تجاوز إلى المحتوى

من «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

أخلاق الوزيرين (٢)

وذُكر محمد بن طاهر عند أبي العيناء فقال: ما دخلت عليه قطّ إلاّ ظننت أنه من طلائع القيامة؛ قصير القامة، مشؤوم الهامة؛ خرجَ من خُراسان وهو أميرُها، ويطمع فيها وهو طريدها، ويْلي على

أُسِير الصَّغار طليق الهزيمة.

ووجدتُ رسالة لأبي العباس عُبيد الله بن دينار على ما قدّمت القول فيه؛ وأنا أرويها على وجهها لأنها مُفيدة، رواها لي المنصوريّ القاضي بأرَّجان.

أوّلها:

" إِن في الشكر، وإن قل، وفاءً بحق النعمة وإن جلّ، بل أقول: إن الشاكر للنعمة، وإن أطنب وأسهب، لا يلحق شأوَ المبتدئ بها، ولا يخرج بأقصى سعيه من أداء حقه فيها؛ لأن نعمته صارت سبباً لشكره، وداعيةً لذكره، فلها فضل سبقها وموقعها وفضلها، فإن الشُّكر من أجلها، وإنها - حيث حلَّت - عائدة بثناء جميل، وثواب جزيل؛ ولا خِلاف بين الحكماء أن الجالب خير من المجلوب، والفاعل خير من المفعول.

ومَن لي بشكرك وأنت الذي لمّا قصدتك بالرغبة بلغت بي ما وراء المحبة، وناديتك فأجبت من قريب، ولُذت بك فأنزلت البرّ والترحيب، فلمَمْتَ مني شَعَثا، ورعيت لي سبباً لولا

رعايتُك لكان رثّاً، ووفَّرت عليّ نعمة الجاه واليد، وقمت لي مقام الركن والسند، فأصبحت لي على الدهر معيناً، ومن أحداث الزمان ملاذاً حصيناً، وما زلت بكل خيرٍ قميناً، وجدَّدت لي أملاً قد كان أخلق، وأمسكت مني بالرّمق، وتلقّيت دوني نبوة من عاتبك واستزادك، وجفوةَ من تغبّطكَ فكادك؛ في حين عزَّ الشفيق، وخذل الشقيق، وجار الزمان، وتواكل الإخوان؛ فكشف الله بك تلك الغُموم المُطبقة، وسكّن برأيك منّي نفساً قلقة، فأنا، في قصوري عما أوجبه الله عليّ لك، كما قال الشاعر:

لَو أنَّ عُمري ألف حولٍ وقدبُدِّلت الساعة بالدَّهرِ
وَكان لي أَلف لسان لمانطقتُ من شكرك بالعُشْرِ

فشكر الله لك ما أتيت، وتولّى جزاءك على ما تحرّيت، وكافأك بأحسن ما نويت، ولا أخلاك من أمل يُناط بك لتُحققه، وظنٍّ يُصرف إليك فتُصدِّقه، وشُكرٍ يوفَرُ عليك فتستحقّه، وصان لك من النعمة راهنها، وبلّغك أقصى ما تؤمِّل منها، وتفضّل عليك بما لا تحتسب فيها؛ وكلّ ما أغفلناه من الدُّعاء لك مّما يرغب المرء

في مثله، فوهب الله لي فيك، ووهبه لك في كل أسبابه.

فأما فضائلك والمواهب المقسومة لك فقد قادت إليك مودّات القلوب ووقفت عليك خبيات الصدور، وارتهنت لك شكر الشاكر، وردّت إليك نفرة النافر، وحاطت لك الغائب والحاضر، وأفحمت عنك لسان المُنافر، وقَصَرت دونك يد المتطاول، وطامنت لك نخوة المُناضل، وأوفت بك على درجة الأدب والهمة والرياسة.

فبلّغك الله ذُرى المحبة والأمل، ووفقك لصالح القول والعمل، ولا زالت رُبوع الحرية معمورة بطول عُمرك، والمكارم مؤيدة بدوام تأييدك، ولا برحت أيامك محفوفة بالعزّ والسعادة، ونعمتك مقرونة بالنماء والزيادة، ووقاك الله بعينه من الأعين، وحاطك بيده من أيدي المحن، وفَدَاكَ من النوائب والأحداث.

والنَّكِب من قد فُقئت به عينُ النّعمة، واتّضعت بمكانه رتبةُ الهِمّة؛ فلا يصدر عنه آمل إلاّ بخيبة، ولا يضطرّ إليه حُرٌّ إلا بمحنة؛ إن أؤتُمِن غّدر، وإن أجار أخفر، ولإن وَعد أخلف، وإن

قَدَر اعتسف، وإن عاهد نكث، وإن حلف حنث؛ تصدأ بمحاورته الأفهام، وتصطرخ منه الدَّولة والأقلام، سيان قام أو قعد، وغاب أو شهد؛ إن كشفته كشفت عن عِلج فَدْم، يُقضى له بكل خِسّةٍ وذمّ، ولم يقف للحرية على ربعٍ ولا رسم، ولا عرَف مكرمة في يقظة ولا حُلم؛ أسوأ الناس صنيعاً، وأشدّهم بالدّناءة ولوعاً، لم يسلك إلى المجد طريقاً، ولا وجد يوماً من الجهل مُفيقاً، أولى الناس بشتمٍ وقذف، وأجدرهم بمجانةٍ وسُخف، يَنطق قبحُ خَلقِه من سوءِ، خُلقه، ويدلّ بركاكة عقله على لؤم أصله؛ إذا اكتنفتْه الحوادث لَوَى عنها شَدقه، وإن لزمه الحقّ لوَاه ومحقه؛ وقد وفّر الله حظّه من الفدامة كما قصّر به في القامة، فهو بكل لسانٍ مهجوّ، ولكلّ حرٍّ عدوّ، وإن عوتِب على الزَّهو والتيه، أقام فيهما على تماديه؛ يَلُوث عمته على دماغ فارغ، وحمق ظاهر سائغ، فهو في أُخرِ حالاته، عند نفسه كما قيل، صورةٌ ممثّلة أو بهيمة مهملة.

وصلتُ هذا الفصل بقولٍ فاضت به النّفس بعد امتلائها، وجاشت به بعد تردده فيها، وما اضطرّني إليه إلا تتابع المكروه من جهته، والشرّ الذي لا يزال يتعقَّبني به، وأنّه حين وج غِرة اهتبلها، ولما رأى الفرصة انتهزها، ولم يرض حتى حسر عن الذراع يداً، فكشف القناع وجرّد العداوة والتعصّب، وأظهر التسلُّط والتغلّب.

وأنا أعتذر إليك من أن أصل مخاطبتي لك بمثله، وإن كنتُ أجعله بمنزلة اللهو الذي أستعين به على الحق، والهزل الذي أستريح به من الجدّ؛ وقد قيل: من لم يذمم المسيء لم يحمد المُحسن، ومَن لم يَعرف للإساءة مضضا، لم يجد عنده للإحسان موقعا.

وعلى أني لست أدري أمَيْلي إليك أصدق، أم انحرافي عنه أوثق، ورغبتي فيك أشد، أم زُهدي فيه أوكد، ومودّتي لك أخلص، أم أنا على مصارمته أحرَص، وسكوني إليك أتمّ أم نَبْوَتي عنه أحكم، وأنا على ذَمِّه أطبع، أم في حمدك أبدع؟ كما لست أدري أحظُّك من الهمة والمروءة أجزلْ، أم حظُّه من الدّناءةِ والقِلَّة أجل، ومكانك من الحزامة والكرم أرفع، أم محلُّه فيهما أوضع؟

وكيف يُقرن بك أو يُساوى، وما أتأملك في حالٍ من الأحوال إلاّ وجدتك فيها حُساماً قاضِياً، وشهاباً ثاقباً، وعُوداً صليباً، ورأياً عند مُعضِل الخطوب مُصيباً؛ في شمائل حلوة عِذاب، وأخلاق معجونة بآداب؛ لا تتجافى عن مَكرمة، ولا تُخِلّ لذي أمل بحُرمة، ولا تَؤودك الخطوب إذا اعتورتك، ولا تتكاءّدُك الجهات إذا اكتنفتك، قد تعرَّقتك الأيام بحالتي النُّعمى والبلوى، فكشف منك عن أمضى من الدَّهر عزْماً، وأرزن من رَضوى حلماً، وأثبت من الليل جناناً، وأسمح من صوب الغَمام ندىً، وأمنعَ من السَّيف جانباً، وأعزَّ من كُليبِ وائل صاحباً.

وما أتأمّله في حالٍ من الأحوال إلاّ وجدته برْقاً كاذباً، ورأياً

عازباً؛ ركاكة ظاهرة، ونذالة وافرة، وهيئة خسيسة، ونفْساً على الذَّمّ حبيسة؛ لم ينشأ منشأ أدب، ولا راضته أوّلية حسب، فهو دهره على وجل وذُعر؛ إن صال فعلى القريب الدّاني، وإن همّ فبِمضِلاّت الأماني، فليس تتجاوز صولته عبده، ولا يخاف عدوّه كيده، قد جمع إلى القُبح المخبر، بشاعة المنظر، وإلى دمامة الخلق سوء الخُلُق؛ إذا فكّر المُفكِّر فيما أوتيَ من الحظّ، ومُنح من الحال، أيقن بعُلوّ الجهل وفوز قِدحه، وإِكداء الباطل وكساد ربحه؛ هو والله كما قال الشاعر:

عَدوٌّ لمولاهُ عَدوٌّ صديقِهِوَتلك التي يأْتي اللئيمُ من الفِعْلِ
مُقَلَّمةٌ أظفارُه عن عَدوّهعَلَى أَقْرَبِيه ظاهرُ الفُحْش وَالجَهلِ

وما أخطأ بوجهه قول الحَمدوني:

كأن دَمامِلاً جُمعتفصُوّر وَجهُه مِنها

والعجب كلّ العجب، والحديث الذي عندي سيان فيه الصّدق والكذب، ما يُظهره من الانحراف والازْوِرار، على ما بي عنه من السَّلوة والاصطبار؛ وما محله فيما يأتيه إلا محلُّ أمّ عمرو وما قيل فيها:

ألاَ ذهبَ الحِمارُ لأُم عَمْروفلا رَجَعتْ وَلا رَجَع الحمارُ

بل هجوُه والله الفائدة التي يجب في مثلها الشُّكر، والأُحدوثة التي يحسن فيها الذكر؛ فأما غضبه وتغيُّظه فغضبُ الخيل على اللُّجُمِ الدِّلاص؛ وأنا أقول فيه كما قيل:

فإن كنتَ غَضباناً فلا زلتَ راغِماًوإِن كنتَ لم تَغضَب إلى اليومِ فاغضَبِ

والله لو كانت له مثل أياديك التي لها مني موقع القطر في البلد القَفْر، ولطف محلِّ الوصل بعقبِ التّصارم والهجْر، لما وجدني مُحتمِلاً له أذى، ولا مُغضياً له على قذى؛ ولو كان تخويفه إيّايَ بمثل إعراضكَ الذي أدناه يُقلق الوساد، ويُمرض الفؤاد، لما ألفاني له مُعتباً،

ولا إليه مُغتذراً؛ فكيف وهو مَن لا يجب له حقّ الصَّنيعة، ولا ذمام أدب، ولا ذمار معرفة؛ لم أُسرَّ برضاه لما رضي فأُساء بغضبه وقد غضب، ولا نفعني إقباله فيضرُّني إعراضه، أنه بحمد الله كما قيل:

فتىً إن يرضَ لا ينفَعك يوماًوإنْ يَغضَب فإِنَّك لا تُبالِي

لستُ والله أحفلُ به أقبل أم أدبرَ، وسكَنَ أم نفر، ولا أُبالي بحالَتَي سُخطه ورِضاه، ولا بأُولى أمره ولا بأُخراه. فأدام الله له سَوْرة النَّبْوة والإعراض، وأعانه على الجَفْوة والانقباض، ولا أخلاه من الغضب والامتعاض؛ فقد رضينا بذلك فيه حظّاً، واكتفينا به فيه وعْظاً.

وأخبرنا المرزُباني عن الصولي قال: كتب ابنُ مُكرَّم الكاتب إلى أبي العَيناء:

" لستُ أعرفُ طريقاً للمعروف أحزن ولا أوعَر من طريقه إليك، ولا مُستَزْرَعاً أقلَّ زكاءً ولا أبعدَ من ثَمرهِ خيرٌ من مكانه عندك؛ لأنّ المعروف يُضاف منك إلى جنب دَنيّ، ولسان بذيّ، وجهل قد ملك عِنانك، وشغل زمانك؛ فالمعروف عندك ضائع، والشكر لديك مهجور، وإنما غايتُك في المعروف أن تحوزه، وفي مُوليه أن تكْفُرَه. " فكتب إليه أبو العيناء: بسم الله الرحمن الرحيم

وَأَنتَ كما قال الإِلهُ فإِنَّماأَتيتَ بلفظٍ ضِعفُه فيك يُوجَدُ

أما بعد فقد وصل إليَّ كتابك؛ سبُّك وعرُّك، ولقد كان لك في سُدَيف

وَبُغَا ما يشغلك عن البذاء، ولكن الله (إذا أَرَادَ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال).

وأنت امرؤٌ تزعُم أنك من أهل مَاذَرَايا، وهنالك حلّت بك الخزايا، من غير نقصٍ لأهلها، ولا دفعٍ لفضلها، لأنّك تُحبُّها وتشْنَؤُك، وتنتمي إليها وتدفعك؛ وإن امرءاً مُكرَّمٌ أبوه لجدير عند الفخر أن يُعفَّر فوه؛ وأمّا أُمك فامرأة من المسلمات الغافلات، والغفلةُ مقرونة بالخير، والعجب لك ولأخيك أنَّك لا تَنيك ولا يَنِيك، فعلامَ غررتم الحرائر واستهْديتم المهائر، وأنتم قومٌ تلَفَّقُون ما يأفِكون، واله أعلم بما تُوعُون؛ وفيمَ خطبتم النساء وأنتم تُخطبون، وكيف نقدتم المُهور مع حاجتكم إليّ الذكور، ثم أظهرتم حُبّ النِّسا، وبكم عِرق النّسا، وكيف ادّعيتم يوم الحرب الطِّعان،

وأنتم معشرٌ تَخِرُّون للأذقان، ولكم في كل يوم وِقاع تُلْفون وُقعاً للصدور، والرِّماح في أعجازكم تمور، وقد طبتم أنفسا بأن أصبحت نساؤكم عند جيرانكم، ورِجالكم عند غلمانكم، فإذا سببتموهُنَّ بالزِّنا سببنكم بالبغاء، وقد - لَعَمري - أظهرتم الدَّف، ونقرتم الدُّف، وأكثرتم الطَّعن وادّعيتم الإثآر؛ فلما احتيج منكم إلى اللقاء، وتُنجز منكم الوَفاء، انهزم الجمع وولَّيُتم الدُّبُر، فقُبحاً لكم آل مكرم قُبحاً يقيم ويلزم.

فلسْتُم عَلَى الأَعقابِ تَدمَى كلومُكمولكن على أَعْجَازِكُم يَقْطرُ الدَّمُ

فيا بُؤسى للعروس وإزارها الذي لم يُحلل، وفرعها الذي لم يُبلل، وللظّبية الغريرة وطرفها الفتّان، وقولها للأتراب، أما لآل مُكرَّك

زباب؟ وقد زعمت النساء، غير ما إِفكٍ: أنّك وأباكَ وأخاكَ جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأَنباطَ.

وذكرت أنك لا تعرف للمعروف طريقاً أحزن ولا أوعر من طريقه إليَّ، ولا مُسْتزرعاً أقل زكاءً ولا أبعد من ثمره خيرٌ من مكانه عندي.

فلو كان ما وصفت على ما ذكرت لما لحقك كُفر إنعام، ولا شكر إحسان، لقصور جدَتِك عن التفضّل وهمِّك عن الأفضال. بَلَى، أستغفر الله! لو وجدت فضلاً لوجهت به إلى العاملين عليها أعني أُمَّ الفُلْك، القاضية عليك بالهُلك؛ وأين أنت فيلحقني إكرامك، أو ينالني إنعامك؟ هيهات! جلَّ الأمر عن الحرش، وعفَّى السيلُ العَطَن؛ ولكنك يا أبا جعفر - وأنى لك بِجعفَر - لا تعرف للجِماع طريقاً أسهل

مأتىً ولا أقرب مأْخذاً من طريقه إليك، وحلوله عليك؛ هذا مع دَنَس أثوابك، ووَضَر أطرافك، ونتن أرْواحك.

وزعمت أن المعروف يحصل مني في حسب دني ولسان بذيّ، فانظر لك الوَيلات كيف ارتقيت، وإلى من تعدَّيت؟ وهل فوق رسول الله صلى الله عليه مَفخَر، وهل عن خُلفاء الله مَرْغَب؟ ولولا عدل سلطاننا وفضل أحلامنا، وأن الاقتدار يمنع الحرّ من الانتصار، مع دقّتك عن المجازاة، وسقوطك عن المُلاحاة، لاصطملكَ مِنّي الاعتزام؛ فاشكر لُؤْمَك إِذ نَجَّاك، وَخَصْمَك إذ رفعَ قدَره عنك.

وأما البذاء فما أعتذر إليك من إقماع اللّئيم وتعظيم الكريم، ولذلك أقول:

إذا أَنا بالمعروفِ لم أُثْنِ صادقاولم أَشتُم الجِبْسَ اللَّئيمَ المذَمَّما
ففيمَ عرفتُ الخيرَ والشرَّ باسمهِوَشَقَّ ليَ الله المَسامِعَ وَالفَمَا
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

وأما الجاحظ فإنه يقول في رسالة: سألتني - أبقاك الله - عن فلان، وأنا أخبرك بالأثر الذي يدلّ على صحّة الخبر، وبالواضح الذي يدلّ على الخَفيّ، والظاهر الذي يقضي على الباطن؛ فتَفهَّم ذلك - رحمك الله - ولا قوة إلاّ بالله.

فمن ذلك أني رأيته، وهو في جيرانه كالحيضة المنسية، وكلّهم يعرفه بالأُبنة، وله غُلام مَديد القامة، عظيم الهامة، ذو ألواحٍ وأفخاذٍ وأوراك وأصداغ؛ أشعر القفا، يلبس الرقيق من الثياب، ويُثابر على العطر ودخول الحمّام، ويتزيّن ويقلّم الأظفار؛ وكان - مع هذه الصِّفة - المدبِّر لأمره، والمشفَّع لديه، والحاكم على مولاه دون بنيهِ وأهله وخاصّته، والصارف له عن رأيه، إلى رأيه، وعن إرادته إلى هواه، وكان أكثر أهله معه جلوساً، وأطولهم به خَلْوةً، ولا يبيتُ إلاّ معه، وإذا غضب حَزَنه غضبه وطلب رِضاه، وكان أيام ولايته لا يتقدّمه قريب ولا بعيد، ولا شريف ولا وضيع؛ إن ركِب فهو في موضع صاحب الحرس من الخليفة، وإن قعد ففي موضع الولد السارّ والزوجة البارّة، وإن التوت على أحد حاجة كان له من ورائها،

وكانت أهون عليه من خلع نعليه، وكان يبيت في لحافه.

فحكمنا عليه بهذا الحكم الظاهر، ولا حُكم القًضاة بالتسجيل، وتخليدها في الدواوين، ولا كالإقرار بالحقوق وشهادات العدول.

وكتب العُتبي إلى صديق له يحذّره رجلاً، ويصف أخلاقه فقال: احذر فلاناً، فإن ظاهره برٌّ وغيبه عداوة، وإن أفشيت إليه حديثك وضعه عند عدوّك، وإن كتمته إياه شتمك عند صديقه، لا يصلح لك عند نفسه حتى يُفسدك عند غيره؛ وهو صديقك بما يلزمك من حقه، وعدوّك بما يُضيع من حقه عليك؛ إن دنوت منه آذاك، وإن غبت عنه اغتابك، يلطّخ ... صاحبه بأذاه، فإن غسله بالإعتاب أعاده بالعتب، وإن تركه عُيِّر به؛ السلامة منه أن

لا تعرفه، فإن عرفت فهو الداء، إن تداويت لم ينفعك، وإن تركته قتلك، أخلط الناس جدّه بهزله ليمنعك ما في يده منع هزْل، ويغلبك على ما في يدك مسألة جِدّ.

ووجدتُ أيضاً رسالة لأبي هفّان إلى ابن مُكَرَّم وهي: أما بعد يا بن مكرم ضدّ اسمه، وخطيئة أبيه وأُمّه، يا سُبّة العار على سُبته، ولعنة إبليس على لعنته، ما أظنّك من نُطفة، ولا كانت لواضعتك عُذرة؛ أفرغك أبوك من سَلْحَةٍ على سلحة، وأجراك من أمّك في فقحةٍ إلى فقحة، فأنت كما قال الشاعر:

لَعْنَةُ اللهِ عَلى نَتْنَيْهماشِعْرَتَيْنِ احْتَكَّتَا في طَلَبِهْ

أولُك زِينةٌ وآخرك أُبنَة، فكُلُّك لعنة في لعنة، تقصع القمل بأسنانك، وتمسح مُخاطك بلِسانك، وتستنزل مَنيَّك ببَنانك، ومَنيَّ

غيرك بعجانك، عبدُك يصفعك، وخادمك يقمعك، وكلبك يلطعك، وصديقك يقطعك، نَفَسُك فُساء، وخَشمك خَراء، وريقك ماءُ العَذِرة، وكل خِلالك قذرة؛ وأنت للأحرار عيّاب، وبين الكرام نمّام، وأنت للأُدباء حاسد، وللعلماء شاتم، وبالجليس هامز، وفي المُحسن إليك غامز، تُظهر جورَك، وتتعدّى طورك، مَهين في نفسك، عُرَّة في جنسك، حالف في كل حق وباطل، كذوب على الجادّ والهازل، تطلب أن تُهجى، وتستدعي أن تُزَنَّى، وقد سبق القول في مثلك، مع نذالة فعلك، ولؤم أصلك.

أَما الهِجاءُ فَدَقَّ عِرضُك دونَهوالمَدْحُ عَنك كما علِمت جَليلُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أما الهجاء فدق عرضك دونه»
فاذهَب فأَنت طليق عِرضِك إنَّهعِرضٌ عززتَ به وأَنت ذَليلُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أما الهجاء فدق عرضك دونه»

فأنت - يا بن الكَشْخان القرنان الدَّيُّوث الصَّفْعَان - عتقٌ لأُستِ الشيطان - لا لوجه الرحمن، فالهجاء من أن يُعذَّب بك في أمان، فأنت

بعزّ لؤمك في سُلطان، معرفتك تُشين، وقطيعتك تزين، وذكرك سُبة، وقتلك قُربة، لا يُحصي الخلق عيوبك، ولا تُثبت الحفظة ذنوبك، أنت بالله مُشرك، وفي خلقه مُتهتّك، نقصُك مفروض، ودينك مرفوض، وبكلّ قبيحٍ منعوت، وعند العالم ممقوت، أحسن آدابك الزَّندقة، وأفضل حالاتك الصدقة، نذْل الأُبوّة، رذْل الأُخوّة، عدوّ المُروّة، لم تؤمن بنبوّة، ولم تُعرف بفُتوة، تقصد الكريم بسبابك، فيُذلّك بترك جوابك، جئت بأُمٍّ من حمام الدجّال، تُوازي بها أمهات الرجال، لا صوم ولا صلاة، ولا صدقة ولا زكاة، لا تغتسل من جنابة، ولا تهتمُّ بإِنابة، عقوقك بأبيك أنه غبر من يدّعيك، لقاتلك أرفع الدَّرج، وما على قاذفك من حرج، وكلّ ذلك بالآيات والحُجج، الحدُّ لتارك وصفك، والنار للمُطْنِب في مدَْحِك، ولقارئ مثالبك وكاتب معايبك ثواب أكثر مما لك من العقاب، لك خُلِقَت سَقَر، ومن أجلك يعذَّب البشر، أحسن في عينيك من القمر، ما تستدخله من الكَمَر، تهيب المؤمنات والمؤمنين، وتقذف المحصنات والمحصنين، إذا ليسوا لك بآباء، ولست لهم في عِداد أبناء، فأنت كما قال الشاعر:

مُغْرىً بِقَذْفِ المُحَصَناتِ وَلَسْتَ من أبنائِها

آنف للعلم الذي حويته، وأغارُ على الشعر الذي رويته، فأنت - وإن غلطت بكلمة طريفة، أو حجّة حكيمة، أو نادرة مليحة، اعتباراً للسامع وفكرة للعاجب - سفيه على إفراط قَذَرك، حسود على شدة بَخَرك، ووقّاع على قاتل ذَفَرك، تُمازح فلا تُحسن وتُجاب وتُذعن، إن تُرِكت عبثت، وإن عُبثَ بك استغثت، فَمَثَلك " كمثل الكلب، إنْ تَحْمِلْ عليه يَلْهَثْ أوْ تِتْرُكْهُ يَلْهَثْ "، فاستمع يُشبهك في الأيام، يا عيب المعايب، ويا شين المحاضر والمغايب، فلك المثل الأسفل، والقياس الأرذل، والشبه الأنذل كما قيل:

وَأَدعوكَ للأَمر الذي أَنتَ شينُهعلى شينهِ يا فاضحاً للفَضائح

ووجدت أيضاً رسالة أفادِنيها أبو محمد العَروضيّ لابن حمّاد

في أبي مُقلة أبي عليّ يُمزّقه فيها، ويذكر خساسة أصله، وسقوط قّدّره، ولؤم نفسه، وفُحش منشئه، تركتُ تخليدها في هذا المكان، وكذلك تركتُ غيرها هرباً من التطويل.

وبعد فحمدُ المُحسن وذمّ المُسيء أمران جاريان على مرّ الزمان مُذْ خلق الله الخلق، وعلى ذلك يجري إلى أن يأذن الله بفنائه، وهو ﷿ أول من حَمِد وذمَّ، وشَكَر ولامَ، ألا تراه كيف وصف بعض عباده عند رضاه عنه فقال: (نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ)، وقال في آخَر (إِنَّهُ كانَ صَادِقَ الْوَعْدِ)، وعلى هذا، فإنه أكثر من أن يُبلغ آخره، ثم انظر كيف وصَفَ آخر عند سخطه عليه وكراهته لما كان منه فقال: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ).

وهذا فوق ما يقول مخلوق في مخلوق.

وقال الحسن البصري: الهمّاز: العيّاب، ومشّاء بنميم: ينقل الكلام القبيح، منّاعٍ للخير: بخيل، معتدٍ أثيم: ظلوم ذميم، عُتُلّ: جاف، والزنيم: الدَّعِيُّ.

قال أبو سعيد السّيرافي: العُتُلّ: نُراه من قولهم جيءَ بفُلان يُعْتَل إذا غُلِظ عليه، وعُنّف به في القود.

وكيف يأثم الإنسان في غيبة من كان قلبُه نغِلاً بالنِّفاق، وصدره مريضاً بالكُفر، ونفسُه فائضة بالقساوة، ووجهه مكسوراً بالصَّفاقة، ولسانه ذَرِباً بالفُحش والبذاءة، وسيرته جارية على الكيد والعداوة، وعِشرته ممقوتة بالنكد والرداءة؛ وقد أثنى الله على واحدٍ ولعن آخر، وحَطّ هذا إلى الحُشّ ورفع ذلك إلى العرش، وعاتب، وأنّبَ ولام وذَمَّ؛ وكذلك رسوله ﷺ، ومن تقدّمه من الأنبياء والمرسلين

والأولياء المخلصين؛ وعلى هذا فُورِق السّلف الطاهر، والصحابة العِلية، وهم القُدوة والعُمدة، وإليهم يُنتهى في كل حال، وعليهم يُعتمد في كلّ أمرٍ ذي بال.

فمن ذا يُزري على هذا المذهب إذا خرج القول فيه مَعْضوداً بالحُجّة، ممدوداً بالمعذرة، معقوداً بالنصفة، وكان فيه برد الغليل، وشفاء الصدر، وتخفيف الكاهل من ثقل الغَيْظ على أجمل وجهٍ وأسهل طرق، مع مُسامحةٍ ظاهرة، وتغافُل عريض؟

وقيل لبعض الصّالحين: أيُّ شيءٍ ألذّ؟ قال: ركوب هوىً وافق حقّتا، وإدراك شهوةٍ لا تثلِم دينا، وقضاءُ وطَر لا يَتَحيَّف مُرُوَّة، وبلوغ مُرادٍ لا يُسيَّر قالةً قبيحة؛ والمذهب الأول مذهب الزُّهاد والمتأبّدين، وأصحاب الوَرع والمتعبّدين.

ونحن قد بيّنا الأصل في هذا الباب، فليس بنا حاجة إلى التكثير؛ وكيف يلزمنا حكم من يتعجرف في قوله ويختار على رأيه، ويعترض بجوره.

ونحن قد اقتدينا بالله رب العالمين، وجرينا على عادة الأنبياء

والمرسلين وأخذنا بهَدْي عباد الله الصالحين؛ وإنما أشكل القول في هذا المذهب على قوم مدحوا الصّمت، وكرِهوا كثير القول؛ وقليل الكلام عندهم فضل، وكثيره هُجْرٌ، وفيه اللّغو الذي يجب أن يُتجنّب، والحشو الذي لا ينبغي أن يُعتاد.

وهؤلاء قوم - أكرمك الله - لا يعرفون فضل ما بين التفيهُق المذموم والبلاغة المحمودة، والتشدُّق المكروه والخطابة الحسنة، وما هو من باب البيان المشتمل على الحِكمة، وما هو من باب العِيِّ الشَّاهد بالهُجنة؛ ومتى كان ذكر المهتوك حراماً، والتشنيع على الفاسق مُنكراً، والدلالة على النّفاق خطَلاً، وتحذير الناس من الفاحش المتفحّش جهلاً؟ هذا ما لا يقوله من قام بالموازنة وبالمكايلة، وعرف الفرق بين المكاشفة والمجاملة؛ وإنما غَزُر الأدب، وكثُر العلم، وجزُلت العبارة، وانبعَجَت العِبر، واستفاضت التجارب، لما وقفوا عليه من أنباء الناس وقصصهم وأحاديثهم في خيرهم وشرهم، وفي وفائهم وغدرهم، ونُصحهم

ومكرهم، وأمورهم المختلفة عليهم، والحسن الذي شاع عنهم، والقبيح الذي لصق بهم، والمكارم التي بقيت لهم، والفضائح التي رَكدت عليهم؛ والدنيا دار عمل؛ فمن عمل خيراً ذُكر به، وأُكرم من أجله، ولُحظ بطرْف الوقار، وصين عِرضه عن لصوص العار والشنار، وأُلحق بأصحاب التوفيق، ومن له عند الله الوزن الراجح، والوجه المُسفر؛ ومن عمل شراً لِيم عليه، وأُهيم من أجله، ونُظر إليه بعين المَقْت، وأَلصق بعرضه كل خِزيّ، وبيع فيمن ينقُص لا فيمن يزيد؛ والجزاء وإن كان مؤخراً إلى دار الآخرة لأهله، فإن بعض ذلك قد يُعجَّل لمُستحقه، ولهذا قال الله ﷿ في تنزيله: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا، ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

والذي ذكرته عن الجاحظ فليس هو أول من اقتضبه وسنّه، بل قد سلف فيه قوم كرام، وخلف عليه ناس من جلة الناس. أنا قرأت رسالة لابن المقفع في معايب بعض آل سُليمان

ابن عليّ الهاشميّ، وكذلك أصبتُ رسالة لسهل بن هارون في مثالب الحرَّاني، ورأيت أيضاً رسالة لسعيد بن حُميد في فضائح

آل عليّ بن هشام؛ وحتى الصُّولي بالأمس ذمَّ بعض بني المُنَجّم في رسالة له.

وحدثنا حمزة المصنّف عن أبي البغدادي قال: كتب أبو العَيناء إلى أحمد بن أبي دؤاد: أما بعد فالحمد لله الذي حبسك في جلدك، وأبقى لك الجارحة التي بها تنظر إلى زوال نعمتك، قال: وهي طويلة، قال: وقال أبو العَيْناء: لولا أن القدر يُعشي البصر، لما نهى ولا أمر، ومن غريب

هذا الفنَ رسالة لأبي العباس محمد بن يزيد في خبائث الحسن بن رجاء، ورأيت أيضاً رسالة للعمري في رقاعات الفضل بن سهل ذي الرياستين.

فأما الشعراء وأصحاب النظم، وأرباب المدح والهجاء، والثَّلب والحمد، والتشنيع والتَّحسين فهم كالطِّم والرِّم؛ لا يكسبون إلا بهذا المذهب، ولا يعيشون إلاّ على هذا الاختيار، ولهم الهِجاء المُنكر، والقول المُخزي، والقذْع المؤلم، واللفظ الموجِع؛ والتعريض الذي يتجاوز التصريح، والتصريح الذي يجمع كل قبيح، وأمرهم أظهر من أن يُدلّ عليه، وشأنهم أبينُ من أن يُردّد القول فيه.

وإنما المَدار الصّدق في القول، وعلى تقديم الحق في العقد، وقصد الصّواب عند اشتباه الرأي وغَلَبة الهَوى.

فأما قول أبي الحرث حمين وقد سُئل عمّن يحضُر مائدة محمّد ابن يحيى، وجوابه: الملائكة، قيل: إنما نسألك عمن يأكل معه، قال: الذُّباب فإن هذا من باب التملُّح والمجانة، وليس من قبيل الصدق في شيء؛ وإن كان بعض الصدق مشوباً، وبعض الحقّ ممزوجاً فلا بأس ولا حرج، فإن ذلك القدر لا يقلب الصدق كذباً، ولا يُحيل الحق باطلاً وأين المحضُ من كل شرٍّ، والخالص من كل خير؟ إنك

إن رُمت ذاك في عالم الكون والفساد، ودار الامتحان والتكليف، مع هذه الطبائع المختلفة، والعناصر المتمازجة، والأسباب القريبة، رُمت محالاً، ورائم المحال خابط، وطالب الممتنع خائب، ومُحاول ما لا يكون مَكْدود مُعَنّى، ومحدود مُعدّى، ومرجعه إلى النّدم، وغايته الأسف الذي يشجو النّفس، ويَمْرُس الفؤاد، ويُوجع القلب ويُضاعف الأسى، وربما أفضى إلى العطب.

قد ذكرنا - حاطك الله - جملة من القول رأينا تقديمها والاستظهار بها، قبل أخذنا فيما أنشأنا له هذا الكلام، قصداً لفلّ حدّ الطاعن، وحسماً لمادة الحاسد، وتعليماً للجاهل، وإرشاداً للمتحيِّر، واحتجاجاً على من يُدِلّ بحفظ اللسان، وكتمان السرّ، وطيّ القبيح، ومُسالمة الناس، واغتفار المنكر؛ وهو مع ذلك في قوله كالأسد في غيله، والنِّمر في أشِبِه، والثُّعبان في وِجاره، حتى إذا غُمِز غَمْزةً، أو وُخِز وَخْزَةً، رأيت معاقد حلمه مُتحللة، ودخائر صبره منتهية، وكظمه الذي

كان يُدلُ به مفقوداً، وجلده الذي كان يدعيه باطلاً؛ وما أكثر من يتكلّم - على السلامة من النفس والمال، وطيب القلب، ورخاء البال، وعند مواتاة الأمور، وطاعة الرجال، ومُساعدة المراد - بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، وبالنظر الدقيق، واللفظ الرقيق، حتى إذا التوت عليه حالٌ، وتعسّر دون مُراده أمر، وعرض في بعض مطالبه تعقُّد، سمعتَ له هناك زَخرةً ونخرةً، وضجرة، وكَفْرة، كأن لم يسمع بالحلم والتحلُّم، والصبر والتصبُّر؛ يخرج من فروته عارياً من الحلم والكظم، بادي السَّوأَة بالبذاء والجهل، كما يخرج الشَّعر من العجين، ولعلَّ ما نزل به وحلَّ عليه لم يرْزأَه زِبالاً ولا مسح عنه عِذاراً.

وهذا هو اللئيم الذي بلغك، والسّاقط الذي سمعت به والله تعالى يقول: (لاَ يُحِبُّ اللهَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمْ)؛ وروى أصحابنا عن ابن عباس أنه قال: إلا مَن لَم يُكْرَم، في ضِيافتِه، فإن كان هذا التأويل صحيحاً، وهذا الوجه معروفاً، فأنا ذلك المظلوم،

ولا بد لمن ظُلم من أن يتظلّم، وكيف يكون المظلوم إذا انتصر ظالماً، والله يقول: (وَلِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوُلئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ)، ولو كان المظلوم إذا تظلّم ظالماً، لكان الظالم إذا ظلم معذوراً؛ وكما هجّن الله لوم المُحسن، فكذلك حسَّن توبيخ المُسيء، وكما أثاب على تزكية من كان طاهراً، كذلك آجرَ على جرْح من كان مَدخولاً؛ ألا ترى أن التقرّب إلى الله بِعداوة أبي جهل، وذمِّه ولعْنه وذِكر لؤمِه وخَسَاسته، كالتقرب إلى الله بولاية أبي بكر ومَدحِهِ والترحُّم

عليه وذكر فضْله وبلائه ونُصرته؛ وهذا مُستمر في غير أبي جهل ممَّن عادى الله ورسوله صلى الله عليه، كما أنه مُستمر في غير أبي بكر ممن أطاع الله ورسوله؛ وإنما الأمور بعواقبها، والمذاهب بشواهدها، والنتائج بمقدماتها، كما أن الفروع بأُصولها، والأواخر بأوائلها، والسُّقوف بأساسها.

ولستُ أدّعي على ابن عبَّاد ما لا شاهد لي فيه، ولا ناصر لي عليه، ولا أذكر ابن العميد بما لا بيّنة لي معه، ولا برهان لدعوايَ عنده، وكما أتوخّى الحقّ عن غيرهما إن اعتراض حديثه في فضل أو نقص، كذلك أعاملها به فيما عُرفا بين أهل العصْر باستعماله، وشُهِرا فيهم بالتحلّي به، لأنَّ غايتي أن أقول ما أحطتُ به خُبرا، وخفظته سماعاً.

وسهلٌ عليَّ أن أقول، لم يكن في الأولين والآخرين مثلهما، ولا يكون إلى يوم القيامة من يَعْشِرهما اصطناعاً للنّاس، وحِلْماً عن الجُهّال، وقياماً بالثواب والعقاب، وبذلاً لقنْية المال، ولكلّ ذُخرٍ من الجواهر والعقد؛ وأنهما بلغا في المجد والذِّروة الشمّاء، وأحرزا في كل فضلٍ وعلم قَصَب السَّبق، وأن أهل الأرض دانُوا لهما، وأن النقص لم يشنهما بوجه من الوجوه، وأن العجز لم يَعْترهما في حال من

الأحوال؛ وأنهما كانا في شعار إمام الرافضة وعصمته المعروفة، وأن الاستثناء لم يقع في وصفهما في حالٍ، لا في الصناعة والمعرفة، ولا في الأخلاق والمُعاملة، ولا في الرياسة والسياسة، ولا في الأُبوّة، والعُمُومة، ولا في الأُمومة والخؤولة، وأن الولادة قرَّت على شرف المَحْتِد، والمنشأ جَرَى على كَرَم المَولِد؛ فالجوهر فائق في الأصل، والمجدُ عميم في الفرع، والنِّصاب مقوَّم بالقديم المذكور، والخير شامل في الحديث المشهور، والنجابة معروفة عند الوليّ والعدوّ، والعِرقُ نابض بكل فعل رضيّ، والغَور بعيد على المتأمل، والأمر كلّه عالٍ عن المتطاول، وأنه كما يُقال لهذا؛ ابن العميد لنبَاهة أبيه، كذلك كان يُقال لذاك ابنُ الأمين

لخير كثير كان فيه، أن العميد وإن كان مقدّماً في الكتابة، فقد كان الأمين معظَّماً في الديانة، والكِتابة صناعة تدركها الخُلوقة، والديانة حلية لا تزْداد إلا الجِدَة، وتلك الدنيا هي زائلة، وهذه الآخرة وهي باقية، والله تعالى يقول: (وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، (وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ)؛ على أن الأمين كتَبَ لرُكن الدولة كما كتب

العميد لصاحب خراسان. والأمين كان ينصر مذهب الأُشْنانيّ تديُّناً وطلباً للزُّلْفى عند ربّه، والعميد كان يعمل لعاجلته؛ وإن قلتَ كان الأمين معلّماً بقرية من قُرى طالقان الدَّيلم، قيل: وكان والد العَميد نخّالاً في سوق الحنطة بقُمّ.

فدع هذا ونظيره، وأنك متى أردت أن تُحصي صنائع ابن العميد وابن عبّاد أردت عسيراً، ومتى أثرت أن تُحَصِّل فضائلهما حاولت ممتنعاً، وأنهما كانا بالسياسة عالمَيْن، ولأولياء نِعَمِهما ناصحين، وإلى الصَّغير والكبير متَحَبّبيْن، وعلى القاصي والداني حَدِبَيْن،

ولأموالهما باذلين، ولأعراضهما صائنين، وفي مرضاة الله دائبين، وعلى هدي أهل التُّقى جاريين، ومن كل دنسٍ ونطف بعيدين نزهين؛ وأنهما لو بقيا لنزَل عليهما الوحي، ولتجدّد بهما الشَّرع، وسقط بمكانهما الاختلاف، وزال بنظرهما ما فيه الأُمة من هذا العيش النَّكد، والشؤم الشّامل، والبلاء المحيط، والغلاء المتَّصل، والدِّرهم العزيز، والمكْسب الدَّنِس، والخوف الغالب، ولكانت الأرض تُخرج أثقالها، وتلفِظُ كنوزها، ويستغني من ألم الفقر أهلها، ومن فضيحة الحاجة أربابها، ويعود ذوي الدين ناضراً، وخامل المروَّة نَبِيهاً.

ولكن قد يسمع هذا الكلام مني من شاهدهما، وتبطّن أمرهما، وخبر حالهما وعرف ما لهما وما عليهما، فلا يتماسك عن زجري وخسائي وإسكاتي ومَقْتي، ولا يُنَهْنهه شيء عن مُقابلتي بالتكذيب واللّوم، ولا يجد بداً من أن يردّ قولي في وجهي، ولا يسعه إلا ذاك بعد ازدرائي وتجهيلي، ولا يلبث أن يقول: انظُروا إلى هذا الكذب الذي ألّفه، وإلى هذا الزُّور الذي فوّقه، والباطل الذي وصفه، والحقّ الذي دفعه

بسبب ثوب لعله أخذه، أو درهم ثنى عليه كفّه، أو حاجةٍ خسيسة قُضيت له؛ تبلغ قلّة الدين وسُوء النظر فيما يُتعقّب بالتقبيح والتحسين أنه يمدح واحداً مَقْروفاً بالزَّندقة والكُفر، ويُقرّظ آخر معروفاً بالإلحاد والسُّخف، ويصف بالجود من كان أبخل من كلب على عقي صبيّ ويدّعي العقل لمن كان أحمق من دُغَة؛ ومن أظلم ممن يصفالسفيه بالحصانة، واللئيم بالكرم، والمتعجرف بالأناة، والعاجز بالكفاية، والنّاقص بالزيادة، والمتأخر بالسّبق، والعنيف بالرِّفق، والبخيل بالسخاء، والوضيع بالعلاء، والوقاح بالحياء، والجبان بالغناء؟ فلا يكون حينئذٍ لقولي قابل، ولا لحُكمي ملتزم، ولا لنَصَبِي مرجوع، ولا لسعي نُجح، ولا لصوابي مُختار، ولا لحُدائي مستمع؛ وفي الجملة لا يكون لدعْواي مُصَدّق.

ولَعمري لو انقلبت عن ابن عبّاد - بعد قصدي له من مدينة السّلام وإناختي بفنائه مع شدّة العُدم والإنقاض، والحاجة المُزعجة عن الوطن، وصفْر الكفّ عما يُصان به الوجه؛ وبعد تردُّدي إلى بابه في غِمار الغادين والرائحين، والطامعين الرّاجين، وصبري على ما كلّفني نسخه حتى نشِبتُ به تسعة أشهرٍ خدمةً وتقرُّبا، وطلباً للجدوى منه، والجاه عنده، مع الضَّرع والتملُّق - ببعض ما فارقت من أجله الأعزَّة، وهجرت بسببه الإخوان، وطويت له المهامِه والبلاد، وعلى جزءِ مما كان الطّمع يُدندن حوله، والنفس تحلم به، والأمل يطمئن إليه، والناس يعذرونه ويحققونه، لكنت لإحسانه من الشاكرين ولإساءته من السَّاترين، وعند ذكره بالخير من المساعدين المصدقين، وعند قرفهِ بالسُّوء من الذّابّين الممتعضين. والشاعر يقول:

من يُعطِ أثمانَ المحامد يُحمَد

والآخر يقول:

والحمدُ لا يُشتَرى إِلاّ بأَثمان

والآخر يقول:

وإن المجدَ أَولُّه وُعورومَصْدَرُ غِبّة كرمٌ وخِيرٌ
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
وإنك لن تنالَ المجدَ حتّىتجودَ بما يَضَنُّ به الضميرُ
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
بنفسِك أَو بملكك في أُمورٍيَهاب ركوبَها الورَعُ الدَّثور

والآخر يقول:

والْحمدُ لا يُشتَرى إلا له ثَمنمما يَضَنُّ به الأَقوامُ معلومُ
والجودُ نافيةٌ للمال مُهلِكةوالبُخْلُ مبق لأَهلِيه ومَذمُومُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

وقال الآخر:

ومن لا يَصُن قبلَ النّوافِذ عرضَهفيُحرزَه يُعْرَرْ به ويُحَرَّقِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ويوم تلافيت الصبا أن يفوتني»
ومن يلتمِسْ حسْنَ الثناءِ بمالِهِيَصُنْ عِرضَه من كل شنعاء مُوبِق
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ويوم تلافيت الصبا أن يفوتني»

ولكنني ابتُليتُ به، وكذلك هو ابتُليَ بي، ورماني عن قوسه مُغرقا فأفرغتُ ما كان عندي على رأسه مغيظاً؛ وحرَمَني فازدَرَيته،

وخصّني بالخيبةِ التي نالت مني، فخصصته بالغيبة التي أحرقته، والبادي أظلم، والمنتصف أعذر؛ وكنت كما قال الأول:

