تجاوز إلى المحتوى

من «حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية» لمحب الدين الحموي (ت ١٠١٦هـ)

نص الرحلة (٣)

هذا آخر المكتوب الذي أرسلته إلى جناب مولانا أدام الله تعالى فضله المتضمن لتلك القضايا بالتفصيل والجملة. هذا ثم أن أهالي فوة كانوا إذ ذاك شكوا من رئيس المحضرين بها المدعو بحسام، وذكروا أنه يتعدى عليهم بالغرض ويفوق إليهم السهام، فرفعه الفقير لما بلغه من أفعاله، وسمعه من سيرته وأحواله، فجاء بمكتوب من حضرة من بالفضل مشهور والتحقيق موصوف، مولانا فخر القضاة منشي أفندي القاضي بمنوف، وهو على الأطلاق أفضل قضاة هذه الديار، وإليه من بينهم بزيادة الفضل يشار، يتضمن مكتوبه الشفاعة عند الفقير بالمذكور وأن يكون نظره عليه، وذكر أنه قد تاب إلى الله تعالى ورجع عما نسب إليه، فقبل الفقير ما اشارت به حضرته، وكتب له عن ذلك جواباً صورته: إن أحلى ما تنطق به الالسنة، في جميع الآونة والأزمنة، حمد منشئ أنشأ الموجودات بقدرته على أحسن نظام، وشكر معيدٍ أبدع الكائنات ببديع حكمته على مقتضى المقام، أختار من خلقه خلاصةً هداهم بهدايته إلى التوفيق، وارشدهم بنور عنايته إلى أقوم طريق، وصلاةٌ على أفصح منطق نطق بالضاد، صلاةً يروى بها يوم الفصل كل صادٍ، وعلى آله وأصحابه، وتابعيه وأحبابه، ما أطرى منشئ في مدح أوصافه العلية فأطرب، وشنف المسامع بلطائف نعوته الشريفة فأطنب، آمين. وبعد رفع دعاء إذا قصد باب القبول قيل له: " ادخلوها بسلام "، وسلام أعطر من حديث النسيم بأخباره زهر الكمام، ووصف اخلاص مؤكد بتوابع المدح والثناء، وأعراب عن محبة مشيدة البناء، ونعت الأشواق، التي عجزت عن حصرها الأوراق، فقد وصل المثال الكريم من حضرة من فاق أهل العصر بفضائله الحسان، والمنشئ البليغ الذي إذا أنشأ أنسى سحبان، فقابله المخلص بالإجلال والأعظام، وضرب صفحاً عن شاكي حامله حسام، فإنه كان شكا منه بعض الناس وتظلم، وذكر أنه ينشب الرعية بأظفار لم تقلم، ولكن نرجو له المجاز عن ذلك الطريق حيث كان مرسلاً من جنابكم الشريف، وإذا كان مضافاً إلى جنابكم وموصولا باعتابكم يكتسي كمال التعريف. على أنه كان السبب في فتح باب المصاحبة، والباعث على المراسلة والمخاطبة، وطالما تتشنف الأسماع بأوصافكم التي سارت بها الركبان، وفضائلكم اللاتي يشهد بها أعيان الأفاضل وأفاضل الأعيان، وانتم في أمان الله تعالى وحفظه على الدوام، والسلام.

هذا، وقد ورد عليَّ وأنا قاضٍ بفوة مكاتبات من أحبابنا اهالي المحمية القاهرة، أدام الله تعالى عليهم نعمه الوافرة، من ذلك مكاتبة من مولانا فخر المدققين، القاضي بدر الدين القرافي المالكي صدرها:

أيا بحرَ المعالي والمعانيومن للمكرمات يجيدُ عزما
لتهنأ بالولاء بحسن مجدٍونرجو أن يزيد نداك حتما
لفوة قوةق أبدت سريعاًقضاء قنا بقصدٍ ثم جزما
فقد جاء الرسول بكتب مولىًوقاضي عسكر قد زاد حكما
بتولية القصير كذا قناءقنا يا رب هما ثم غما
فكان مجيئه في يوم الاثنينوفيه مسافراً قد رام مرمى
فعالجنا بحكمٍ من وزيرٍومكتوب لقاضي مصر رسما
مخافة أن يطول الأمر يوماًونخشى أن يضيع الحال حشما
وتدريس الفقير أتى جلياًعلى وجه يزيد الحال غما
بقيتم في علوٍ وارتفاعودمتم تمنحون الخلق علما

فكتبت له في صدر مكتوب جواباً عن ذلك، صورته:

أتاني منك مكتوبٌ كريمحوى البشرى ولكن فاق نظما
فشوقني لاحبابي بمصرٍوجدد عهد أشواقي ونمى
فأني لم أفارقهم بقلبٍإذا فارقتهم بالرغم جسما
وقد سر الفقير بما ذكرتمله من شفع مكتوب وحكما
فمصر ليس لي فيها صديقٍسواكم ارتجيه لما أهما
فأن تك شافعي حكماً حديثاًفأنك مالكي بالجود قدما
وفعلك للجميل إذا تعدىوخص نداك إخواناً وعما
فكم أوليتنا فعلاً جميلاًوكم لك مثل هذا الفعل اسما

فلا زالت عوارفكم غزاراً ..............

ويدرك مشرقاً في أفق سعدٍومجدك شامخاً بدءاً وختما

ومن ذلك مكاتبة من فخر الأفاضل والأدباء، وعمدة البلغاء والنجباء، الشيخ محمد الفارضي باسمه واسم فخر الأهالي والأعيان، سيدي محمد الظاهر الموقع بالديار المصرية، توصية لاناس من أهالي فوة المحمية، صورتها: مولانا حرسه الله تعالى وحماه، وأكسبه قوة بفوة كما شرف به حمص وحماة، معروض الفقير ان أيتام السعد لهم خبر مطول، وليس إلا على فضل مولانا فيه المعول، ملخصه أو مختصرة وقفية ادعى شخص بيعها، وأنه أصبح يملك ريعها، والمسألة متعلقة بأيتام، ومولانا حسنة هذه الأيام، فمولانا لا يخيلهم من العناية، أدام الله تعالى له الرعاية، ولا يخفى الحث على إكرام اليتيم، وقد جاء ذلك في الذكر الحكيم، وبقيتم في عافية، ونعمة كافية وشافية.

ومن ذلك مكاتبة من صاحبنا الفاضل الشيخ علي المالكي صورتها:

سلامٌ كعرف المسك فاح بعطرهووردٍ كنشر الروض زان بزهره
على من غدا يعلو السماكين رفعةًويسفل عنه الفرقدان لقدره
إمام له در المعالي قلائدوقد فاق في نظم الكلام ونثره
وبعد فيا رب الفضائل والحجىومن قد غدا يسمو بثاقب فكره
إليك اشتياقي لا يحد فأنهتنزه عن ضبط وحد وحصره
وأن عليا مذ تناءى محبهتدانى له صرف الزمان بغدره
يحن إليكم كل وقت كأنهمحب جفاه حبه طول عمره
بعيد قريب منكم بضميرهوفارقكم في جهره دون سره
إذا ما خلت منكم مجالس ودهفقد عمرت فيكم مجالس شكره
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «سقى الله تلك الدار عودة أهلها»
ولولا رجاه أن وقت فراقكمسحائب صيف مات غماً بقهره
سقى الله أياماً تقضت بقربكمهواطل من طل الغمام قطره
لكم أبداً مني سلام مضاعفٌوأزكى تحياتٍ إلى يوم حشره

هذا ثم أقمنا في فوة المذكورة مدة في غاية الحضور لا نخشى ضراراً ولا بوسي، وكانت اقامتنا بها كضعف ميقات موسى. وبعد ذلك فوض قضاؤها لقاضٍ، وفارق الفقير أهاليها وهم راضون عنه وهو عنهم راض، وكتبوا لنا محضراً ذكروا فيه ما شاهدوه من سيرة الفقير ومشيه على أولى سنن وأقوم طريقة، وأنه لم يتول عليهم قاض مثله في الحقيقة، ورقم عليه الفاضل من أهاليها، والمعول عليه من أهل العلم فيها، وكان خروجنا منها ثامن عشر شهر شعبان سنة تسع وسبعين وتسعمائة من الأعوام، ووافق ذلك اليوم يوم خروجنا في سنة ثمان من دمشق الشام. وقد امتدحني أفاضلها بقصائد فصيحة، محتوية على مقاصد لطيفة ومعان رجيحة؛ فمن ذلك قصيدة كتبها الشيخ الفاضل العلامة، والمدقق الكامل الفهامة، القاضي محمد الفزاري، صورتها:

ألطفك أم سحرٌ أجودك أم بحرأوجهك أم شمس وما طلع الفجر
أمجدك أم فخر الثريا على الثرىأحمدك بين الناس يتلى أم الذكر
تناهى ثبوت الشكر فيك فلا يرىلرأيك لم يلحق ببابكم عذر
إليك محب الدين وجهت مقصديعلى ذات عزم زانها النظم والدر
بذكرك قد عطرت أنفاس سرهافسارت وطول الأرض في عينها فتر
إلى كهف علم يسبق الطرف فهمهسحاب ندىّ في الناس نائله غمر
وكلا فأن السحب بالقطر جودهاوذا جوده في قطره يغرق البحر
كثير سهاد العين في العلم للعلىويرضيه من اغفاء أعينه النزر
وقد قلد الاعناق منته فمانرى سيداً إلا ومنه له شكر
إلا يا محب الدين فخرك قائموما لامرئ لم يمس من حماة فخر
فآلك هم اهل المكارم ما لهممن العيب إلا ان بهم حسن الذكر
وما فخرهم إلا لأنك منهموأن بلاداً ما نزلت بها قفر
وقد ضل كفٌ يممت غير سوحك الفسيح فردت وهي من قصدها صفر
وإذ قد وزنت الناس عقلا وهمةوفضلاً ووصلاً كان منك لهم جبر
فعنك رضي الرحمن عما نشرتهبفوة من عدل وبذل به الأجر
وجئت وكان الناس في الاصر والعنافجاء الغنى، والبأس يطرده اليسر
وأرسلت أمناً في قنا وقصيرهافقصر عنها السوء وانفصل الشر
يريك ذكاء الفكر ما بعد يومك الجديد فأنت الحاذق الذهن النضر
إذا اشتبه الأمران عز برايك السديد شيديد الحق يمتازه الذكر
وانت سواء الحالتين على المدىعلى سنن التقوى هما السر والجهر
فذا شأن من لم يخش إلا الهه وذاك هو الجود المؤسس والفخر
وما هي غلا فكرة حمويةإذا اتصلت بالمعتنى رحل الفكر
ومن ذا يضاهي ذا المحب فأنهسليل المعالي وصفه النصر والصبر
إذا ما قضى أمضى فيرضى بحكمهجميع برايا الخلق والخالق البرُّ
وانّ الرعايا حيثما قد أتاهمُبشيرك بعد الحزن عن قدم سُرُّوا
بعيشك حالي هل أقايس بالذيله ظاهر الدعوى وانتَ ليَ الظهر
فما انا ممّن يرتضي علَّ أو عسىلحظ عدوٍ حظه عندك البتر
شهيداي في حبيّك عَدْلانِ عندكمْقبولهما حتمٌ هما القلبُ والفكر
سلوا عن مودَاتِ الرجالِ قلوبَكُمْوتلك شهودٌ مثلما قد حكى الشعر

ثم قدمت إلى المحية القاهرة في أواخر شعبان، وأنا بفرط الاشواق إلى مشاهدة ذات مولانا قاضي القضاة لا برحتْ عاليةَ الشان، وعرضت عليه المحضر فسرَّ به - أدام الله تعالى سروره واستبشاره - العليّة، وأكد ذلك بموكدات ومحسّنات بديعية، فانتجت تلك المؤكدات والمحسّنات، أن عاد عليّ من حضرته الكريمة بعض الصلات. وكم لهذا المولى علي عبده مثل هذه الصلات عوائد، وطالما أهدى إليه من نعمه ما يعجز عن بعض شكره الزائد:

ولو أنني أوتيتُ كلَّ بلاغةٍوأفنيتُ بحرَ النطقِ في النظم والنثرِ
لما كنتُ بعدَ الكلِّ إلا مقصّراًومعترفاً بالعجز عن واجبِ الشكرِ

هذا وكان العبد في تلك الأثناء يتشوق إلى أفاضل إخوانه بدمشق المحروسة، ويتشوّف إلى أخبارٍ تَرِدُ عليه من حضراتهم المأنوسة، وينشد من شدة أشواقه التي أورثته الفِكَر:

يا جيرةَ الشام هل من نحوكم خبر

فبينما هو من الاشواق على شفا، إذ وردت عليه منهم رسائل ولا رسائل أخوان الصفا، فقبّلتها وفضضت منها الختام، فألفيتها مشتملة من عرائس المعاني على حورٍ مقصورات في الخيام:

وقبلتها ألفاً وألفاً فقال ليغراميَ زدها واضربِ الالفَ في الالفِ

فمن ذلك مكاتبة من صاحبنا فخر الافاضل المتبحرين، وزبدة الأماثل المدققين، مولانا الشيخ عماد الدين أدام الله تعالى أفاضله، وبلّغه أمانيه وآماله، صدرها:

سلامٌ كَعَرْفِ المسكِ بل هو أعطرُوأزكى تحياتٍ تضوعُ وتُنْشَرُ
على الحضرةِ العلياءِ والساحةِ التيبها الفضلُ ثاوٍ والأفاضلُ تفخر
على ساحةٍ فيها السماحةُ والندىوساكنها ما زال بالخيرِ يذكر
سلامَ محبٍ لم يَحُلْ عن ودادِهِوأنّ صحيحَ الودِّ لا يتغير
أمولاي إن الشوق مُرّ مذاقُهُوأنَّ فراقَ الإلف لاشكَّ يعسر
وأني لمشتاقٌ بديعَ جمالكمولستُ على حَرِّ القطيعةِ أصبر
لأنكمُ إنسان عيني ونورهاوكيف بغير الضوءِ عينيَ تبصر
فجودوا ورقَوا واعطفوا وتفضّلواوَمَنوا بقربٍ وارحموا الصبَّ واعذروا
بقيتمْ وُقيتمْ لا عْدِ مْتُمُواولا زال راجيكم مدى الدهرِ يجير

فكتبت له عن ذلك جواباً، صورته:

غبَّ تقبيلنا لتلك الأياديوولاءٍ من مخلصٍ في الوداد
وثناءس يفوقُ نَشْرَ خزاميوعلى المسك إذ ذَكَا والزّباد
وسلامٍ مؤكدٍ من محبٍسالكٍ في الورى طريق الرشاد
أن عيني لمَّا تباعد عنهاشخصكم مسَّها أليمث السّهادِ
قد جفاها المنامُ مذ فارقتكُمْوقلاها من بعدُ طيبُ الرقاد
يا أهيلَ الودادِ إني محبٌّأنتمُ مقصدي وانتمْ عمادي
كيف أسلو وحبكم حلَّ من قلبي ومن مهجتي سوادَ السواد
ما قصدتُ القِلى وأن كنتُ في نارِ اشتياقٍ قد احرقتْ اكبادي
ولئن غبتُ عنكم فوداديمثل ما تعهدون بل في ازدياد
صحَّ من علةٍ وحاشاه من شوب اختلال يشينه أو فساد
لستُ ممن تكلّف الودّ حاشالمحبٍّ تكلُّفٌ في وداد
وعلى كل حالة حيث ما كنت من الارض قُرْبِها والبعاد
أنني من أقل اعبادكم إذأنتمُ من بين ذا الورى أسيادي
قسماً بالوداد يا جيرةَ الحيَيميناً بالله ربّ العباد
لم أحلْ عن ودادكم أبدَ الدهرِ وأن طال عن حماكمْ بعادي
كل حين يحرِّكُ الوجدُ منيشجناً ساكناً لذاك النادي
فعلى اهله الكرامِ سلاميابداً دائماً مدى الآباد
لا برحتم في نعمةٍ وسورقادم دائماً وفي إسعاد
ما تغنت قمريةٌ فوق غُصْنٍورقى بلبلٌ على اعواد

ومن ذلك ما كتبه فخر الاهالي والمدرسين، وزبدة الأكامل المدققين، مولانا الشيخ شمس الدين ابن المنقار دامت فضائله، صورتها:

من يوم بينك كلُّ طرفٍ داميلم تكتحلْ أجفانُهُ بمنامِ
لما رحلتَ ممتّعاً بسلامةٍومصاحباً للسَّعْدِ والاكرامِ
خلَّفتَ بعدك كُل خلٍ هائماًيُجْرِي الدموعَ حليفَ كل سَقَامَ
سكرانَ من كأسِ الفراق معذّباًيا صاحِ بالهجرانِ والآلام
يشدو بذكرك من نواك اذا رأى العشاقَ في ركبٍ بكلِّ مقام
مولاي بَعْدَكَ قد تفرَّقَ جمعناوضياءُ نادينا امتحى بظلام
فالبعضُ منا في الحجاز وبعضنافي الروم والباقي بأرض الشام
قد كنتَ واسطةً لعقد نظامناحتى انفردتَ فَحُلَّ عَقْدُ نظامي
وكذاك كنتَ البدرَ تطلعُ في الدجىفتزيلُ عنا وصمةَ الاظلام
وضياءُ وجهك في النهارِ اذا بدافالشمس تسترُ وجهها بغمام
هذا وعبدك مات بعدك صَبْرُهُفاسلمْ وَدُمْ في السعدِ والانعام
فعلى حماك من المحب تحيةٌلا تنتهي وعليكَ الفٌ سلام
وسقى الالهُ ديارَ مصرَ واهلهاانواءَ سُحْب من يديكَ عظام
لما حللتَ بها تضاحَكَ زهرهافرحاً وَبُدِّلَ نقصها بتمام
والنيلُ زاد على القياسِ فاصبحتراحاتُهُ مخضوبةً ببنام
لا غرو ان شَرَّفْتَ مصرَ وأهلهافلطالما شَرَّفتنا بالشام
اكرِمْ بنفسٍ للامام كريمةٍوشريفةٍ ازرتْ بنفسِ عصام
جُمِعَتْ له طُرْقُ السيادة اذ غدايهتمُّ بالاقدامِ لا الاحجام
لا زال يرفلُ في ثيابِ سعادةٍويجرُّ ذيلَ العز فوق الهام
ما نَّمقَ المشتاقُ طِرْسَ رسالةٍبحديثِ أشواقٍ وفرطِ غرام

فكتبت له جواباً عن ذلك صورته:

وردت عليَّ من الجنابِ السّاميورقاءُ تسفر عن فمٍ بَسّامِ
قد انبأت يا سيدي عن بعض ماعندي من الاشواقِ والآلام
وشرحت فيها بعضَ بعضِ صبابتيوغزيرَ اشواقي وفرطَ غرامي
فكأنها صوت الصّدى انَ صحتُ ناداني وجاوبني بمثلِ كلامي
حاشا لمثلي ان يكونَ لديك ياقسَّ الفصاحةِ مففصحاً بكلام
لكنها من بحرِ كاملك الذيعَذُبَتْ مواردُهُ لكلَّ همام
بالله قلْ لي من لآليءَ صغتَ هـذا اللفظَ ام رصَّعتَ عقدَ نظام
ام ذلك السحرُ الحلالُ نقشتَهُحتى لااخذتَ مجامعَ الافهام
أحسنت فيها الجمعَ والتقسيم اذأدمجت فيها ذكرَ اهلِ ذمام
فعليهم وعليكَ ألفث تحيةٍفي كل إصباحٍ وألفُ سلام
يا سادتي رفقاً بصبٍ هائمٍأضحى حليفَ صبابةٍ وغرام
قد طَلَّقَتْ اجفانُهُ طيبَ الكرىوعدمتُ روحي ان وجدتُ منامي
فاليومُ أحسبه بشهرٍ كاملٍوالشهرُ أحسبه بالفي عام
ولئن غدا في مصرَ عبدُ جنابكمفالروحُ عندكم بأرضِ الشام
ما يذكر المملوك أياماً مضتألا ويبكيها بدمعٍ هامي
فعلى دمشقَ تحيةٌ من مغرمٍما شام برقاً في دجى وظلام
وسقى الحِمى والساكنيه على المدىهتّنةٌ تهمي بصوبِ غمام
لا زال رَبْعُكَ بالفضائلِ آهلاًوالسعدِ والأقبالِ والأنعام
ما دمت تنظم من رسائلك التيفي حسنها فاقت على النظام
درراً على كل القصائد فخرهافي حُسْنِ مطلعها وحسنِ ختام

ومن ذلك مكاتبة من فخر الأفاضل، وخلاصة المدققين الاماثل، ملاّ أسد الدين دام فضله، صدرها:

احنُّ الى مصرٍ وطيب مقامهاوحبِّ الاولى حَلُّوا بها من اولي القدْرِ
ولا سيما ذو الجودِ والفضلِ والتَقىواوصافُهُ الحسنى تجلُّ عن الحصر
واني وان شط المزارُ لقائلٌعليكمْ سلامُ الله يا ساكني مصر

فكتبت له جواباً عنها:

أتاني كتابٌ طيِّبُ الطي والنشرِمن الفاضلِ المشهورِ بالعلمِ والفخرِ
وفيه سلامٌ رائق رقَّ لفظُهُومعناه حتى فاق في النظم والنثر
فهيَّجَ اشواقي الى ساكني الحمىولم انسهم فازددت ذكراً على ذكر
فاني بروحي عندهم كلَّ ساعةٍوان كنتُ قد حَلَّيْتُ بالجسمِ في مصر
أحنُّ إلى تلك المعاهدِ كلمَّاتذكرت أياماً مضت سالف الدهر
فآها على تلك الليالي وطيبهالقد أشبهت في حسنها ليلةَ القدر
فياليتَ شعري يسمحُ الدهرُ بالذيمضى ليَ أحبابنا الأنجمِ الزُّهْرِ
سلامٌ على جمع الصحاب الذي بهاولكنَّكَ المخصوصُ مولايض بالذكر
مدى الدهر ما ناحت مطوقةٌ وماترنَّم فوق الأيك في غُصْنِهِ القُمْري

ومما كتبته لمولانا وسيدنا صدر العلماء المدققين، وزبدة الفضلاء المحققين، مولانا الشيخ اسماعيل النابلسي - اسبغ الله ظلاله، وزاد علمه وادام افضاله - ما صورته:

لواءُ التهاني بالمسرَّةِ يخفقُوشمسُ المعالي في سما الفضلِ تُشْرِقُ
وسَعْدٌ واقبالٌ ومجدٌ مخيِّمٌوايام عزٍ بالوفا تتخلَّقُ
فيها أيها المولى الذي جلَّ قدرهويا ايها الحبرُ اللبيبُ المدقق
أرى الشام مذ فارقتها زال نورُهَاوثوبُ بهاها والنضارةِ يَخْلَقُ
اذا غبتَ عنها غاب عنها جمالهاونفسٌ بدون الروحِ لا تتحقَّقُ
وان اعدتً فيها عاد فيها جمالهاوصار عليها من بهائكَ رونق
فيا ساكني وادي دمشقَ مزاركمبعيدٌ وبابُ الوصلِ دونيَ مغلق
وليس على هذا النوى ليَ طاقةٌفهل من قيودِ البين والبعدِ أطْلَقُ
وإني الى اخباركم متشوِّفٌواني الى لقياكمُ متشوّق
أودُّ اذا هبَّ النسيمُ لنحوكمبأنَي في اذيالِهِ اتعلَّقُ
وأصبو لذكراكم اذا هبَّتِ الصَّبالعلي عن اخباركم اتنشَّق
ولي أنّةٌ اودتْ بجسمٍ ولوعةٌونارُ جوىً من حرّها أتقلَّق
فحنّوا على المضنَى الذي ثوبُ صبرِهِإذا مَسَّه ذيلُ الهوى يتمزَّقُ
غريبٌ بأقصى مصر أضحتُ ديارُهُولكن قلبي بالشآمِ معلَّقُ
وقد نسخ التبريحُ فهل إلىغبارِ ثرى الاعتابِ وصلٌ محقق
ويا ليت شعري هل أفوزُ بروضةوفيها عيونُ النرجسِ الغضِّ تُحْدُقُ
وأنظر واديها وآوي لربوةٍوماءٍ معين حولنا يتدفَّقُ
ويحلو ليَ العيشُ الذي مرَّ صَفْوُهُوهل عائدٌ ذاك النعيمُ المروّق
وأنظر ذاك الجامع الفردَ مرةًوفي صحنهِ تلك الحلاوةُ تشرق
وأصحابنا فيه نجومٌ زواهرٌونورُ محيّا وجههم يتألق
فلا برحوا في نعمةٍ وسعادةٍوعزٍّ ومجدٍ شأوه ليس يُلْحَقُ
ولا زال يا مولاي حجّاً مباركاًعليه من الله الثوابُ المحقق
ولا زلتَ في كلِّ المقاصدِ سيديمن الله في سَعْدٍ وأنت الموفّق
مدى الدهر ما حَنَّ الغريبُ إلى الحمىوأرسل دمعاً بل دماً يتدفق
وما صاح شحرورٌ على غُصْنِ أيكةٍوغرَّدَ قمريٌ وناح المطوَّقُ

هذا، ثم أقمت في مصر المحمية إلى أواسط شهر رمضان المعظم قدره، وبرزت الأوامر الشريفة بعمارة قلعة في القصير. فأمرني حضرة الباشا بسرعة التوجّه إلى القضاء، فلزم أن يطاع أمره، فودّعنا قاضي القضاة - لا زال وابل انعامه صيّبا - وتيممنا عند ذلك " صعيداً طيباً "، ووصلنا إلى محمية قنا في سادس عشري الشهر المذكور، وهو نظير اليوم الذي وصلنا فيه إلى مصر في سنة ثمان، فيكون ما بين دخولنا إلى مصر وقنا عاماً كاملاً بلا زيادة ولا نقصان. فلما كان أواسط شهر ذي القعدة الحرام ورد الخبر بأنّ مولانا قاضي تولَّى قضاءَ محمّية بروسة وكان في تلك الأيام ورد على العبد حكم بتحرير الرزق في بلاد الصعيد فلم يبلغه الخبر إلاّ بعد توجّه ذاته المأنوسة، ولم يمكنه المجيء لوداع حضرته الكريمة لا برحتْ عاليةَ المنار، وشقَّ علينا بعد جنابه الشريف عن هذه الديار. وكان إذ ذاك صاحبنا فخر القضاة المدققين، مولانا القاضي تقي الدين، عيّن من جانب الباشا إلى قضاء دجرجا لجمع الغلال، وبينها وبين قضائنا يوم أو بعض يوم لمبتغي الترحال، فأرسل لنا مكاتبةً شريفةً، ومراسلةً بديعة لطيفة، ذكر فيها ما عبارته: وأما قُطْبُ فَلَكِ الوجود، ونيّر ذرى معاقدِ السعود، مولانا أفندي قاضي بروسا لا زال عالي المقام. فأن الفقير فارقه وهو يتلو عليكم رسائل التحيات المعطرة، ووسائلَ التسليمات المعنبرة، بلّغه الله تعالى أقصى الآمال، وخلَّد أيام سعادته ما دامت الليالي والأيام، انتهى.

ثم إن هذا العبد بَعْدَ جناب مولانا قاضي القضاة " ضاقت عليه الأرضُ بما رحبت " وعاين " سوط عذاب " طعمُ الصبرِ أطيبُ منه وأعذب:

ولو لم يكنْ في مصرَ ما سِرْتُ نحوهابقلبش المشوقِ المستهامِ المتَيَّمِ

لاسيما إذا تذكر تلك الأوقات التي مضت في التمتع بمشاهدة ذاته العلية الشان، وما مرَّ له من حلاوة العيش في غضون تلك الليالي التي خطفناهن من ايدي الزمان:

وكانت بالعراق لنا ليالٍخطفناهُن من أيدي الزمان
جعلناهن تاريخَ اللياليوعنوانَ المسَّرةِ والأمانِ
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة

ولعمري إن هذه الليالي هي المعنية بقول الشاعر:

واهاً لها من ليال لوٍ تعودُ كماكانت وأيّ ليالٍ عاد ماضيها
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «تخفي الصبابة والألحاظ تبديها»
لم أنسها مذ نأتْ عنِّي ببهجتهاوأيُّ أنسٍ من الأيام ينسيها
للشاعر ابن زاكور، من قصيدة «واها لها من ليال هل تعود كما»

وبينما العبد يتجرّع غُصَصَ الفراق بعد بُعْدِ جنابه، ويتمنى القربَ إلى الأوطان وينشد تشوقاً إلى أحبابه:

يا جيرةَ الشامِ هل من نحوكم خبرُفإن قلبي بنار الشوقِ يستعرُ
بعدتُ عنكم فلا والله بعدكمُما لذَّ للعين لا نومٌ ولا سهر
إذا تذكرتُ أوقاتاً نأت ومضتُبقربكم كادتِ الأحشاءُ تنفطر
كأنني لم أكن بالنيربي ضحىًوالغيمُ يبكي ومنه يضحكُ الزَّهَر
والورقُ تنشدُ والأغصانُ راقصةٌوالدوحُ يطربُ بالتصفيقِ والزهر
والسفح أين عشيّاتي التي ذهبتْلي فيه فهيَ لعمري عنديَ العمر
سقاك يا سفحُ سفحُ العين منهملاًوقلَّ ذاك له أن أعوزَ المطر

إذا ألقي إليه من حضرة قاضي العساكر المنصورة كتابٌ كريم بتبديل قضاء أسنا وابريم فأنشدت عند ذلك:

ربَّ يومِ بكيتُ منه فلمَّاصرتُ في غيرهِ بكيتث عليه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «عجبا للزمان في حالتيه»

واشتد به حينئذٍ التذكارث والحنين إلى الأوطان، وتضاعف ما عنده من الشوق إلى الأحباب والأخوان، وتمثل بقول القائل:

من السعادة أن لا تبعدَ الدارُوأن يَبُلَّ غليلَ الشوق تذكار
ليت المنازلَ بالجرعاءِ دانيةٌمنّا وذاك الذي نهوى لنا جار

ثم أرسل العبد إلى مولانا قاضي القضاة لابَرِحَ مرفوعَ الجناب، ليرتِّبَ المقدمات في تبديل منصبه بمنصب قريبِ من الأحباب، لا زالت سواكنُ الآمالِ متحركةً بعوائد صلاته، جازمةً بحصول روائع احسانه وهباته، وكتبت رسائل الأشواق إلى حضرته السعيدة، وأودعت في صدرها هذه القصيدة، صورتها:

ما مصرُ بعدك منزلاً يُستَطْيَبُيا مطلباً ما لي سواهُ مَطْلَبُ
أضحى لها من بعد أُنْسِكَ وحشيةٌولقد علاها من فراقِكَ غَيْهَبُ
ورياضها حلفت يميناً أنهامذ فات فَيْضُ نداكمُ لا تُعْشَبُ
قد زال رونقها وكادتْ أرضهامن بعدِ هاتيك الغضارة تجدب
والنيلُ قد عَدِمَ الوفاءَ وبعدكمقد غاضَ منه المَا ولم يكُ يعذب
يا فاضلاً فاق المةواليَ علمُهوكمالُهُ فهو الطرازُ المُذْهَبُ
ماذا يقولُ الفاضلون وأن همُفي مدحِ ذاتكم الشريفةِ أطنبوا
تتنافسُ الأمصارُ فيك فأنت كالغيثِ الذي أن حلّ أرضاً تخصب
سعدت بروسةُ فيكمُ فلذا غَدَتْتزهو على كلِّ البلاد وتعجب
كنتَ النظامَ لمصرَ أما بعدكمفلها وعمرك حالةٌ لا تُعْجب
فلكَمْ عمرتَ جوامعاً ومساجداًفيها وقد كادت تزولُ وتخرب
وسلكت فيها مسلكاً بالعدل لميسلكه قبلك في القضاةِ مُهَذَّب
وأزلتَ فيها المنكراتِ بهمَّةٍمقرونةٍ بعنايةٍ لا تُغْلَبُ
لا تختشي في الله لومةَ لائمأبداً وتُخُشَى بالاله وَتُرْهَبُ
لم أنسَ في مصرَ العتيقةِ كسر ذاك الخمرَ حيث يجري يسحُ وَيُسْكَبُ
لولا الزيادةُ في الغلو لقليُ كاد الخمر للبحر المعظّم يَغُلِيُ
قد شبَّه المملوكُ حالةَ جريهفيه بما يحكيه شعرٌ يُعْرَبُ
ما زالت القتلى تمجّ دماءَهاوتمامه عن علمكم لا يَعْزُبُ
وأصابعُ المقياس كم قد عاينَنَتْمنك الأيادي فضلها لا يُحْجَبُ
لم أنسَ فيه لذَةَ العيِش الذيمَرَّتْ حلاوتُهُ وزال الطيب
حيث الصَّفا وافٍ ومجلسُ أُنسناصافٍ وحيثُ الوقتُ وقتٌ طيب
والفلكُ تجري في جوانبِ روضةٍطوراً تجيءُ بنا وطوراً تذهب
فكأنما هي جنةٌ من تحتها الأنهار تجري في الرياضِ وتسمب
واللهِ واللهِ العظيمِ وحقِّ مَنْضمَّت جوارِحَهُ الشريفَة يثرب
ما لذَّ لي من بعدكم عيشٌ ولاقلبي يُسَرُّ ولا صفا ليَ مشري
ما يذكر الملوكُ ساعةَ بينكمإلاّ ويرسل دمعه يتسكَّب
قد كنتُ من ألم الفراقِ محاذراًفي كلِّ وقتٍ خائفاً أترقَّبُ
حتى سقاني الدهرُ من أَلَمِ النوىكأساً مذاقُ الصبرِ منها أطيب
ماذا ولا هذا عجيبٌ إنماحالي غدا من كلِّ ذلك أعجبُ
خَلفتموني في الديارِ مضيَّعاًصبّاُ عبى فقدِ الأحبةِ أندب
فكأنني في موقفِ الأعراف لاأنا بالشآم ولا لمصرِ أنْسَبُ
قد صرت لا من هؤلاء وهؤلاءإني لأخشى أن أقولَ مذبذب
لولا رجائي أنَّ أيامَ النوىكسحاب صَيْفٍ عن قريبٍ تذهب
لقضيتُ من ألمِ الفراقِ وعاينتعيناي أنَّ الروحَ منب تُسْلَبُ
يا جيرةً مالي سواهم مطلبُكلاَّ ولالي عن حماهم مهرب
عطفاً على من بات فاقِدَ إلْفِهِوله بقيةُ مهجةٍ تتعذَّب
إني وإن بعدتْ دياري عنكمُلابدَّ أن يفيَ الزمانُ فأقرب
فعليك مني ألفُ ألفِ تحيةٍولك الدعاءُ مقرر ومرتَّبُ
لا زلتَ في أفقِ المعالي طالعاًوشموسُ فضلك في العلى لا تغرب
ومحلُّ أنسك رائقاً في بهجةومناهلُ العلماء عندك تعذب
ما دمتُ في حُسْنِ إبتداء مديحكمأشدو وفي حسن الختام أُشبِّبُ

وشفعت ذلك بقصيدة لقاضي العساكر المنصورة، لا زالت ألوية فضله على العلماء منشورة، صورتها:

يقبّل أرضاً للجباهِ مساجدُمواقفها للسائلين مقاصدُ
محبٌ من شكرهِ قد تعلَّمتْحقيقاً بأن تثني عليكَ المحامدُ
ولكن له شوقٌ تزايدَ حدُهُونارُ جوىً من حرِّها تتصاعد
ونازعه حظٌ تقاعس عن قِلىّيكابده في دهره ويكايد
وقد قذفته وأستطالتْ يدُ النوىوأقعده دهرٌ خصيمٌ معاند
وقد صار في أقصى الصعيدِ ديارُهُوما زال للأحبابِ عنه يباعد
وليس له فيها أنيسٌ مُذاكرٌبعلمٍ وتُنْسَى في حماُ الفوائد
ويفتر فيها نثرُهُ ونظامُهُلهذا أتاكم في شعره وهو بارد
فعامِلْهُ بالإغضا عن السوِ إنهلهيبتكم في جبهةِ الطِّرسِ ساجد
وطال إغترابي عن حمىّ قد عهدتهوقد عمرت بالفضل فيه المعاهد
بلاد بها نيطت عليَّ تمائميوفارقني فيها وليدٌ ووالد
وقد طال هذا الفصلُ بيني وبينهمفهل صلةٌ من نحوكم وعوائد
وما أخترتُ أن أهدي قريضي لبابكمْوعلمي به في سوقكم وهو كاسد
لأنيَ في نظمِ القصائدِ باقلٌوأنك يا قسَّ الفصاحةِ ناقد
ولكنّ دهراً ألجأتني صروفُهُونقصانُ حظي قد بدا يتقاعد
وماذا عجيبٌ إن ذا الدهرَ طبعُهُيعاكسُ أربابَ العلى ويعاند
ويحسبني مولايَ أنيَ منهمُلذاك إذا في رَوْمِ نقصيَ يراود
وليس على التحقيق لي منه منصفٌولا لي في التخليص منه مساعد
سوى حضرةِ المولى الذي فاق مَنْ مضىأَقَرَّ بهذا خصمُهُ والمعاند
وأجمع أهلُ العصرِ أن علومَهُلمفردةٌ في جمعها وهو واحد
وأعني به مولاي قاضي عساكرٍأخا الفضلِ بل للعلم صلٌ ووالد
وليس يزيد المرءَ قدراً ورفعةًأطالتُ وصَافٍ وفيه شواهد
فلا زلتَ كنزاً للعلوم ومصدراًوطابت لأهليِ العلمِ منك الموارد
وَدُمْ أبداً في رفعة وسيادةمدى الدهرِ ما دام السُّهَى والفراقد

ثم أرسلتُ الرسولَ وأنا مستشرف أستشرافَ الطالب، ومتشوِّفٌ له تشوُّفَ الطامع الراغب، فلعله يأتي " بسلطان مبين "، او يرجع " من سبأ بنبأ يقين ".

فلما كان بتاريخ أوائل ذي القعدة الحرام سنة ثمانين وتسعمائة، ورد الخبر بأنّ الصدقاتِ الكريمة السلطانية، أنعمتْ على الفقيرِ بتبديل قضائه بقضاءِ القدموس المحمية، فسررتُ بهذا البَدَلِ حيث تضمَّنَ عَطْفَ الجوار، وحدمدتُ الله تعالى على قُرْبِ الديار.

ثم توجهتُ إلى القاهرة المعمورة. فأتيتها في أواسط الشهرِ المذكور من السنة المذكورة، ودخلتها دخولَ مستوحشٍ لفراقِ ما كنتُ أعهده في زمن مولانا ووليّ نعمتنا جوي زاده أفندي من الأنس فيها، وتذكرتُ تلك الليالي الماضيةَ في خدمته التي لا يُرْجَى عَوْدُ ما ضيها. ثم قصدتُ السلامَ على قلضي قضاتها، وحاكم شرعها بل عينِ حياتها، وهو إذ ذاك فخر الموالي المعتبرين، وصدرُ الأفاضلِ المتبحرين، رمضان أفندي الشهير بناظر زاده، أدام الله تعالى فضله وزاد إسعاده، وقد كنتُ ألفتُ بتلك الديار منزلاً، لمولانا المشار إليه أولاً، أدام الله تعالى له الأنعام، فلما دخلتها " وما أهلها الأهل الذي كنتُ أعهدُ " أنشدت قول القائل: " أمّا الخيام " ثم أقمت في البلد المذكور، إلى تمام السنة المزبورة، أنتظر قافلة تسافر إلى تلك الديار، لأعزمَ معها إلى التسيار، فلم يتفق في تلك الأيام سَفَرُ قافلة أصلا، وكان توجهي بالسرعة إلى القضاء أمراً مهماً لا يحتمل تراخياً ومهلا، فعنَّ لي أن أسافر إلى تلك الديار بحراً، وكنت أقدّم للسفر رجلاً وأؤخر أخرى، إذا تذكرت قول القائل المشهور، " أحجمتُ وكان عندي من مراكبه نفور "، وأن تيمنت بالآية الكريمةِ أقدمت وسألت الله تعالى تيسيرَ الأمور. فعند ذلك قدَّمت مقدماتِ الاستخارة، واستخرتُ الله تعالى الذي ما خاب من استخاره، فشرح الله تعالى في البحر صدري، وسألته عند ذاك تيسير أمري، وتوجهت من القاهرة المحمية في أوائل المحرم الحرام، وأتيت إلى محميةِ دمياط وأقمتُ فيها لإنتظار سفر المراكب عشرةَ أيام، وعندي إلى الأحباب من شدة الشوق ما يمنعني القرار، ثم اقتحمتُ من فَرْطِ الأشواقِ لجحَ البحار، مع أنني كنتُ أهابُ البحر واستهول أن أركب لججه، أو أصعدَ في أمواجه العالية دَرَجة. وركبت في سفن المحبة يسيّرها هوى الشوقِ المعطّر بعبيرِ شذاها، وتلوتُ متيمّناً " باسم الله مجراها ومرساها " وسرنا بنيّةٍ خالصة وعزمٍ صحيح، وصرنا نرضىَ من الأيام بالريح فلما كان بتاريخ عشري المحرم الحرام أشرفنا على طرابلس المحمية فأعلنّا بحمد الله سبحانه وشكره وتلونا: " أن يشأ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رواكدَ على ظهره " ودخلنا البلدة المذكورة وتشوَّفنا لها بازدياد، فوجدناها بلدةً لم يُخْلَقْ مثلها في البلاد، وألفيناها مشحونةً ظَرْفا ولطفاً، ونظرنا من محاسنها ما يعجزث عن حصرهِ اللسانُ ولا يستطيع له وَصْفَا، وجعلناها لهذا المطاف ختاما، واقمنا بها يُوَيْمَاتِ بل أياماً. وكنتُ حال دخولي إلى البلدةِ المذكورة متشوقاً إلى أن أسأله عن أحوال الديار، ومتلفتاً إلى من ينبئني بأخبارٍ تتضمن المسارّ، متمثلاً بقول القائل:

ألا هل أرى مثلي كئيباً أراسِلُهْيسائلني عن محنتي وأسائِلُهْ

فاتفق أن صادفتُ بها فخرَ الأحباب والأدباء، وقدوةَ أهلِ الدخول والنجباء، سيدي محمد بن الفرّا الدمشقي، وكان أتى صحبة الوالدِ من حماةَ إلى القدموس وأقام معه بها من الزمانِ برهة، وأتى طرابلس المحميَة بقصدِ السير والنزهة، فاستخبرتُهُ عن الأحوال، وسألتُهُ عنها بالتفصيلِ والإجمال، فكان بخَبَرِ سلامةِ الأحبابِ نعمَ مبشرٍ وبشير، ووجدتُ عنده من كلِّ شيء خبرا " ولا يُنَبِئُكَ مِثْلُ خبير " فحرَّك ما عندي من سواكن الاشواق، وكادتْ عواملُ المحبةِ تجذبني إلى نحو الديارِ بالأطواق. ثم فارقتُ البلدةَ المذكورةَ في عاشر شهر صفر الخير ولستُ لها قالياً، ورحلت عنها لا راغباً عنها ولا سالياً، ولكن لما قيل:

إذا دنتش المنازلُ زاد شوقيولاسِيَما إذا دَنَتِ الخيامُ
فلمحُ العينِ دون الحي شهرٌورجعُ الطرفِ دون الشهرِ عام

ثم أتيت إلى محمية القدموس في ثالث عشر الشهر المذكور، وعندي من الشوق إلى الوالد والولد ما لا تحويه السطور، فأنه قد طال مني هذا الاغتراب، وَصَبَّ النوى من أليم هذا الفراق سوطَ عذاب، وقذفتني يدُ البعد عنهم منذ ثلاث سنين ولن ابرحَ الارض حتى يحكم الله بالاجتماع وهو خير الحاكمين:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدمايظنَّانِ كلَّ الظن أن لا تلاقيا
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وما أحدث النأى المفرق بيننا»

فسجدت لله تعالى شكراً، وحمدته على هذه النعمة الكبرى. ثم ان سيدي محمد المذكور تخلف بعد الفقير في طرابلس المحمية لقضاء الوطر من التنزه والسير، ووعد ان يجبيءَ الينا بعد عشرة ايام لا غير، فمضى له اربعون يوماً وهو مقيمٌفي البلد المذكور، مستغرقٌ في السير والحبور، فكتبتُ له للمبادرةِ بالمجيء مكاتبةً وجهزتها مع الرسول، وضمَّنتها اشياءَ من مصطلحاهل الدخول. واخترعتُ احد ضربي الاستخدام في لفظ النوى على وجهٍ تشكره الاسماع، واوقعته فيه مع تسمية النوع احسنَ ايقاع، صورتها:

يا من سما في سماءِ اللطف فوقَ سِماَكِ الافقِ محيي ذوي الالبابِ بالطَّرب
نَقَّلْ مقامَكَ ايقاعاً على رَمَلِوان تشأ دارجاَ تسعى على خبب

ينهي سلاماً لا يُحَدّ، وثناء لا يعدّ، ويشرحُ ما عنده من الشوق الذي يعجز عن حصره الطوق، ويشكو من نواك الذي يشكوه سَمْعُ اهلِ الذوق، ويستخدمُ في ابلاغ سلامة اليكم نسيمً الصَّبا، وكلما سار ركبٌ من العشاق هام قَلبُهُ اليكم وصبا، ولم يزلْ يذكرُ انسكم في كلَّ مقام، وان سكن ما عنده من الشوقِ تحركه عواملُ الغرام، وانه لا قدرة للمخلصِ على هذا النوى، وبيننا وبينك موعدٌ لن نخلفه نحن ولا انت مكاناً سوى، ولم نزلْ نعلَّلُ النفسَ بعدكم من حينٍ الى حين ولا يخفاكم انّ مدَّةَ الوعدِ كانت عشراً وقد جاوزت الآن حَدَّ الاربعين. وقد أترسل الفقير اليكم حاملها ليكونَ لكم كارفيق، وعينه ليجيءَ في خدمتكم وعينُهُ نحو الطريق. فانعم يا مولانا بالدارِ، فانَّ ساعاتِ السرورِ قصار، والسلامُ في المبدأ والختام.

ثم ان المشار اليه قدم علينا بعد ايام، وهو ينشدُ في هذا المقام:

كتبتَ اليَّ ترغبوا في حضوريوربُّ الفضلِ دعوتُهُ تُجابُ
فقبَّلْتُ الكتابَ وقلتُ طوعاًلأمركَ سيدي وأنا الجوابُ

ثم عرضت عوارضُ اقتضت اقامة الفقير في القضاء بعض ايام، وعنده الى حماته ما لا يُحْصَى من الشوق والغرام. فان الفقيرَ لم يبن عنها مثلَ هذه البينونة الكبرى ولم يفارقها مثلَ هذا الفراق، ولم يطلّقها ثلاثة اعوامٍ الاّ هذا الطلاق. ثم اني اقمتُ في القدموس مدة، وراجعتُ حماتي بعداد مضى لي ما يزيد على ثلاث سنين في العِدَّة، ودخلتها في سنة احدى وثمانين في غرّةِ ربيع الثاني، وطربتُ عند هذا الدخول ولا كطرب المثالي، وقرَّتِ العينٌ منّى برؤيةِ حماتي واحبابي، وجَمْعِ شملي باخواني واصحابي، وحمدت الله على طول الاعمار، والتردد الى الآثار، وطويتُ شُقَّة البينِ والقيتُ عصا التسيار:

والقت عصاها واستقرَّ بها النوىكما قرَّ عيناً بالايابِ المسافرُ

واقمتُ في المحروسة المذكورة بعضَ ايام، وانا بفرط الاشواقِ الى الاحباب بدمشق الشام:

وانّ امرءاً في بلدةٍ نصفُ قلبِهِونصفٌ باخرى انه لصبورُ

وكنتُ في ذلك الحال، اتمثَّلُ بقولِ من قال:

