من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر معنى قولهم يهودي
اعلم أن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات اللّه عليهم أجمعين، سماه اللّه إسرائيل، ومعنى ذلك الذي رأسه القادر، وكان له من الولد اثنا عشر ذكرا يقال لكلّ واحد منهم سبط، ويقال لمجموعهم الأسباط، وهذه أسماؤهم روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويساخر، وزبولون. والستة أشقاء، أمّهم ليا بنت لابان بن بتويل بن ناحور أخي إبراهيم الخليل. وكان واشار، ودان، ونفتالي، ويوسف، وبنيامين. فلما كبر هؤلاء الأسباط الاثنا عشر قدّم عليهم أبوهم يعقوب وهو إسرائيل، ابنه يهوذا، وجعله حاكما على إخوته الأحد عشر سبطا، فاستمرّ رئيسا وحاكما على إخوته إلى أن مات، فورثت أولاد يهوذا رياسة الأسباط من بعده، إلى أن أرسل اللّه تعالى موسى ابن عمران بن قاهاث بن لاوي بن يعقوب إلى فرعون، بعد وفاة يوسف بن يعقوب ﵉، بمائة وأربع وأربعين سنة، وهم رؤساء الأسباط. فلما نجى اللّه موسى وقومه بعد غرق فرعون ومن معه،
رتّب ﵇ بني إسرائيل الاثني عشر سبطا أربع فرق، وقدّم على جميعهم سبط يهوذا، فلم يزل سبط يهوذا مقدّما على سائر الأسباط أيام حياة موسى ﵇، وأيام حياة يوشع بن نون. فلما مات يوشع، سأل بنو إسرائيل اللّه تعالى وابتهلوا إليه في قبة الشمشار أن يقدّم عليهم واحدا منهم، فجاء الوحي من اللّه بتقديم عثنيئال بن قناز من سبط يهوذا، فتقدّم على سائر الأسباط، وصار بنو يهوذا مقدّمين على سائر الأسباط من حينئذ إلى أن ملّك اللّه على بني إسرائيل نبيه داود، وهو من سبط يهوذا، فورث ملك بني إسرائيل من بعده ابنه سلمان بن داود ﵉. فلما مات سليمان افترق ملك بني إسرائيل من بعده، وصار لمدينة شمرون التي يقال لها اليوم نابلس عشرة أسباط، وبقي بمدينة القدس سبطان. هما سبط يهوذا وسبط بنيامين، وكان يقال لسكان شمرون بنو إسرائيل ويقال لسكان القدس بنو يهوذا، إلى أن انقرضت دولة بني إسرائيل من مدينة شمرون بعد مائتين وإحدى وخمسين سنة، فصاروا كلهم بالقدس تحت طاعة الملوك من بني يهودا، إلى أن قدم بخت نصر وخرّب القدس وجلا جميع بني إسرائيل إلى بابل، فعرفوا هناك بين الأمم ببني يهوذا، واستمرّ هذا سمة لهم بين الأمم بعد ذلك إلى أن جاء اللّه بالإسلام، فكان يقال للواحد منهم يهوذي بذال معجمة نسبة إلى سبط يهوذا، وتلاعب العرب بذلك على عادتهم في التلاعب بالأسماء المعجمة، وقالوها بدال مهملة، وسموا طائفة بني إسرائيل اليهود، وبهذه اللغة نزل القرآن، ويقال أنّ أوّل من سمّى بني إسرائيل اليهود بخت نصر، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع