن دوناي الذي يدعى سيد البشر لكثرة ما علّم الناس من المنافع، فشكا إليه أهل زمانه ما يأتذون به من خبث موتاهم، فأمرهم أن يدفنوهم في خوابي ويسدّوا رؤسها، ففعلوا ذلك، فكان دوناي أوّل من دفن الموتى، وذكر أن دوناي هذا كان قبل آدم بدهر طويل مبلغه عشرون ألف سنة، وهي دعوى لا تصح، وفي القرآن الكريم ما يقتضي أن قابيل ابن آدم أوّل من دفن الموتى، واللّه أصدق القائلين. وقد قال الشافعيّ ﵀: وأكره أن يعظّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.