تجاوز إلى المحتوى

من «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

أخلاق الوزيرين (٧)

فقال: هذا من فقد التناصف في الأصل، وإلا فالحال مُفضية في التحقيق إلى الكلام الأول.

ثم قال: وأما الرقاعة فانتفاش القُضاة والشهود، ألا تراهم كيف يوسّعون أكمامهم، ويعرّضون جيوبهم، ويُرخون أطواقهم، وينظرون إلى الأرض تعظُّماً على من يُكلِّمهم، وتبرّؤا ممن يخالفهم؟ ألا ترى إلى دنياتهم وقرامعتهم وقلانسهم وعمائمهم وتحنبُلهم وتقتُّلهم؟ فهم كما قال الشاعر:

وأَنت باللّيل ذِئبٌ لا حريمَ لَهُوبالنّهار عَلَى سمت ابن سِيرينِ

وإذا تكلم أحدهم خفض صوته، وقطّع حروفه، وسبّح في خلال ذلك، وقال: عافاك الله اسمع! ويا هذا أصلحك الله! ويا عبد الله الصالح! قُل خيراً، ولا قليل من الله، ويا فُلان! اتّق ربك الذي إليه معادك، أما عليك حفظة من قِبَل الله؟ أما للإسلام عندك حُرمة؟ أما تؤمن بالله؟ أما تؤمن بيوم الحساب؟ قال: وأما الرّعونة فما عليه الشُّطّار من هؤلاء الشباب الجلد الذين يرفعون الحجر، ويدّعون الفتوّة، ويُكثرون ذكرها ويحلفون بها، ويسمّونها " الجوامَرْدِية "، ترى أحدهم يضيّق الأكمام ويحلّ الأزرار، ويفتُل السِّبال، ويمشي متحاملاً، ويتكلم متصاوِلاً.

قال: وأما الجنون فما تجد عليه هؤلاء الذين يتنازعون بينهم قولهم: أبو بكر خير من عليّ، وعليٌّ خير من أبي بكر؛ وإذا حلفوا قالوا:

وقدر عليّ، وحقّ الصدّيق؛ ويقولون: بغداد أطيب من البصرة، وبادية البصرة أخف من بادية الكوفة، والرّازقي خير من البارقيّ، والسُّونائي أحلى من الكرخي، وسامَرَّة فوق " إِرَمَ ذاتِ العِماد "، وفلان فضلي، وفلان مرعوشي؛ وترى لهم في هذا الطريق اهتماماً وإنفاقاً وقوة ومغالبة ومشاغبة ومحاكمة وملاطمة؛ وهكذا إذا جرى حديث الشاعر والشاعر، كالعوفي والنّاشي، والامح، والقاصّ

كالبربهاري والقسري.

وقد صدق هذا الشيخ، فقد سمعنا من هذا ما لا يطمع في إحصائه.

وقال الزّعفراني الشاعر: كيف يكون هذا الرجل - يعني ابن عباد - دياناً ومتألّهاً، وهو يبتذل العلوية والأشراف، ويٌهينهم أعوانه، وهم يعدون بين يديه فلا ينكر ذلك منهم؛ ولقد فال يوماً، وهو يريد الركوب لبعض حُجّابه: نظف الطريق من هذه الخنافس والجُعْلان والحرابي والغِربان.

فقلت لبعض من كان إلى جانبي: من يعني؟ فقال: يعني هؤلاء الواردين من الحجاز لسواد ألوانهم وتفلفل شعورهم، ودَمامة وجوههم وانحطاط قدودهم، وقلة دَماثتهم واختلاف حركاتهم وشَمائلهم.

قال: أَفهذا من التشيّع والولاء وما يجب لهذا البيت؟

ثم يدّعي أنه زيدي، فإذا قرض قصيدة غلاَ، وزاد على العَوْفي والنَّاشِي.

وأما أنا فما رأيت أحداً من خلق الله في حدّته سفه لسانه؛ خرج يوماً من دار مؤيد الدولة من باب غامض هرباً من قوم كانوا يرقبونه على الباب المشهور من السَّحَر الأعلى، وهو وحده بين يديه رِكابي، فعرفته عجوز فقامت في وجهه ودعت له، ومدّت يدها بقصعةٍ معها فقال: ما تريدين يا بظراء يا بخراء يا عَفلاء يا فقماء؟ على هذا إلى تباعد، فبقيت العجوز مبهوتة، وقالت: مسكين هذا الرجل، قد جُنّ.

فقلت لبعض أصحابه: ما هذا النّذل والفُحش والخِفّة والطّيش؟ فقال: هذا دأبه إذا جاع.

فقلت: أجاع الله كبده وسلبه نعمته! وحدثني العتّابي قال: الرجل لا دين له؛ سمعته يقول في الخلوة، وقد جرى حديث

المذهب: كيف أنزل عن هذا المذهب، يعني الاعتزال، وقد نصرته وشهرت به نفسي، وعاديت الصغير والكبير، وانقضى عمري فيه؟ قلت للعتابي: ومن أين وقع في هذا الإلحاد؟ فقال: لم يزل مترجّحاً قليل الطُّمأنينة سيءَ اليقين، ولكن أهلكه مُقعدة الذي يقال له النَّصيبي أبو إسحق.

وصدق هذا الشيخ؛ كان أبو إسحق شاكاً في النبوّات، وكان يُصادقبهذا من صافاه ووثق به، وهو الذي قال بنكده وخُبثه: لو ظفر يوم الجمل طلحة والزُّبير وعائشة بعليّ بن أبي طالب، دار الخلاف بينهما، وكان لا يعوّل أحدهما في الاستظهار على صاحبه إلا بأن يتزوج عائشة، ثم يكافح صاحبه بها وبشيعتها الذين فتُّوا بعر جَملها وتشافوا به، وتحاثّوا عليه، وكنا نحن نكوّر عمائمنا ونرفع طيالسنا ونسرّح لحانا ونكتحل ونحتفل، ثم نجلس في المساجد والجوامع ونحتّج لذلك التّزويج، ونتأول كلّ قولٍ، ونخرّج كلّ خبر، ونبلغ كل غاية بكل حيلة.

وحديث التاجر المصري من الطرائف؛ قدم شيخ له هيئة ومعه ثياب مصر، فدعا به، واشترى منه، وتقدّم بإكرامه، ورفع الحجاب عنه، وقال له: أهل مصر، أي شيء يغلب عليهم من فنون العلم، وبرسائل من يشغفون؟ فقال التاجر: لهم حرص على كل علم، ونصيب من كل أدب، وأما الرسائل فإنهم لا يؤثرون على ما لابن عبد كان الكاتب أبي جعفر شيئاً؛ وكان نجاح الخادم قائماً؛ فأومى إلى المصري بأن قل: رسائلك هي المطلوبة والغريبة، وهي المُشتهاة والمستعملة، وكان إيماؤه باليد، والإصبع، والحاجب، والشَّفة، وهذا كله لا يُفصح عن حرف، فلم يكن يفهم التاجر لشقائه معنى الإشارة؛ وانقبض عنه ابن عباد ولم يحاوره، وقام ذاك على حالةٍ قد ناله فيها فتور لا يدري ما سببه.

فلما كان بعد أيام حضر أيضاً وأعاد القول على الوجه، فأعاد المصري الجواب المتقدّم، ونجاح الخادم على رسمه قائم يُشير بمثل ما أشار إليه في المجلس الأول، وهذا لا يفطن، وفي أهل مصر سلامة صدرٍ شبيهة بغباوة طَبْع.

فالتفت ابن عباد إلى الخادم وقال: إذا كان صاحبك سخين العين قطيع الظَّهر، ابن بظْراء، إيش يمكنك أن تعمل؟ وطرد المصري.

أَفهل هذا إلا رقاعة تحتها جنون صرف، وسرطان في الدّماغ، وعلّة في العقل، وفساد في المزاج؟ واسمع ما هو أعجب من هذا! ناظر بالريّ اليهودي رأس الجالوت في إعجاز القرآن، فراجعه اليهودي فيه طويلاً، وثابته قليلاً، وتنَّد عليه حتى احتدّ وكاد ينقدّ؛ فلما علم أنه سَجَر تنُّوره وأسعط أنفه، احتال طلباً لمُصاداته،

ورفقاً به في مُخاتلته، فقال: أيها الصاحب! ولك تتقد وتشتط، ولم تلتهب وتختلط؟ كيف يكون القرآن عندي آيةً ودلالةً على النبوّة، ومعجزة من جهة نظمه وتأليفه؟ وإن كان النظم والتأليف بديعين غريبين، وكان البُلغاء، فيما تدّعي، عنه عاجزين، وله مُذعنين، وها أنا أُصدق عن نفسي وأقول: عندي أن رسائلك وكلامك وفقرك وما تؤلفه وتباده به نظماً ونثراً هو فوق ذلك أو مثل ذلك، أو قريب منه؛ وعلى كل حال فليس يظهر لي أنه دونه، وأن ذلك يستعلي عليه بوجه من وجوه الكلام، أو بمرتبة من مراتب البلاغة.

فلما سمع ابن عباد هذا فتر وخَمد، وسكن عن حركته، وانخمص ورمُه به وقال: ولا هكذا أيضاً يا شيخ، كلامنا حسن وبليغ، وقد أخذ من الجزالة حظّاً وافراً، ومن البيان نصيباً ظاهراً؛ ولكن القرآن له المزية التي لا تُجهل، والشرف الذي يُخمل؛ وأين ما خلقه الله تعالى على أتمّ حُسن وبهاء، مما يخلقه العبيد بتطلُّب وتكلُّف؟ هذا كله يقوله، وقد خبأ حميُّه، وتراجع مزاجه، وصارت ناره رماداً؛ مع إعجاب شديد قد شاع في أعطافه، وفرح غالبٍ قد دبَّ

في أسارير وجهه؛ لأنه رأى كلامه شُبهةً على اليهود وعلى عالمهم وحَبرهم، مع سعة حيلهم وشدّة جدالهم، وطول نظرهم وثباتهم لخصومهم.

فكيف لا يكون شُبهةً على النصارى، وهم ألين من اليهود عريكةً، وأطفؤهم نائرة، وأقلّهم مِراء، وأكثرهم تسليماً؛ وأنه إن جاز هذا على اليهود والنّصارى، وهم دهماء الناس، فما ظنّك بالمجوس ونصيبهم من الجدل أقلّ، وهم عن النّظر أعجز، وعادتهم في المحاجَّة أفسد؛ وهكذا الصابئون؟ انظر - أكرمك الله - إلى هذا الرجل العظيم الطّاق الفسيح الرِّواق، الذي لا يرضى أحداً، كم ينخدع وكم يذوب! مرةً للشاذياشي، ومرة لليهودي، ومرة للتاجر المصري، ومرةً للخُراساني، ومرةً للبغدادي.

فهل هذا إلاّ النّوك والرَّكاكة، وضعف النَّحيزة، وسوء التخيّل، وقرب الغَور، وقلة العقل؟

قال أبو سليمان المنطقي: وعنده يومئذٍ أبو زكرياء الصَّيمري، وقد قرأت عليه هذه الأحاديث: هذا رجل قد سعد في الدنيا سعادة عجيبة مُذ ولي إلى الغاية، وهي شُقّة عمره وآخر أمره، لم يُشك بشوكة، ولم ينكب بنكبة، ولم يسمع من أحد كلمةً عَوراء، ولم يدفع في حالةٍ إلى آبدة، وقد بلغ في حياته ما شاء.

فقال أبو زكرياء: النّحس الذي لحقه في عقله حتى صار لذلك رقيقاً أهوج سيّء الأدب، حديداً كثير الكذب، شديد التلوّن، عسير المأتى، ممقوت العُجب، عظيم الكبر، طويل الخُصومة، دائم المِراء، وقَّاعة في أهل الفضل، حاسداً لذوي الأدب، مغتاظاً على ذوي المروءات، مناناً بالقليل، معظّماً للتافه النزْر، وذوي الدين، مقروناً بالأُبَن - هو أعظم من جميع ما أُعطيه من المال الكثير، والمرتبة العالية، ومن الخيل المَسوَّمة، ومن الدّور والقصور، وما فيها من العين الحور،

والخزائن والذخائر، والفضّة والذهب، والجواهر والخدم والعبيد؛ لأن العقل إذا صحّ فهو المنيحة التي لا يوازيها شيء، وإذا اختلّ فهو البَلوى التي لا يتلافاها شيء؛ ولو كان مع هذا العقل عارياً من جميع ما عددناه، لعلاه بعض العامّة بكيسه ولُطفه، ولبرز عليه بعض أصحاب الخُلقان بمروّته وظرفه، " وَلَكِنّ الغِنَى رَبٌّ غَفُورُ ". ولهذا أحسن الذي يقول:

ذَرِيني للغِنَى أَسْعَى فإِنِّيرأَيتُ النَاسَ شَرُّهم الفقيرُ
وأَبعدُهم وأَهونُهم علَيْهموإِن أَمسَى له كَرَمٌ وخِيرُ
ويُقْصِيه النَّدِيُّ وتَزدريهحَليلَتُه، وينهرُه الصّغيرُ
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «دعيني للغنى أسعى فإني»
وتلقَى ذا الغِنَى وله جَلالٌيَكادُ فؤادُ صاحِبهِ يَطيرُ
قليلٌ ذَنبُه والذَّنبُ جَمٌّولكنَّ الغِنَى ربٌّ غَفُورُ
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «دعيني للغنى أسعى فإني»

وله مع الغنى أمر ونهي، وقوة سلطان، وجد ودولة؛ فكل عيبه مستور، وكل فضله منشور.