وإِن لسَاني شَهدةٌ يشتَفَى بهأَجَلْ وعَلَى مَن صَبَّه اللهُ علقَمُ

ولئن كان منعني ماله الذي لم يبق له، فما حظر عليَّ عرضه الذي بقي بعده، ولئن كنتُ انصرفت عنه بخُفَّي حُنين لقد لصق به من لساني وقلمي كل عارٍ وشَنَار وشَيْن، ولئن لم يرني أهلاً لنائله وبرّه، إني لأراه أهلاً لقول الحق فيه، ونثِّ ما كان يشتمل عليه من مخازيه، ولئن كان ظنَّ أن ما يصير إليّ من ماله ضائع، إني لأتيقّن الآن أن ما يتّصل بعرضه من قولي شاعر، والحساب يُخرج الحاصل من الباقي، والنَّظرُ يميّز الصحيح من السّقيم، والاعتبار يفرد الحق من الباطل، والمُنصف في الحُكم يعذِر المظلوم ويلوم الظالم، والشاعر يقول:

فإِن تَمنَعُوا ما بأيدِيكُمُفلن تمنَعُونا إذَن أَن نَقولاَ

وقال آخر:

فيا قَوْمَنا لا تظْلِمُونا فإِنَّنانَرَى الظُّلْم أَحياناً يُشِلُّ ويُعْرِجُ
ويَترُك أَعرَاضَ الرِّجال كأَنَّهافريسَة لحْمٍ ليسَ عَنها مُهَجْهِجُ

وقال آخر:

إنّ الذي يَقْبِض الدُّنيا ويَبْسُطُهاإن كانَ أَغناك عَنّي فهْو يُغْنيني
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا من لقلب شديد الهم محزون»
ماذا عليَّ وإِن كنتُم ذوِي رَحِميأَن لا أُحِبَّكُم إِذْ لم تُحِبُّونِي
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا من لقلب شديد الهم محزون»
يا قَوم إِن حَصاتي ذاتُ مَعْجَمَةٍعلى العَدُوّ فخلّوهم وخَلُّونِي

وقال آخر:

لَئن طِبتَ نفساً عن ثَنائيَ إننيلأَطيَبُ نفساً عن نَداك على عُسْرِي
فلَستُ إلى جَدْواك أَعظَم فاقةًعَلَى شِدّة الإعسَارِ منك إِلى شُكْرِي

وروى الحَزَنْبَل عن أبي الأعرابي قال: مَدَح زياد

الأعجم بعض العمّال فحرمه ورأى لكنته فاستحقره، فدخل فأنشده:

وكنتُ إذا مَا عامِلٌ عَقَّ أُمَّهوَلم يَحْمها مِنِّي أَبحتُ حِمَاهُما
كسَوتُهما بُرْدَينٍ من يَمَنِيةٍإذا أُلبِسَا كانَا بَطِيئاً بِلاَهُما

وأجهل الناس في ارتفاع منزلته، من ظنّ أنّ عِرضه في خفارة قُدرته، وأن المُقدم عليه مُتعرض لنكيره، وخير من هذا الظن أن يحتمل ألم مُفارقة المال ببعض الميسور، حتى لا يقرف بشيء لا غاسل له، ولا نافح عنه؛ ما الذي ربح اليزيدي حين آسد الشاعر الذي حرمه على نفسه حتى قال فيه شيئاً شافياً لغليله منه بما بقي على أُست الدهر، وذلك قوله:

بَنو اليَزيديّ في أدبارهم شعَرٌقد شابَ ممّا عليه تُحلَبُ الكَمَرُ
أَمَّا حُبيْشَةُ منهم فهُو ممتَحَنٌمن البغاء بما لم يمتَحَن بَشَرُ
بوُدّه أَن كلَّ الناسِ من حُمُرٍوكلَّ جَارحة في جِسْمِه ذَكَرُ

والله للخروج من الطّارف والتّالد أسهل من التعرّض لهذا القول والصبر عليه وقلّة الاكتراث به، ولهذا بكت العرب من وقع الهِجاء كما تبكي الثَّكْلى من النساء، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخوَّن جمالها ويعيب فعالها.

ومما يُختَل به الرئيس ويَذهل عليه أنه ينظر إلى جماعة بين يديه قد أحسن إلى كلّ واحد منهم وقرّبه وأعطاه واختصّه بشيء وأنابه بحال، وإذا رأى واحداً بعد هؤلاء لا نباهة لقدره، ولا جهارة لمنظره، ولا شُهرة لاسمه ومنصبه حقَره، وثنى طرْفه عنه، وأغضاه دونه، ولم يهشّ لذكره ورؤيته، واعتقد أنه ليس بذي محلٍّ يبالي به، ولا يبين في غمار الباقين؛ أو يجب على ذلك المحروم أن يذكره بما هو أغلب عليه، وأشهر عنه، وأن يعدَّ نيل غيره كرماً قد عمَّ، وأن كان إخفاقه وحده لؤماً قد خص؟ وهذا موضع يُشكِل قليلاً، وتطول فيه الخصومة بين الآمل والمأمول، على أن الكرم والاحتجاج لا يجتمعان، واللُّؤم والاحتيال لا يفترقان؛ وقد ألمَّ الشاعر بطرف من هذا المعنى بقوله:

إِن تكلَّمتُ لم يكُن لكلاميموقعٌ والسكوتُ ليس بمُجْدِي
فأَبنِ لي أَكُلُّ هذا التوانيفي جَميع الإِخوان أَم فيَّ وحْدِي
أَم ترى ما اصطنَعته عند غيريواجب أَن أَعدَّه لك عِندي

والذي أقول غير محتشم ولا مراقب: أنّ السؤدد لا يكون إلا باحتمال خِصال من الصَّبر والحِلْم والتكَرُّم والبذل والعَطاء والتفقُّد، وهنّ أثقل مما يُعانيه الزائر بأمله، والفقير برجائه، والشاعر بطَمَعه، والمُنتجِع بزيارته؛ اللهم إلا أن يكون السّيد يجري في هذه الأخلاق والشِّيم على الهوى فيُعطي من كان روحاً عنده، وأحلى شمائل وألطف فضلاً، وأعبر قولاً، فهذا ليس عليه من ثقل السُّؤدد شيء، لأنه قد ميّز ما يخفّ عليه مما يثقل، وما يتصل بنفسه مما ينبو عنه، وما هذا السؤدد ما قال أبو الأسود الدِّبلي لعُبيد الله بن زياد: إنك لن

تسُود حتى تصبر على سرار الشيوخ البُخر، وهذا الكلام كالميل، وقال الشاعر،

لا تحسِب المجدَ تَمراً أَنت آكِلُهلن تِبْلُغَ المجدَ حتى تلعَقَ الصَّبِرا
للشاعر أبو الصوفي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار صادر ببيروت عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخلاق الوزيرين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.