أأحببنا واللهِ مذْ غِبتُ عنكمُسهادي سميري والمدامعُ مدْرارُ
والله ما اخترتُ الفراقَ وانمابرغمٍ ولي من ذلك الامرِ اعتذار
اذا شامَ برقِ الشامِ طرفي تدافَعَتْسحائبُ جفني والفؤادُ به نار
الا ليت شعري هل يعودن شملناجميعاً وتحويلنا ربوعٌ واقطار

ثم غلبني الشوق، وكاد يجذبني الى احبابها بالطوق، ولله درُّ القائل:

لي نحو ربعكِ دائماً يا جلَّقُشوقٌ اكادُ به جوىً اتمزّق
للشاعر شمس الدين ابن الصائغ العروضي، اقرأ القصيدة
اشتاقُ منكِ منازلاً لم انسهاانَّي وقلبي في ربوعك مُوثَقُ
للشاعر شمس الدين ابن الصائغ العروضي، اقرأ القصيدة
وقفُ عليك لذا التاسفِوالبكاقلبي الاسير ودمعُ عيني المطلق
ادمشقُ لابعدت ديارُكِ عن فتىًابداً اليكِ فوادُهُ يتشوَّقُ
انفقتُ في ديارك ايامَ الصباحبّاً وذاك اعز شيءٍ ينفق
ورحلتُ عنكِ ولي اليكِ تلفُّتٌولكلِّ جَمْعٍ صدْعَةٌ وتفرق
للشاعر شمس الدين ابن الصائغ العروضي، اقرأ القصيدة
فاعتضتُ عن أُنسي بظلكِ وحشةًمنهاغ وَهي جَلَدي وشابَ المفرق
للشاعر شمس الدين ابن الصائغ العروضي، اقرأ القصيدة
فلبستُ ثوبَ الشيبِ وهو مُشَهَّرٌونزعتُ توبَ الشرخِ وهو مُعَتق
ولكم اسكِّنُ عنكِ قلباً طامعاًبوعودِ قربك وهو شوقاً يخفق
للشاعر شمس الدين ابن الصائغ العروضي، اقرأ القصيدة
ولكم احدّثُ عنكِ من لياقَتُهُوجميعوا من سمع الحديثَ يُصَدِّقُ

فتوجهتُ اليها ودخلتها في ثاني عشري شهر ربيع الاخر، وقرّت العين برؤية احبابها:

كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر

وحللتها وان متشوّف اليها ولا تشوّق المحبّ الى لقاء المحبوب، واقمت بها اياماً " لا يمسّنا فيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنَا فيها لُغُب " وحمدنا الله تعالى ان احلَّنا دارَ الاحباب، واذهب عنا الحَزَن، وجمع شملنا بهم كروحين في بدن. واغتنمنا مصاحبةَ الاخوانِ اياماً، وقضينا في خدمتهم لياليَ ما كنت الاَّ احلاماً، مرت لنا معهم بلذيذ المصاحبة والمسامرة، ولم يكن عيبها الاَّ انها متقاصرة:

ان اليالي للانام مناهلٌتُطْوَى وَتُنْشَرُدونَها الاعمارُ
فقصارهنَّ مع الهمومِ طَويلةٌوطوالهنَّ مع السرورِ قصارُ
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة

واوقفتهم على ما كتبته في رحلتي صحبةً قاضي القضاة جوي زادَة افندي الى القاهرة المحميّة، وما اودعته فيها من الالفاظ الباقلية، فصادفتْ في سوق فصاحتهم نَفاقاً وسعرا، وشرّفوها من انشائهمبتقاريظ نظماً ونثرا، ساكتب ان شاء الله تلك التقاريظ مع ما كاتبته لبعضها من الجواب في اواخر الرحلة الرومية اذا الت الى التمام، ليكون ذلك اخر ما يعيه السمعُ منها ويصير ذلك لها حُسْنَ الختام.

ثم اني اقمت في دمشق المحمية اياماً اديت فيها واجبَ الصلة، واقتضى الحالُ التوجَّهَ الى القضاء لننظر المصالحَ بالعجلة. وصرت لعنان العزم الى جهة القضاء ثانياً، واتيت الى خدمته لا متساهلاً ولا متوانياً، واستمرَّيْتُ افصلُ الاحكامَ الشرعية على وجه المسدّد الامحكم، الى خامس شهر شعبان المكرم. وكان في اوائل شهر ربيع الاول لما ورد الخبر بانّ مولانا فخر الموالي المتبحرين محيي الدين افندي معلول زادَة ادام الله تعالى فضله زاد اسعاده، تولَّى قضاء العسكر المنصور، حصل لنا غاية الفرح والسرور، وانشدنا:

ورد البشير بما أَقَرَّ الاعيناوشفى النفوسَ فنلن غاياتِ المنى
وتقاسم الناسُ المسرَّةَ بينهمقسماً فكان اجلَّهم قسماً أنا

وكنا ندعو الله بذلك اناء الليل واطراف النهار، لما لنا من سابق المعرفة والعبوديّة مع جنابه لا زال عاليَ المنار، فان قاضي العسكر السابق لم يكن له معرفة بهذا العبد الفقير، بل كان حاله عنده في مقام التنكير. وأمّا مولانا حفظ الله تعالى جنابّهُ الشريف، فالعبدُ عنده في مرتبة الضمائرِ من مراتب التعريف، خصوصاً وقد كان آخر اجتماعه في طريق مصر بخدمته العليّة، صحبه مولانا جوي زادَة افندي في ذلك المجلس الخاصّ الذي ذكرناه في اوائل الرحلة المصرية. وكام العبد يترجّى في زمنه الترقي الى اسنى المراتب، والترفّل في اعلى المناصب. فلما سمعت بتوليته قلتُ لنفسي: هاليلك قد اقمر، وفجرُكِ قد اسفر. وكتبتُ بعد ايام مكاتبة وعبودية الى رفيع جنابه، وارسلتها مجرَّدة مع بعِض خواصّ أحبابه، أسأل من تفضلاته تبديلَ منصبي بمنصب هو خير، كما هو المأمول من كرمه حفظه الله تعالى من كلَّ سوءٍ وضَيْر، وكنتُ مترقباً لما يَرِدُ عليَّ من إحسانه أدام الله تعالى فضائله، وكان بقي لي من المدة العرفية قريب من سنة كاملة. فلما كان خامس شعبان المذكور ورد الخبرُ أنه من غير بَدَلٍ وجَّهَ منصب الفقير لرجلٍ جاهل، ومن حُلَى الفضل والفضائل عاطل. فكنت كما قيل:

رفعت إليه أشتكي الجزمَ في الهوىواعربت عن نصبي فوقَّعَ لي الخفضا

وأضحيت منه خائب الآمال، وصار كحال أبي المرقال:

أن الغرابَ وكان يمشي مشيةًفيما مضى من سالفِ الآجال
حسد القطاةَ فرامَ يمشي مشيهافأصابه ضَرْبٌ من العقّال
فأضلَّ مشيتها وأخطأ مشيهُفلذاك كنيته أبو المرقالِ

فتعجبتُ من هذا الفعل غايةَ العجب، حيث لم يكن لذلك أصلٌ ولا سبب، وصرتُ من هذا الأمر اتعجب، ثم حملته على نظائره من تلقي المخاطب بغير ما يترقَّب. وقضيةُ الحجاجِ مع القبعثري قضيةٌ مشهورة، وعند اهل البلاغة معروفةٌ وغير منكورة. فحينئذ كنت في ذلك الدعاء كالباحث عن حتفه بظلفه، والقاطع مارن أنفه بكفهّ. وظهر لي أني أصبت نفسي بسهمي وبذاتي اوهنت عظمي:

قومي همُ قتلوا أميمَ أخيفإذا رميتُ يصيبني سهمي
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة
فلئن عفوتث لاعفونء جللاًولئن جنيتُ لاوهنْ عظمي

وصار منّي ضرري ودائي:

وكان إذن على نفسي دعائي

وكنت كالمتمنى أن يرى قمراًمن السماء فلما أن رآه عَمِيْ

فلما بدا لي منه ما رأيت، علمت أن طبعه استحال، وتذكرت قول من قال:

وكلّ ولايةٍ لابدَّ يوماًمغيِّيرةُ الصديقِ على الصديق

وتذكرت قولهم: " أرض من صاحبك إذا ولي ولاية بعشر ودِّه قبلها "، كما شاع ذلك في الأقوال السائرة، وعلمتُ أن ودِّه صار كودِّ من " خربت بيتاً مهاجرة ".

ثم فارقت أهالي ذلك القضا، وهم راضون مني كمال الرضا، تأسفوا على عزلي تأسفاً كثيراً، وأجروا على فراقي دمعاً غزيراً، فعند ذلك حمدتث الله تعالى على السرّاء والضراء وقلت " سيجعل الله بعد عسر يسرا " وقلت مضمنا:

إن كان منصبُ حُكْمي زالَ في زمَنٍعنّي فمنصبُ فضلي الدهرَ لم يَزُل
وغن علانيَ من دوني فلا عَجَبٌلي أسوةٌ بانحطاطِ الشمسِ عن زحل

ثم توجهتُ لتسليمِ ما كنتُ جمعتُهُ من مالِ العوارض لحضرةِ الدفتردار بدمشق الشام فأتيتها في أوائل شهر رمضان، فما اتفق لي أني اجتمعت في مجلس المحاسبجي بمحيي أفندي القاضي يومئذ بحوران، فوقع في المجلس حجة ممضاةٌ بإمضاء الفقير فيها ما لفظه القاضي بالقدموس من الأعلام، وأنه مما يمتنع أن يدخله اللام، فخلتُ أنه في المقام الأبتدائي من الإنكار، وأجبت عن اعتراضه بما ذكره علماءُ العربيةِ على وجه الإختصار، مقتصراً على قدر الحاجة حَذَراً عن اللغو في الكلام، واستغنيت عن تأكيد الحكم بمؤكدات حسب ما يقتضيه المقام، فكان المشار إليه لم يقنع بما به أجيب، وذكر هذه الواقعة لبعض الأفاضل زاعماً اني مخطئ وأنه مصيب. فلما تحققت أنه مصرٌ على غنكار ما قلته تصريحاً وضمناً، وأنه وَصَلَ في مقامِ الغنكارِ إلى مرتبةِ النفي والاستثنا، اقتضى الحالُ أن يخرج الكلام على مقتضى الظاهر، ويؤكد الحكمُ بما يسمحُ الفكر الفاتر والذهنث القاصر. وكتبتُ في ساعةٍ من ذلك النهار رِسالةص مختصرة، بديعة محرّرة، أولها: باسمك يا من تنزَّه في فعله عن الاعتراض، وتقدَّس عن المحلِّ في كلِّ حال ومستقبل وماضوتوحَّدَ بقدموس ذاتِهِ وصفاتِهِ عن الشبيه والنظير، وتعالى في ملكه عن العين والظهير، صلّ على سيدنا محمدٍ افصح من نَطَقَ الضاد، وعلى آله وأصحابه الامجاد، ما طلب العاملُ معموله، ورفع الفعلُ فاعله ونصبَ مفعوله. وخلاصتها انه قال صاحبُ القاموس، رحمه الله تعالى وأفاض عليه شآبيب مغفرة تسحُّ وتتوالى: القدموس كعصفور القديم، والملك الضخم والعظيم من الغبل، انتهى. أقول: فعلى هذا يكون القدموسُ من الاعلام الغالبة لانه كان في الاصل لجنس القديم، ثم كثر استعماله لهذه البلدةِ المخصوصة قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص بهِ وصار لكثرة الاستعمال لها عَلَما، كما لا يخفى على ذي الفهم السليم. قال الرضي: ويسمَّى هذا القسم من العلم، العلم الاتفاقي فتكون اللام في مثله لازمة لانه لم يصر علماً مع اللام، فصارت كبعض حروف ذلك العلم كالنجم والبيت والمدينة حيث ما غلب استعمالها على مدينة النبي ﷺ. فهي مشابهة اليوم للأمس، ومطابقةٌ لها مطابقةَ الخمس للخمس. وذكرت فيهلا أموراً اقتضى الشأن أن تذكر لمناسبة المقام والحال رأيت انّ ذكرها ها هنا برمّتها غيرُ مناسب، فان لكلِّ مقامٍ مقال، فكانت الرسالة المذكورة دليلاً قاطعاً لكلامه، وحجّةً قائمة بإسكاته وإلزامه.

ثم غني أقمتُ في دمشق المحمية مدةً وأنا معزول، وحدسَ في فكري التوجهُ إلى استنبول، وكنتُ بين إقدام وإحجام، وترددتُ في هذا الأمر بعضَ أيام، وتشاورتُ مع الأصحاب رفع الله تعالى لهم قدراً، فمنهم من مال إلى التحذير ومنهم من مال إلى الإغرا، وبعضهم رغَّبني وصوّب رأيي وسدَّد، وبعضهم رهَّبني وأنشد:

يا من غدا في طلاب العلم مجتهدالم يثنه عنه لا مالٌ ولا وَلَدُ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «يا من غدا في طلاب العلم مجتهدا»
لا تبسطنَّ لتقليدِ القضاءِ يداًأيرتضي رتبةَ التقليدِ مجتهدُ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «يا من غدا في طلاب العلم مجتهدا»

فقلت: للائم بواسطة هذا اللوم وسببه:

لابد للمرء من مالٍ يعيشُ بِه

وأنشدته:

ياذا الذي اصبح لي لائماًأنسيت ما قُدِّر في الماضي
أن الذي ساقك لي واعظاًهو الذي صيَّرني قاضي
والله ما أخترتُ سوى وصلهفاختار ان يعكسَ أغراضي
إن كنتَ لا ترضى بما قد قَضَىغني بما قَدَّرَهُ راضي

على ان القضاة ليسوا سواء، فيهم من يامر بالتقوى وينهى عن الفحشا، ويتجنبُ الباطلَ وأكلَ الرّشا، ومنهم دون ذلك واقعون في مهاوي المهالك، نسألُ الله تعالى ان يجنبنا عن هذا القبيل، ويهدينا إلى سواءِ السبيل، وإني بعناية الله تعالى وَمَنِّهِ الصمدي:

وليت الحكمَ خمساً وهي خمسٌلعمري في الصِّبا والعنفون
فما وضع الأعادي قَدْرَ شانيولا قالوا فلانٌ قد رشاني

وكان بعضُ الأصحاب يرغبني عن ذلك لخساسةِ الشركا، ويقول: كم من جاهلٍ نراه على هذا المطلب منهمكا. وكان ينشدني في هذا المقام:

إذا وقع الذباب على طعامٍ

فكنت انشده:

إذا شوركت في أمرٍ بدونٍفلا يَلْحَقْكَ عارٌ أو نفورُ
ففي الحيوانِ يشتركُ اضطراراًأرسطاليسُ والكلبُ العقور

ثم لما كانت فوائد التنقل والاسفار، ممّا ملئت به بطون الأسفار، ولله درّ القائل:

ما دامت البيض في الاجفانِ مغمدةًفما يبينُ لها في الهامِ من عَمَلِ
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «أميم لا تنكري حلي ومرتحلي»
وفي التنقل عزّ للفتى وعلالم يَكْمُلِ البدَر لولا كثرةُ النُّقَلِ
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «أميم لا تنكري حلي ومرتحلي»
والمندلُ الرطب في اوطانِهِ حَطَبٌوقد يقوَّمُ في الاسفار بالجمل
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «أميم لا تنكري حلي ومرتحلي»

رأيت أن السفر إلى استنبول من الأمر المتعين، والتوجه إليها من المهم اللازم البين، فتعين علي حينئذ أن أنشئ رحلة رومية، وأكتب فيها بعض ما يقع من الحوادث اليومية، بحيث تكون كالذيل على تلك الرحلة ومعطوفة عليها عطف الجملة على الجملة. وحيث اشتملت هذه على الشكاية من أحوال الزمان وتضمنت التوجع من تأخر الفضلاء في هذا الأوان، والتأسف على حظ أهل الأدب، وقد حيل بينهم وبين الأرب، رأيت أن أسميها باسم مناسب مقتضى المقام والحال، وأسمها بوسم يستدعيه المقال، فسميتها: بوادي الدموع العندنية بوادي الديار الرومية.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.