قال له أبو سليمان: صدقت، وهذا لأن الإنسان لا يكون في هذا العالم مالكاً للتمام، جامعاً لأدوات الكمال؛ وسببه أنه نتيجة للكواكب العالية، والأجرام الشريفة، من المواد المختلفة، والعناصر الصافية والكدرة؛ فمتى نالته سعادة بالمُشتري، وصل إليه نحس من زُحل، وكذلك الزُّهرة والمرِّيخ؛ والعلماء المتقدمون يقولون: المشتري والزهرة سعدا الفلك، والزُّهرة مخصوصة بالسعادة العاجلة، والمُشتري مخصوص بالسعادة الآجلة.

قال: وهذا وإن كان في الجملة كما قاولوا، فلالتباس الدنيا بالآخرة، فما يُستفاد من المشتري كثير من حظوظ الدنيا، ويستفاد من الزهرة كثير من حظوظ الآخرة.

ومن أسرار الزهرة أنها ربما هيّأت الوحي، ومن أسرار المشتري أنه ربما هيّأ اللهو.

ومرّ له في هذا لفن كلام كثير مفيد ندَّ عنّي، ولم يصحب ذهني إلا ما تسمع.

قال: ولهذا كان نحس ابن العميد في بدنه، لأنه فقد الصحة في

وسط عمره، وحين الحال حويل، والمال مويل، والعلم نزر، والقهم ناقص، والبلاغة خلق، والكتابة شمطاء؛ فلما أخذت أحواله تتّسق، وأسباب فضله تستوسق ضُرب في بدنه بالعلل الشديدة، والأمراض المختلفة، وسُلب لذّة المطعم والمشرب، وبقيت حسرة النّعمة في نفسه إلى أن عطب؛ وقلة حظه منها هو الذي كان يبعثه على قلة الإنعام منها.

قال: ولهذا تجد آخر جيد العقل، صحيح البدن، محمود البيان، ولكنك تجده مع ذلك شديد الفقر، سيء الحال، مرحوم الجملة. وعلى هذه الجديلة كل من اعتبرت حاله، وعرفت ما سلبه مما وُهب له، وما أُعطيه مما حُرمه، وهذا ليكون العبد أبداً في منزلةٍ من النقص، وحالٍ من العجز يكون بهما ضارعاً إلى خالقة، طالباً لعنايته من مالكه، وليكون بين العبد المعجون من الطّين وبين الله مُدبّر الخلق فرق.

وذهب في هذا الفضل كل مذهب، وشفى كل غليل، وأبكى كل عين، وكان ذا قوة عجيبة في هذه الطّريقة، وذا اطّلاع إلى أسرار الخافية.

فأما حديثي معه، فإن حين وصلت إليه قال لي: أبو مَن؟

قلت: أبو حيّان.

قال: بلغتي أنك تتأدّب.

قلت: تأدُّب أهل الزمان.

قال: فقل لي، أبو حيان ينصرف أولاً؟ قلت: إن قِبله مولانا لا ينصرف، فلما سمع هذا تنمّر وكأنه لم يعجبه، وأقبل على واحدٍ إلى جانبه فقال له بالفارسية سفهاً، على ما فُسِّر لي.

ثم قال لي: أنا سامع مُطيع.

ثم قلت في الدّار لبعض الناس مُسترسلاً: إنما توجّهت إلى العراق إلى هذا الباب، وزاحمت منتجعي هذا الرّبع، لأتخلّص من خرزة الشُّؤم؛ فإن الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة.

فنُمي إليه هذا أو بعضه، أو على غير وجهه، فزاده تنكُّراً؛ وكان الرجل خفيف الدماغ، لا يعرف الحلم إلا بالاسم؛ والسُّؤدد لا يكون ولا يكمل ولا يتم إلا بعد أن يُنسى جميع ما يُسمع، ويتأول ما يكره، ويؤخذ بالأسَدّ فالأسَدّ.

وقال أبو سعيد السيرافي: الحِلْم مشارك لمعنى الحُلُم؛ فصاحب الحِلم هو الذي يُعرض عما يرى ويسمع كالحالم، واللفظ إذا واخى اللفظ كان معناه قريباً من معناه، وهذا الخَلْق والخُلُق، والعَدْل والعِدْل، وسست الرجل، وسست المرأة.

وقال لي يوماً آخر، أعني ابن عباد: يا أبا حيّان! من كنّاك أبا حيان؟ قلت: أجلّ الناس في زمانه، وأكبرهم في وقته.

قال: من هو ويلك؟ قلت: أنت.

قال: ومتى كان ذلك؟ قلت: حين قلت لي: يا أبا حيان.

فأضرب عن هذا الحديث وأخذ في غيره على كراهة ظهرت عليه.

وقال لي يوماً آخر، وهو قائم في صحن داره، والجماعة قيام: منهم

الزُّعفراني، وكان شيخاً كثير الفضل، جيد الشعر، مُمتع الحديث؛ والنّميمي المعروف بسَبطل وكان من مصر؛ والأقطع، وصالح الورّاق، وابن ثابت، وغيرهم من الكتّاب والنّدماء: يا أبا حيّان! هل تعرف فيمن تقدّم من يُكنّى بهذه الكُنية؟ قلت: نعم، من أقرب ذلك إلى أبو حيّان الدّارمي.

حدثنا أبو بكر القاضي محمد بن محمد الدقاق، قال: حدثنا ابن الأنباري، قال: حدثنا ابن ناصح، قال: دخل أبو الهُذيل العَلاّف على الواثق، فقال له الواثق: لمن تعرف هذا الشعر:

سَباكَ من هاشمٍ سليلُليسَ إلى وصْله سبيلُ
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
من يتّعاطى الصّفاتِ فيهفالقولُ في وصفه فُضول
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
للحُسْن في وجهه هِلالٌلأَعْيُنِ الخلق ما يَزُولُ
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
وطُرّة لا يزالُ فيهالنُور بَدْر الدُّجَى مَقيلُ
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
ما اختالَ في صحْن قَصْر أَوسٍإلا تسَجَّى له قَتيلُ
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
فإِن يَقِفْ فالعيون نُصْبٌوإِن تولَّى فهُنَّ حولُ
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة

فقال أبو الهذيل: يا أمير المؤمنين! هذا لرجل من أهل البصرة يُعرف بأبي حيان الدّارمي، وكان يقول بإِمامة المفضول. وله من كلمة يقول فيها:

أَفضّله والله قدَّمه علىصَحابته بعد النّبي المكرَّمِ
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة

بلا بِغْضَةٍ والله مني لغيرهولكنّه أولاهم بالتقدُّمِ

وجماعة من أصحابنا قالوا: أنشدنا أبو قِلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي لأبي حيان البصري:

يا صاحبيَّ دعَا الملامةَ واقصُراتَركُ الهَوى يا صاحبيَّ خسارة
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
كم لمتُ قلبي كي يُفيقَ فقال لي:لَجَّتْ يمينٌ ما لهَا كفّارَه
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
أَن لا أُفيقَ ولا أُفتّر لحظةًإِن أَنت لم تعشق فأَنتَ حجاره
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
الحبّ أوَّل ما يكون بنظرةٍوكذا الحريق بداؤه بِشَرَاره
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة
يا مَن أُحبّ ولا أُسمّي باسمهاإِياكِ أَعني واسمعي يا جارَه
للشاعر أبو حيان الدارمي، اقرأ القصيدة

فلما رويتُ الإسناد، وأنشدت الشعر، وريقي بليل، ولساني طَلق، ووجهي متهلل، وقد تكلّفت ذلك وأنا في بقيّة من غَرر الشباب وبعض ريعانه، فملأتُ الدار صياحاً بالرواية والقافية، فحين انتهيت أنكرت طرفه، وعلمتُ سوء موقع ما رويت عنده.

قال: ومن تعرف أيضاً؟ قلت: روى الصُّولي - فيما حدثنا عنه المرزباني: أن معاوية لما حُضِر أنشد يزيد عند رأسه متمثلاً:

لو أن حيّاً نَجَا لفَاتَ أبوحيّان لا عاجزٌ ولا وكلُ
الحُوَّلُ القُلَّب الأَريب وهلتَدفع صَرفَ المنية الحِيَلُ

قال الصّولي: هذا من المعمّرين المعَقّلين.

وانتهى الحديث من غير هَشاشة منه عليه، ولا هزّةٍ ولا أريحية، بل على اكفهرار الوجه، ونُبوّ الطَّرْف، وقلّة التقبُّل. وجرت أشياء أُخر، وكان عُقباها أنني فارقتُ بابه سنة سبعين وثلاثمائة راجعاً إلى مدينة السلام، بغير زادٍ ولا راحلة، ولم يعطني في مدّة ثلاث سنين درهماً واحداً، ولا ما قيمته درهم واحد. فاحمل هذا ما أردت.

ولما نالني منه هذا الحرمان الذي قصدني به، وأحفَظَني عليه، وجعَلني من بين جميع غاشية وِرْدِه فرداً، أخذت أتلافى ذلك بصدق القول عنه، في سوء الثّناء عليه، والبادي أظلم، وللأمور أسباب، وللأسباب أسرار، والغيب لا يُطّلع عليه، ولا قارع لبابه.

وسألت العماري عنه فقال: الرجل ذو خَلَّة، ولقد سأله ليلةً شيخ من خُراسان في الموسم عن قوله ﷿: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ في الدُّنْيَا، وإِنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ما مرتبة الصّلاح المذكور في الثاني من النبوّة الثابتة في الدنيا؟ فأضْرَب عن المسألة ودافع بصدرها، ولم يُجْرِ كلمةً فيها.

وسأله هذا الشيخ ليلةً أخرى عن قوله ﷿: (وَوَاعَدْنا

مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ)، وعن الفرق بين هذا الاقتصاص وبين قوله: (وَوَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَيْلَةً)، فما أعاد ولا أبدى.

ولما عاد من همذان، قيل له: كيف رأيت أبا الوَفاء؟ قال: سَراباً بِقِيعة.

قيل: فكيف مجدت عبد العزيز بن يوسف؟ فقال: نكَداً وخديعة.

قيل: فكيف وجدت المجوسي؟ قال: تمثالاً في كنيسة أو بِيعة.

قيل: فابن سَعدان؟ قال: ضخم الدَّسيعة، له من نفسه حَرىً وسيعة.

هذا حديثه في دينة، ورأيه وعلمه وعقله ومروّته وصناعته ومذهبه. وقد طال وكثُر، ولعلّ التقصّي لو وقع لازداد طولاً، فإنه تنفّست أيامه وتردّدت أحاديثه.

سألت ابن الجلباب الشاعر عنه، فقال: ما أدري ما أقول في رجلٍ من قرنه إلى قدمه عيب وخزيٌ ونذالة ورقاعة، على أن الطبع النكد أملَكُ له، والعادة القبيحة أغلب عليه؛ والإقلاع عن المنشأ المُعان بالطِّباع صعب وعر، ولعلّه مُمتنع.

وسألت الحاتمي عنه، فقال: رأيت رجلاً مدخولاً في جميع الفضائل، مردوداً على كل التأويلات؛ لتِيهه وإعجابه، وحسده

ولوثته، وقلّة مصافاته، وسوء رعايته، وفساد دُخلته، ووقاحة وجهه، وشدّة تعييره، وفشوّ أُبنَته، وقُبح سيرته في مذهبه، ونُصرته لما يعتقد بقلبه.

وسألت البديهي عنه، فقال: خذ حديثه بما تسمع مني، وقس عليه؛ رأيت يوماً على بابه شيخاً من أهل الكتاب والأدب ذكر أنه وَرد من مصر، وأنه أقام بها زمناً، وأن أصله من بلاد العجم؛ فلما خرج إليه رفع قصّةً كتب على رأسها: عبّاد بن أحمد، فأخذ ونظر، ثم قال: من سمّاك عباداً باسم الأمين ﵁؟ ومن يقول إن هذا اسمك الذي اختِير لك عند الولادة؟ وما هذا التقرّب بالتكذيب؟ وما بينكم وبين أسماء السّادة الذين بانوا بها كالسّماء بكواكبها، والأفلاك بعجائبها؟ أما كان لك بغير هذا الاسم الذي ادّعيته دَرْك؟ ولا كان لك دون

التكثّر به سبب؟ ما أحوجك إلى نقاف يوجع يافوخَكَ، ونتّاف يقلع شاموخك؟ وسألت الصابيّ أبا إسحق عنه فقال: إن صدقتُ في وصفه ساء قوماً، وإن كذبت في وصفه ساءني؛ ولأن أنفرد بالمساءة أحبّ إليّ؛ وبعدُ فنحن معه كما قال الشاعر:

ونعتب أَحياناً عليهِ ولو مضَىلكنّا عَلَى الباقي من الناس أعتَبَا

وقلت للضبعي: كيف ترى هذا الرجل وقد خبرته؟ فقال: أما جَدّه فيُريني أنه واحد الدنيا، وأما جِدّه فينطق بأنه أنذل من في هذا الورى.

وبعد:

نِعْمةُ اللهِ لا تُعَابُ ولكِنربما استُقْبِحَتْ عَلَى أَقوامِ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة

وقلت للمأموني: اصدقني عن هذا الرجل، فقد عرفت ليله ونهاره، والليل أصدق عن خبايا الإنسان من النّهار.

فقال: في الجملة الرجل بلا دين، لفِسقه في العمل وارتيابه في العلم.

وسألت أبا صادق الطبري عنه فقال: سل عن البَخْت، والله ما له سمتٌ يُتوجّه إليه منه، ولا باب يُعتمد منه عليه؛ بينا هو لك، إذ صار لعدوّك، حاله أحوال، وشأنه شؤون، وكل ذلك جارٍ على الجنون.

وقلت لابن المراغي: كيف تراه؟ قال: والله ما يشفي الغليل منه هجْوٌ ولا مَلام، ولا ما هو معروف به بين الخاص والعام، إلا أن يسقط من ذروته فيُرى في حال سِقطته متردّداً بين خطبته وورطته.

وقلت للشيخ العالم: أما أنت من بين الناس فقد حظيت عنده، ونلتَ منه.

فقال: لو عرفت ما يتّقد على فُؤادي من الغيظ عليه لرحمتني في بَلائي بأكبر مما تحسدني عليه في ظاهر أمري.

قلت: وما تنكر منه؟ قال: لستُ أنكر منه شيئاً واحداً، وإنما أُنكره كله.

وقلتلأبي جعفر الورّاق: ما أراك تخرج من حضرة هذا الرجل إلا وأنت ساهم الوجه، مغيظ النفس؛ كأنك لست تخرج من عند من كل أحدٍ يتمنّى أن يصل إليه، وأن ينطق بين يديه، وأن يصنع به حاله؟ فقال: والله لولا التحرج لوصفته بكلامٍ كان فيه برد حرارة صدري، ولكن التحرّج مانع من ذلك، هذا، والخوف أيضاً عامل عمله، وآخر ما أقول: أنه ساقطٌ من عين الله ﷿، والويل له من الله يوم التَّجازي والقصاص.

وقلت لأبي الفضل الهروي: كيف ترى هذا الرجل؟ قال: أراه - والله - عقوبة من الله نازلة بأهل الفضل والتكرم، وليتنا علمنا بأي ذنبٍ عُوقبنا فكُنّا ننتهي عنه ولا نُصرّ عليه، فما عندي أن الله يبتلي عبداً من عباده بخدمته والتعلُّق به بعد أن ينزع عنه العصمة، ويوكِّل به النِّقمة، ويحرِّم عليه الرّحمة.

وقلت للزّعفراني الشاعر: بالله صِف لي هذا الرجل.

فقال: لو أمكنني الوصف بالنظم كان أعجب إليّ؛ فإني رجل شاعر، ولكن الخوف من ذلك حائل.

وقلت للتميمي: أما أصحابك فقد عرفت عقائد قلوبهم في هذا الرجل. فأين أنت منه؟ فقال: أحرى اعتقادي فيه أنه خنزير قد أُعطي قوة أسد؛ فهو يفترس يمنةً وشآمة، وكنت أرى فيما مضى أن الشرّ مكسوب بالقصد حتى شاهدتُ هذا فتحولت عن الرأي الأول، وقلتُ: بل السرّ في بعض الناس لاصق بالطّبع.

وقلت لأبي سعيد الأبهري: بيّن لي أمر هذا الرجل، ففي نفسي أن أعمل كتاباً في أخلاقه.

فقال لي: لقد حاولت عسيراً. أَتستطيع أن تصف إبليس بجميع ما هو فيه؟ قلت: لا والله، إنما أعوذ بالله منه فقط.

قال: فعُذْ بالله من هذا قبل أن تعوذ بالله من إبليس؛ فإن إبليس

- وإن كان شريراً - فهو عاقل، وهذا يزيد عليه لأنه شرير وهو أحمق.

وقلت لأبي طاهر الأنماطي: كل أحد له على هذا الرجل كلام، وفي نفسه مَوجدة سِواك؛ فإنك واصل إليه إذا أردت ونائل من ماله وجاهه إذا أحببت، فما قولك فيه؟ فقال: صبري على رقاعته قد نغَّص عليّ جميع ما أنا عليه معه، على أن رقاعته مُرشحة بجنون، وجنونه صادر عن قدرة، فالرّهبة منه قد كدّرت عين الرّغبة فيه، والغيظ عليه قد منع من الاستمتاع به.

وسألت ابن زرعة الفقيه فقلت: ما أحوجني إلى فُتياك في هذا الرجل! فقال: قد - والله - جُبْتُ الآفاق، ولقيتُ أصناف الناس في الشرق والغرب، فما رأيت رجلاً في جنونه أعقل منه، ولا في عقله أجنّ منه، وإنه لأعجوبة؛ عدوّه هالك لسلطانه، ووليّه خائف من كثرة ألوانه؛ لا عهد له ولا وفاء، ولا صدق ولا لطف، كله هزْل، وجميعه جهل.

وقلت لابن فارس صاحب اللغة: بِم تحكم على هذا الإنسان؟

فقال: بأنه لله عدوّ، وللأحرار مُهين، ولأهل الفضل حاسد، وللعامّة مُحبّ، وللخاصّة مُبغض.

فأما عداوته لله فلقلّة دينه.

وأما إهانته للأحرار فهي شهيرة كهذا النّهار.

وأما حسده لأهل الفضل جرِّب ذلك بكلمة تُبديها.

وأما حبُّه للعامّة فبمناظرته لهم وإقباله عليهم.

وأما بغضه للخاصة فلإذلاله لهم وإقصائه إياهم.

فأما ابن العميد أبو الفضل، فإنه كان باباً آخر، وطامّة أخرى، وكان فضله من جنس ليس لابن عباد فيه نصيب، ونقصه من ضرب لم يكن له فيه ضريب، كان يُظهر حلماً تحته سفه، ويدّعي علماً هو به جاهل، ويُري أنه شجاع وهو " أجبن من المَنْزُوف ضَرْطاً "، وكان يدّعي المنطق وهو لا يفي بشيء منه، ولم يقرأ حرفاً على أحد، ويتشبّع بالهندسة وهو منها بعيد، ولم يكن معه من صناعة الكتابة الأصل وهو الحساب، وكان أجهل الناس بالدّخل والخرج، ولقد بقي ما بقي في أيامه فما قعد يوماً في الديوان ناظراً في عمل، أو فاصلاً لحكم،

أو مخلصاً لمشكل، وكان قد وضع في نفسه - بالحيل الدقيقة، والأسباب الخافية - أنه واحد الدنيا، وأن ملوك الأرض يحسدونه عليه، وأنه لسان الزمان، وخطيب الدهر؛ وأن قلمه فوق السّيف، وتدبيره فوق الجيش، ونظره في الدّولة والمملكة وأحوال الأولياء وذوي النصيحة كالوحي والنبوّة. وكان مُعَوَّله في الأعمال على أبي علي البيّع؛ وكان مع هذا شيّء السيرة، قليل الرحمة، شديد القسوة، وارم الأنف، عظيم التيه، شديد الحسد لمن نطق ببيان، أو أفصح بالعربية وسيتبيّن بعض هذا بما أذكره لك بشاهد عدل، وراوٍ ثقة.

ورد أبو طالب الجرّاحي الكاتب بالريّ من العراق، ولم يكن في عصره أنطق منه لساناً وقلماً، وهو من بيت علي بن عيسى الوزير، فعرض نفسه عليه، فلما رأى بسطته ولسانه وخطّه وطلاقته ولطافته وأُبوّته وصناعته، حسده واغتاظ منه، وضاقت الدنيا به، وعمل على أن يسمّه، ففطن أبو طالب وكان فطناً، فطوى الأرض، ووقع إلى

آذربيجان، وصار إلى ملك الدّيلم المرزبان بن محمد، فعرف قدره، وبسط يده، وأعلى كعبه، ونوّه باسمه، واستطال على ملوك النواحي بمكانه.

ثم انظر إلى ما جرّ أبو طالب عليه لخسّته ولؤمه ونقصه وسُقوطه، وهكذا يفعل من انصرف من باب عزيز ذليلاً ومن فناء موسر مذموماً؛ وقد كان يمكنه اصطناعه وتقديمه وإكرامه واستخدامه بأسهل غرامة وأيسر مؤونة، وأهون مرزية؛ ولكنه حسده وأبعده، وليته مع ذلك زوّده ما يوجب شكراً، ويكون بلاغاً، ويبقى حديثاً مأثوراً وذكراً جميلاً.

ولقد كتب إليه أبو طالب بعد هذا الحديث كتاباً قرأتُ فصلاً منه يقول فيه: " حدِّثني بأيّ شيءٍ تحتجّ إذا طولبت بشرائط الرياسة التي انتحلتها وأكرهت الناس على تسميتك بها؟ أَتدري ما الرياسة؟ الرياسة أو يكون باب الرئيس مفتوحاً، ومجلسه مَغشياً، وخيره مُدْرَكاً،

وإحسانه فائضاً، ووجهه مبسوطاً، وكنفه مزوراً، وخادمه مُؤدَّباً، وحاجبه كريماً، وبوّابه رفيقاً، ودِرهمه مبذولاً، وخُبزه مأكولاً، وجاهه معرَّضاً، وتذكرته مسوَّدة بالصلات والجوائز، وعلامات قضي الحوائج.

وأنت! فبابك مقفل، ومجلسك خال، وخيرك مقنوط منه، وإحسانك منصرف عنه، ووجهك عابس، وبنانُك يابس، وكَنفك حرِج، وخادمك مذموم، وحاجبك هَرّار، وبوابك كلب، ودرهمك في العَيُّوق، ورغيفك في منقطع التراب، وجاهك موفور عليك، وتذكرتك محشوو بالقبض على فلان، وباستئصال فلان وبنفي فلان، وبسم فلان، وبالدّس على فلان، وبحطّ مرتبة فلان.

هل عندك أيها الرجل المدعي للعقل، المفتخر بالمال، والمتعاطي للحكمة، إلا الحسد والنذالة، وإلا الجهالة والضّلالة؟ تزعم أنك من شيعة أفلاطون وسُقراط وأرسطوطاليس، أَوَ كان هؤلاء يضعون الدّرهم على الدّرهم، والدينار على الدينار، أو أشاروا في كتبهم بالجمع

والمنْع، ومطالبة الضّعيف والأرملة بالعسف والظلم؟ فيا مسكين استحي، فإنك لا مع الشريعة ولا مع الفلسفة، وقد خسرت الدنيا والآخرة.

هذا عقلك الذي يخاطب الناس برفعك التراب على رأسك والسّخام في وجهك.

أَمن كرمك وحزمك أن يفِدَ عليك مثلي؛ رجل من آل الجرّاح بيت الوزارة والسؤدد، ينبري لمعروفك، ويخطب الخدمة بين يديك، والقيام بأمرك ونهيك؛ بحظٍ ميسور، ونائل مَنزور، فتحسده وتبعده، وتُخمله وتهمله، وتواطيءَ على سمّه وقتله؟ يا ويلك! فمتى كنت أنت وآباؤك تستحقّون خدمة رجلٍ من آل الجرّاح؟ كأنّ بيتك بقُمّ ما سألنا عنه، ولا وقفنا عليه؟ أَليس أبوك كان قوّاداً، وأبوه كان نَخّالاً؟ ها أنا قد انقلبتُ عنك خائباً، أَفضِعت وبُرتُ وكسدت؟ لا والله، بل قيَّضَ الله لي مُلكاً من ملوك الدنيا حتى اشتمل عليّ، ونظر بعين الكفاية إلي، وأهلّني لمحلٍّ زائد عن محلّك، ورتّبني في حالٍ هي أشرف من رُتبتك، والله أكرم من أن يُضيع مثلي أو يُحْوجني إلى مثلك.

فبُؤ الآن بخساستك، والصق بالدَّقعاء ندماً على فعلك، وثق

بأن لساني وقلمي لا يزالان يبريان عرضك، ويخطبان بذمّك، ويلهجان بهتْ: سترك، ويبعثان الناس على معرفة خزيك وسقوطك؛ أَتظنّ - يا جاهل أنه إذا ركب قُدّامك حاجب، وسار معك راكب، وقال الناس: أيها الرئيس - أنك قد ملكت الكمال، واستحققت خدمة الرجال، من غير إسعاف ولا إفضال؟ هيهات! المجدُ أخشن مسّاً من ذاك. وسأشقّ النظم والنثر في أكناف الأرض بما ينكشف به للصغير والكبير نقصك، وتزول الشبهة عن القلوب في أمرك إن شاء الله.

هذا أفادنيه، وكان شاعراً من آذربيجان. فهذا هذا.

قلت للخليلي: لِمَ كان يصبر أبو الفضل على ابن ثابت الكاتب الهمذاني وهو آفة ونكال، لا حظَّ ولا معرفة ولا أدب ولا صناعة؟

فقال: لأنه علم أن غيره لا يصبر على ذلك الرِّزق الوَتْحِ، والجدوَى القليلة، ومن أجل ذلك قال مِسكويه:

يقولون إِنّ ابن العميد محمداًيؤول إلى رأَيٍ وثيق المنابتِ
فقلتُ: دَعُوه قد عرفتُ مكانَهبطلْعَةِ منصورٍ وحَظّ ابن ثابت

ومنصور هذا خادم رأيته، كان من أقبح الناس وجهاً كثير الهذر، سيّء الأدب، وكان من قُمّ من الأحرار؛ ولما ذمّه صاحبه ووليّ نعمته بسبب هذا الخادم للشُّهرة الفاضحة، والتهتُّك الشائع. قال أبو الفضل بحكمته: ما أصنع؟ والله ما وجدت في هذه المدة لا يري غلافاً مثله، ولا بدّ لي منه، فليلم من شاء، والهوى لا يحلو إلا مع العذل.

انظر بالله إلى هذا الحكيم بزعمه، واسمع قوله، وهو يزعم مع هذا أن أرسطاطاليس لو رآه لرجع عن آراء كثيرة ببيانه، ولغيّر كثيراً من كتبه بمشورته.

وكان يقول بقحته وقلة اكتراثه وتهاونه بمن حوله: أما الموسيقى فإنه يموت بموتي ويفقد بفقدي، هذا وهو لم يقرأ حرفاً منه على أحد من خلق الله، وما أُوحي إليه به، ولا يجوز أن ينفتح مغلقه جُزافاً عليه أو على غيره؛ وإنما كان يستجيز هذا القول في الموسيقى خاصّة لأنه لم يبق منذ دهرٍ من يدلّ من هذه الصناعة على حرف بتحقيق، أو يأتي فيها بوصف تام، لذهابه ودروسه.

والعلم كلّه - أبقاك الله - قد دخله الضّيم، وغلب عليه الذّهاب لقلّة الراغبين، وفقد الطالبين، وإعراض الناس عنه أجمعين. والموسيقى من بين أجزاء الفلسفة فُقِد حمله، لأنه لا يوجد علمه إلا بعمل، ولا يكمل عمله إلا بعلم، والعلم والعمل في صناعة واحدةٍ قلّما يجتمعان على التناسب الصحيح.

وكان يعمل كتاباً سماه: " الخلق والخلق " فمات سنة ستين وهو في المسودَّة، وقد رأيت ورقات منه وتقلتُ إلى " البصائر "

حروفاً كانت فيه أفادنيها أبو طاهر الورّاق. ولم يكن الكتاب بذاك، ولكن جَعْس الرؤساء خبيص، وصُنان الاغنياء نَدّ، وخنفساء أصحاب الدولة رامُسنَّة.

وقلت للغويري: حدِّثني عن ابن عبّاد، فإنك قد عرفت ليله ونهاره وخافيه وباديه، وعن ابن العميد فقد اختبطت ورقه، وانتجعت صوبه.

فقال: في ابن عبّاد قِحة مأبون، ولوثة مأفون، وهو ابن وقته معك، ونتيجة ساعته لك، لا يعرفك إلا عند امتلاء العين بك، ولا يُعطيك شيئاً إلا إذا أخذ أكثر منه منك، يشتري عرضك،

ولا يوليك حقك، ويبلغ بلسانه ما لا يسمح لك بعُشره من فعله، ثم الويل لك إن أصبت في كلامك، والويل لك إن أخطأت، على أن الخطأ يعطفه عليك بالرحمة، والصواب يحمله في معاملتك على الحسد والانتقام؛ يريد منك أن لا تذكر فاضلاً عنده وإن ذكرته فضّلته عليه. وإن ذُكر الشِّعر فقل: أين مسلم بن الوليد منك؟ وإن ذُكر النّحو فقل: وصلت إلى ما لم يصل إليه سيبوية، وإن ذكر البيان فقل: فيك أعراق متواشجة من قُسّ بن ساعدة، أو لعلّه كان في قس عرقٌمن آبائك الفرس، وإن ذُكر الكلام فقل: لو رآك النَّظَّام للزِم بابك وحمل عاشيتك، وإن ذُكر الفقه فقل: أين أبو حنيفة عن هذا

التحقيق والتدقيق؟ وأين صاحباه: محمد، وأبو يوسف عن هذا التطبيق ولتعميق؟ فأما الجاحظ فما وزنه عند مثقالك؟ وأين شراره من نارك؟ وهل يسبح في بحرك؟ وهل يتطاول إلى سمائك. لو رآك لرشاك، ولو شاهدك لما انتسب إلا إليك.

وأما إبراهيم بن العباس الصُّولي فأحسن ما يختاره له أن يكون من المختلفين إليك، ومن الحاذين على مثالك، والآخذين عنك. وأما الدَّواوين فالكَلْواذي يسلّمها لك، ويتبرّأ من الأعمال بسببك، ويطّرح الرسوم القديمة معك، ويأخذ فيما تبتدعه وتضعه، لأنه إن نازعك افتضح على يدك، والعاقل لا يُلقي بيده إلى التّهلكة، ولو وثق أنك تقبل مصانعته لصانعك، ولو علم أنك تُبقي عليه لخَدَمك.

وأما الخطّ فابن مُقلة وابن أبي خالد والبربري ومن تقدّم وتأخر أعطوك الضمة فيه، وأظهروا لك الانقياد به.

قال: ومن مناقبه في مثالبه أنه يقنع منك في مدحك بالنفاق، وفي ثنائك عليه بالرياء، وفي نُصرة سيرته بالحيلة، ويرضى في هذا كله بعفوك دون جَهدك، وبما يخفّ دون ما يثقل؛ وليس كذلك ابن العميد؛ فإنه لا يحب أن تمدحه إلا بأكرم الخِصال، وأشرف الفعال، وأن يكون قولك عن عقد، ووصفك عن يقين، وإخبارك عن تعجّب، وتعجُبك عن استبصار، واستبصارك عن مُعاينة، وفيه مع ذلك كِياد مُخنّث مَجْفوّ، وسفه ضرَّةٍ رعناء، ونميمة كُنَّةٍ سليطة.

وحدثنا القاضي ابن عبد الرحيم، وكان خصيصاً به، وقهرمان داره ومُشرفاً على غوامض أمره، قال: قصده شاعر في بعض

الأيام ووصل إليه، وأنشده وأصغى إليه، وانصرف بأمل، وتردد على ذلك فلم ير ما يحبّ، وتعلّق بي.

فقلت له: صاحبه روبين أغلب الناس عليه، وأوجههم عنده، فلو لُذتَ به رجوتُ لك، فلزمه وسأله الكلام في أمره، فوعده بذلك.

قال روبين فقلت له - يعني ابن العميد -: هذا الشاعر البائس قد سمعت منه شعراً، وأسمنت أمله، وهو على ذلك يغدو ويروح ويشكو وينوح، فلو أمرت له بشيء كان أقطع لشغبه وأجلَب لشكره، وأدعى إلى السلامة من عتبه؛ وهؤلاء يردون الآفاق، ولهم الإلحاح والطّلب والتذرُّع باللسان، والتوصّل إلى كل حال بكل حيلة.

فقال: وما يُريد؟ إن شاء الله أجبته عن قصيدته في رويّها بعدد أبياته وعَروضه وأعيان معانيه، وأزيد. وإذا وردت شعراً بشعرٍ فليس علي بعد ذلك لوم ولا أنا مقصّر ولا ظالم.

فقال: فقلت له: هذا سمج شنيع، والناس لا يقارّون عليه، ولا يرضون به ولو ذهبت أرواحهم وتلفت أنفسهم.

فقال: يا هذا! هوّن عليك، وأقلل من حديثك، فقد ضيّعنا في هذا مالاً، وإنا بعدُ في لذع الحسرة على ذلك، لأن الشباب له عُرام، ولم يكن لي في تلك الحال تجربة، ولا يقظة، ولا معرفة بحق المال والقيام بحفظه إذا حصل، والشّغل بجمعه إذا انتقل، ونعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر.

المال - عافاك الله - عديل الروح، كمال الحياة، وقوام الظهر، وسرور القلب، وزينة العيش، ومِجنّ الحوادث، وحبل اللّذات، ومُتعة الإنسان، ومادّة البقاء؛ ومن لا مال له لا عقل له، ومن لا عقل له فلا حياة له، ومن لا حياة له فلا لذّة له، ومن لا لذة له فهو في قبيل المعدوم.

قال روبين: فعلمت أن بعد هذه الخطبة لا يسمح بدرهم واحد. فوصلت الرجل من مالي بشيء واعتذرت إليه؛ وبلغني أن ذلك الشاعر مزّق عِرضه، وهتك ستره.

ولقد شاهدت في مجلسه شاعراً من الكرخ يعرف بمويه،

وكان جيّد اللسان، يقول له: أيها الرئيس! قد لزمتُ فناءك لزوم الظل، وذللت لك ذُكّ النعل، وخدمت أملي فيك خدمة ناصح لنفسي فيما التمست من الصلة والجائزة.

ولك فيما أوفدت عليك من الثناء والمدحة، وما بي - والله - ألم الحرمان، ولكن شماتة قوم صدقوني فاتّهمتهم، ونصحوني فاغتششتهم؛ بأي وجهٍ ألقاهم، وبأيّة حجة أُدافعهم؟ وهل حصلت من مديح بعد مديح، ومن نظم بعد نثر، ومن رواح بعد بكور، ومن غسل أطمار وإخلاق سِربال، ومن تأفُّف لازم، وضجر دائم إلا على ندم مُؤلم ويأسٍ مُسقم؟ فإن كان للنجاح علامة فما هي، وأين هي؟ قد - والله - طالت غيبتي عن أهلي، وعن السائلين عن حالي، في هذه المعاملة التي عاقبتها الخيبة بعد المطل، والحرمان بعد الإطماع، والتحسُّر بعد الوعد؛ وقد بسط الله كفّك، وجعل الخير والجود والكرم جاريةً

في أسرارها ونابعةً من جوانبها. ففِض أيها الرئيس فإنما أنت بحر، واسكب فإنما أنت سحاب، واطلع فإنما أنت شمس، واتّقد فإنما أنت نجم، ومُر فإنما أنت مُطاع، وهَب فإنما أنت واجِد، واهتزّ فإنما أنت ماجد، وصِل فإنك جَواد.

واللهما يقعد بك خَور في الطباع، ولا نَغَل في العِرق، ولا قدحٌ في الأصل. المُخُّ قصيد والحبل حصيد، والزَّندُ وارٍ، والفَروة خضراء، والعُودُ مُورق، والمال جمٌّ، والأمر أجمّ، والسلك دقيق، والنسيج صفيق، والطِّراز أنيق؛ وما هو إلا أن تقول حتى تُسمع، وما هو إلا أن تأمر حتى يُمتثل، لأن أمرك على الفور، وحكمك ماضٍ بالعدل والجَوْر؛ فما الذي يثني عزمك عن الكرم؟ ويفُلُّ حدَّك في الجود؟ ويُقصِر باعك عن المجد؟ ويسدّ أُذنك عن أحاديث غد؟ إن الذين تكره لهم ما هُجوا به كانوا مثلك، وإن الذين تحسدهم على ما مُدِحوا

به كانوا من طينتك؛ فزاحم بمنكبك أضخمهم سَناماً، وزد على من كان أكبرهم كاهلاً، وأعلاهم يفاعاً، وأسطعهم شُعاعاً، وأزهرهم ناراً، وأكثرهم زواراً! فلما بهَره هذا الكلام الشَّهيّ في ذلك المجلس البهيّ شُدِه وعلِه ولم يدر ما يقول، وأطرق هُنيهةً، ثم قال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة، وعن الإطالة منّي في المعذرة؛ فإذا تواهبنا في الحال ما قد دُفعنا إليه، استأنفنا في الثّاني ما نتحامد عليه.

فقال الشاعر: أيها الرئيس! هذه نُفاثة صدرٍ قد جوي منذ سنة، وفضلةُ لسانٍ قد فَدُم منذ زمان؛ وقد تقدّم العمل، والجزاء موقوف، والرّجاء عليل، والأمل غادر، والحال بعرض سوء،

والشّامت قد شمّر للتأنيب، ولا صبر لمُقلّ على مدلّ إلا على وجه يُحتمل؛ فإن رأيت قدمت المتأخر، وقربت المتأخّر، وقربت الشّاسع، وجعلت إجزال العطية في تعجيلها، وإكرام طالبها في تسهيلها، فلا مانع إن لم يكن ذلك من سدّة جد، أو تقاعس جَدّ.

فقال: يا هذا قد كررت العتب، واجتررت الملام، وما أستوجب هذا من أحد من خلق الله؛ ولقد نافرت العميد بدون هذا حتى ثار من ذلك عجَاج قاتم، وانتهينا منه إلى قَرِيٍّ عاتم؛ ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك؛ وإن بعض ما قررته في أُذني لمما ينقض مِرَّة الحلم، ويُبدد شمل الصّبر؛ ولستُ ممن يطيش لأدنى سانح، ويتطيّر لأوّل بارح؛ والله ما دعوتك إليّ، ولا أغريتك بي، ولا سألتك تقريظي، ولا أتعبتُك في قصدي؛ وإن الظُّلم منك، وكذاك العتب منك؛ وأنا على كلّ حالٍ مالي؟ فلا تجمع بين الظلم والتظلّم، والجناية والتَّجنِّي، وخُذ نفسك بالنزاهة والعَفاف فإنهما لا يقفانك هذا الموقف، ولا يعرضانك على هذا المجلس، ورزق الله

النص من طبعة دار صادر ببيروت عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخلاق الوزيرين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.