من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر قبط مصر ودياناتهم القديمة، وكيف تنصروا ثم صاروا ذمّة للمسلمين، وما كان لهم في ذلك من القصص والأنباء، وذكر الخبر عن كنائسهم ودياراتهم، وكيف كان ابتداؤها ومصير أمرها
اعلم أن جميع أهل الشرائع اتباع الأنبياء ﵈ من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحا ﵇ هو الأب الثاني للبشر، وأن العقب من آدم ﵇ انحصر فيه، ومنه ذرأ اللّه تعالى جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلاّ وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك، فأنكروا الطوفان وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط، وأن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأوّل كانوا بالبلاد الشرقية من بابل، فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصين. والحق ما عليه أهل الشرائع، وأن نوحا ﵇ لما أنجاه اللّه ومن معه بالسفينة نزل بهم وهم ثمانون رجلا سوى أولاده، فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، ويؤيد هذا قول اللّه تعالى عن نوح:
﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْباقِينَ﴾ [الصافات/] وكان من خبر ذلك أن أولاد نوح الثلاثة، وهم سام وحام ويافث اقتسموا الأرض. فصار لبني سام بن نوح أرض العراق وفارس إلى الهند، ثم إلى حضرموت وعمان والبحرين. وعالج ويبرين ووبار والدو والد هنا وجميع أرض اليمن وأرض الحجاز.
وصار لبني حام بن نوح جنوب الأرض مما يلي أرض مصر مغربا إلى بلاد المغرب الأقصى.
وصار لبني يافث بن نوح بحر الخزر مشرقا إلى الصين.
فكان من ذرية سام بن نوح القضاعيون والفرس والسريانيون والعبرانيون والعرب المستعربة والنبط وعاد وثمود والأمورانيون والعماليق وأمم الهند وأهل السند وعدّة أمم قد بادت.
وكانت ذرية حام بن نوح من أربعة أولاده الذين هم: كوش ومصرايم وقفط وكنعان، فمن كوش الحبشة والزنج، ومن مصرايم قبط مصر والنوبة، ومن قفط الأفارقة أهل إفريقية ومن جاورهم إلى المغرب الأقصى، ومن كنعان أمم كانت بالشام حاربهم موسى بن عمران ﵇ وقومه من بني إسرائيل، ومنهم أجناس عديدة من البربر درجوا. وكانت مساكن بني حام من صيدا إلى أرض مصر، ثم إلى آخر إفريقية نحو البحر المحيط، وانتشروا فيما بين ذلك إلى الجنوب وهم ثلاثون جنسا.
وكان من ذرية يافث بن نوح: الصقلب والفرنجة والغالليون من قبائل الروم والغوط وأهل الصين وقوم عرفوا بالمادنيين واليونانيون والروم الفريقيون وقبائل الأتراك ويأجوج ومأجوج وأهل قبرس وردوس، وعدّة بني يافث خمسة عشر جنسا، سكنوا القطر الشماليّ إلى البحر المحيط، فضاقت بهم بلادهم ولم تسعهم لكثرتهم، فخرجوا منها وتغلبوا على كثير من بلاد بني سام بن نوح.
وذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب، أنّ القبط تنسب إلى قبطيم بن مصرايم بن مصر بن حام بن نوح، وأن قبطيم أوّل من عمل العجائب بمصر وأثار بها المعادن وشق الأنهار لما ولي أرض مصر بعد أبيه مصرايم، وأنه لحق بلبلة الألسن، وخرج منها وهو يعرف اللغة القبطية، وأنه ملك مدّة ثمانين سنة ومات، فاغتمّ لموته بنوه وأهله ودفنوه في الجانب الشرقيّ من النيل بسرب تحت الجبل الكبير، فقام من بعده في ملك مصر ابنه قفطيم بن قبطيم، وزعم بعض النسابة أن مصر بن حام بن نوح، ويقال له مصرايم، ويقال بل مصريم بن هرمس بن هردوس جدّ الإسكندر، وقيل بل قفط بن حام بن نوح نكح بخت بنت يتاويل بن ترسل بن يافث بن نوح، فولدت له بوقير، وقبط أبا قبط مصر. قال ابن إسحاق: ومن هاهنا قالوا إن مصر بن حام بن نوح، وإنما هو مصر بن هرمس بن هردوس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان، وبه سميت مصر، فهي مقدونية، وقيل القبط من ولد قبط بن مصر بن قفط بن حام بن نوح، وبمصر هذا سميت مصر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع