من «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
أخلاق الوزيرين (٨)
مُنتاب وغاد، واطلب الغنى منك فإنه عندك أكثر منه عند من تظلمه وهو لم يظلم، وتعاقبه وهو لم يُجرِم.
فقال الرجل: ما كرّرت العتب حتى أكلت النّوى المُحرَّق في انتظار صِلتك، ولا اجتررتُ الملام حتى خانني صبري في توقّع جائزتك؛ والغضنيُّ إذا مَطَل ظلَم، والواجِد إذا لوى أثِم، والجواد إذا منعَ لِيم.
ولَعَمري ما دعوتني إليك، ولا أغريتني بك بكتابٍ خصصتني ورتّبتني فيه، ولا سألتني تقريظك، ولا أبغيتني في قصدك برسول أرسلته إليّ؛ ولكن لما جلست في صدر هذا الإيوان بأُبّهتك وعظمتك وكبريائك وجَبَروتك؛ وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة،
ولا يُنازعني أحد في حقوق السياسة؛ فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء بالحضرة، والقيّم بمصالح المملكة - فقد أهبت الناس إلى بابك، وأغريتهم بخدمتك، وأطعمتهم في مالك، وكأنك قد خاطبتهم بلسان الحال، وإن لم تكن خاطبتهم بلسان المقال. فأنا ذلك السّامع برياستك، والشاهد بفضلك، والراغب في خدمتك، والراجي لخيرك؛ سمعتُ فأجبت، وحضرت فمدحت، ووقفتُ أثنيت؛ وأصغيتَ فقبلت؛ وأدّيتَ فاستحسنت؛ ولم يبق بعد هذا كله إلا أن لا يكون عطاؤك حرماناً، ولا جودك انتحالاً، ولا فُتوّتك اقتيالاً، ولا ماؤك سراباً، ولا جَودك ضباباً؛ ولا خدمتك مندمة، ولا الحاصل من معاملتك مظلمة.
وإن الرجل الحُرّ متى علم أن صاحبه لئيم الطِباع، خسيس الخُلُق، مرقَّع المنصب، ملبوس المحتد، وأن الله تعالى لم يجعله من معادن الرّزق، ولا من أبواب النّجاح، فإنه لا يطمع فيه، ولا يتواضع له، ولا يعدّه فيمن
يُعد، ولا يشغل لسانه بمدحه، ولا يُعقُّ أمله بقصده، ولا يُضيع قوله في وصفه؛ بل يرى أن اقتحام الجمر، وسفّ التراب، ونزع الرُّوح أهون من ذاك وأعزّ.
ولعن الله الأدب إذا كان بائعه مُذيلاً له، ومشتريه مُهيناً لقدره، ومُماكِساً فيه.
وتقوّض المجلس، وقام الناس، ونصرف الشاعر.
فحدّثني شمسويه أنه طلبه بعد ذلك ليصله، فرجع إليه أنه ذهب بين سمع الأرض وبصرها.
وسألت الجُرجانيَّ عن ابن عبّاد وابن العميد.
فقال: ما يبينان بكرم كبير، وفعال مشهور؛ ولا فائدة في نشر لؤمهما وخساسة طباعهما؛ بلغ من فلسفة هذا أنه أمر بقطع لسان رجل شتم بلد قُمّ غضباً لبله، وتيهاً بوطنه، وشدّ آخر في داره إلى شجرة وما زال يُضرب إلى أن مات، وطرحه في جَوْبةٍ حتى أكلته الكلاب؛ فقال صاحبه: انظروا إلى هذا الذي قُلنا إنه أعقل الناس.
حدّثني بهذا الهرويّ.
ثم قال: وكان ابن عبّاد - كما قال أصحابنا - هو ابن سجب ليس عنده إلا القال والقيل، والكِبر والتخييل؛ يحبّ العامّة ويرفع نفسه عنها، ويحسد الخاصّة ويجعل نفسه منها، ويستطيل بالعلم وهو قريب القَعْر فيه، ويدّعي الردّ على الأوائل وهو لا يعرف حرفاً من نمطهم، ويتحلّى بالعدل والتّوحيد، قولاً ويتحلى بالجّور فعلاً، ويتشبّع
بالأدب وهو سيء الأدب؛ يتهكّم بلسانه مُستطيلاً، ويتقحّم الجراثيم مُستهيناً، لو وقع عليه الخصم لجرده للناس، وأظهره للصّغار والكبار، لكنه في خفارة جدّه، وحصن دولته؛ على أن الجهابذة قد نقدوه وبهْرَجوه وتركوا التعامل به، وإنما هو وميض برق وهبوب ريح، وخفق راية؛ قإذا قرّت الأمور قرارها، وعطفت الفروع على أصولها ألفيته مُطِّرحاً مع نظائره، خامل الذكر، وضيع القدر، قصير الشِّبْر، مهتوك السّتر.
قال: وجملة الأمر أن ابن العميد كان حسن الكتابة، غزير الإنشاء، جيد الحفظ، ولم يكن له في كتابته حساب ولا تحصيل لوجوه الأموال، ولا معرفة بالدواوين، ولكنه كان بفضل الكيس يتأتّى له ويتلطّف.
قال: وله شعر صالح في الغزل والمعاتبة؛ ولأنه مشهور لا طائل في روايته، ومن ذلك قوله:
قَلبِيَ دامٍ به نُدوبُيكادُ ممَا بِه يَذوبُ
قد كنتُ أُخفي الوشاة جهديفنمَّ مني به الوجيبُ
فهل سمِعتُم بمستهامٍعليه من قلبِه رقيبُ
يَعمِد ما سَاءني ضراراًما هكذا تفعل القلوبُ
يقتادني للصِّبا غَريركأنه شادن ربيبُ
جرَى مع الدّهر في عنانٍفهو لأحكامه نسيبُ
فكلُّ محبوبه بعيدٌوكلُّ مكروهِه قريبُ
وكيف يُرجَى بقاء صَبٍّناكده الدَّهرُ والحبيبُ
وكان ابنه أبو الفتح أشعر منه وأحسن حظاً، واستفاد بدخول بغداد شيئاً فاتَ والده.
وكان لذلك يغمز على البغداديين ويتعنّتهم، وكان نزر العطاء شديد المنع لا يقبل صنفاً من الناس، وإنما غرم شيئاً يسيراً على العامري، لأن العامري خدعه وطلاه وصبغه ودخل من بابٍ غامضٍ عليه وقال: لقد قصدتُك من خُراسان لأقرأ عليك علم الحيل وجرّ الثقيل، ومراكز الأثقال،
وهو في أواخر علم الهندسة. بهذه الدعوى وبخلابته أيضاً، وبعصر عينيه عند سماع كلامه، وكان يقول له: ضاع عمري ولم أُوفّق لرُشدي في أول أمري، ولو وُفّقتُ لوقعت إلى كنز علمك وروضة بيانك قبل هذه السنين.
ولما رآه أبو الفضل على هذا، قال: لست في قراءتك جرّ الثقيل عليَّ بأحوج مني في قراءة الإلهيات عليك، فإنك في هذا الفن بحر لا يتغلغل إلى قعره، وجبل لا يتوقّل إلى مَصاده.
وكان هذا تساخُراً منهما، وتكاذُباً بينهما، لأنهما كانا لا يعرفان من هذين العِلمين لا قليلاً ولا كثيراً.
وما ينقضي عجبي من تكاذب العُقلاء، ومن تجاذب الجهّال.
وخبُّ هذا الإنسان خِبٌّ فائت، والإحاطة به ممتنعة.
وأما الهرويّ فإنه ارتبطه بأمر ركن الدولة، وكان يمدّه من
ناله، لأنه حُمِد في طبّه الذي كان يتكثّر به بعد هندسته التي كان فيها أبرع، وبها أعرف.
وأما مسكويه فإنه اتخذه خازناً لكتبه، وأراد أيضاً أن يقدح ابنه به، ولم يكن من الصنائع المقصودة والمهمّات اللازمة؛ وكان أيضاً ما يُقيم عليه شيئاً نزراً لا يقنع به إلا من لا نفس له ولا همّة، وكان يحتمل ذلك لبعض العزازة بظلّه والتظاهر بجاهه.
وأما ما تكلّفه لأبي جعفر الخازن فإنه كان لأسباب طويلة؛ منها أن رُكن الدّولة أعظمه، فلزمه أن يقتدي به.
ومنها أنه طمع في اقتباس علمه.
ومنها أن العيون كانت تنظر إليه في أمره، والناس يحسبون ما يأتيه في بابه، لأنه وقع إلى الرّيّ مع صاحبه الصّاغاني أبي عليّ حين طلب الأمان، والحديث معروف.
فأما ابن فارس فإنه استخدمه ليعلّم ولده.
وأما ابن أبي الثيّاب البغدادي فإنه قرّبه ليسترق منه المنطق، فلما علم بذلك أبو محمد نفس بما معه، وتكاسل؛ وقيل له: كيف تعاصيت؟ فقال: كان سيء الانبعاث في هذه الفنون، وكان شديد التشبّع بها، يُحبّ أن يختلس الحكمة، ويمتهن أربابها بفضل المقدرة.
وأنشدني في هذه القصّة:
إلى الله أشكو رَيبَ دهرٍ كأنّمايَرَى كلّ ما يَجرِي بمَكْرُوهنا فَرْضَا
يُؤمِّل مِنّي أن أَذِلَّ لمُوسِرٍلَئِيمٍ ونفسُ الحُرّ بِالذُّلِّ لا تَرضَى
قلت: لمن الشعر؟ قال: أنشدني ابن أبي البغل لنفسه.
وأراغه أبو الفضل على المنادمة فأنف، وما زال يترصّد وقتاً ينفلت فيه حتى كان من أمر ابن العميد ما كان من خروجه إلى أرَّجان، فطوى
فجاج الأرض، وجابَ البلاد إلى بُخارى، وولي بها البريد إلى أن قضى.
وأما أبو طاهر الورّاق فإنه رتّبه في النسخ، وكان قوي الخطّ كثير الصبر على النقل، ولم يكن من الصنائع ولا من حملة النّعمة، ولا ممن يطالب بالحمد ويُبعث على الشُّكر.
وأما ابنُ بُنْدار فإنه كان فَدْماً غليظاً، غليظ الكلام جافياً جاسياً مقيتاً، وكان وزر بأذربيجان لجُسْتان، فأحبّ أن يُري من نفسه أنه على مائدته من وزر.
فأين الصّنائع والمدّاح؟ وأين المنتجعون والزائرون؟ وأين من مرَّ به محتاجاً إلى زاد ونفقة فطلبه وقرّبه، وأعطاه ووصله، وأضافه وأكرمه، وتصفّح ما معه واقتبس ما معه واقتبس مما عنده؟ سقى الله ابن عباد! فإنه وقف نفسه على الغرباء وطلبهم بأكثر مما تعرّضوا له، وسأل عنهم
بأكبر مما رجوه فيه؛ ولولا أنه كان يفسد هذه الأفعال بالرّقاعة والتخيل والعجب والتطاول، وذكر الطعام والمائدة، وما يعطي ويهبُ، لكان قليله أكثر من قليل ذاك، وصغيره أكبر من كبيره؛ ولكن لكل حسن مقبّح، ولكلّ عزيز مذلل، ولكلّ جديد مبلٍ.
وحدثني ابن عبد الرحيم القاضي قال: قال يوماً لصاحب طعامه حدثني عن هذا الخبز المكسّر على الطبق، والملوّث، وما تتجافى عنه الأيدي، وما يصيبه اللحم والمرق والثريد - ما تصنعون به؟ وابتدأ هذا القول وهو في جوف خَرْكَاه، وظنّ أن لا أُذن هناك.
فقال له الرجل في جوابه، بعد أن تكرر قوله، وقد حال عن مزاجه لغيظه في سؤاله: نَدسُّه في حر امرأة من يسأل عنه.
قال: وهذا بالفارسيّة قاله، وهذا تفسيره.
قال: فانكسر وانخزل، وعلم أنه قد باء بالخزي، وعاصَ على سواده،
وأن الخطأ منه في أفحش من الخطأ عليه في الجواب.
فقال له: أنت مجنون، اخرج لا بارك الله فيك.
وهذا كما تسمع. والموت بهذا الرئيس على الخشبة صلباً أحسن من هذا الحديث؛ وكان الرجل من فرط كيسِه لا يقع إلا مكبوباً، ولا يُذكر إلا مسبوباً.
ولقد بلغ من لؤمه وشؤمه أنه قتل من أكل عنده؛ وذلك أن أبا المحاوش ورد إلى الرّيّ، وكان بدوياً، أو من هذه المزالف مُتبادياً، وشُهر بشدّة الضرس وكثرة الأكل، وتكرر حديثه عنده، وما وُصف به من طِيب كلامه، وحُسن وصفه للقِدر والطّبيخ والألوان، فدعا به، وتقدّم بإحضار شيءٍ كثير من الخبز والحلوى، فاكتسحه كله، وطلب الزيادة، وكشر أبو الفضل في وجهه، وأظهر استملاحه على تقفُّؤ فؤاده ونار صدره؛ ثم وهب له دريهمات وخُريقات وشملة؛ وقال: اكثُر عندنا واقترح ما في نفسك على صاحبنا المطبخي. فكان المسكين يحضر في الفَرْط، فيطلب شيئاً ويأكل وينصرف.
فطال ذلك على أبي الفضل، واغتاظ منه، وغلب طباعه، فقال لصاحب مطبخه، اجمع هذا الذي يقال له لالكات التي قد أخلقت وتقطّعت، وقطّعها صِغاراً كالبنادق، وقدّمها إليه في عجّةٍ وافرة، بيضٍ كثير، وسَمْنٍ وافر، حتى ننظر إلى أكله، وهل يفطن؟ وإنما كان كيداً، ففعل وأُحضر؛ وأقبل أبو المحاوش عليها وتذرّع في أكلها، وأعظم اللُّقمة، ودارَك الرَّفع والوَضع، ووجدها وطِيةً ناعمة، فلما أقلع عنها وانصرف، وشرب الماء وجاء وقتُ الثَّلْط، انقدَّ بطنه فخرج فيه نفسه.
فهذا لما تكرّم بالإطعام، وحثَّ على الأكل، ورغَّب في الرغيب. وهذا الفعل يجمع إلى النّذالة قلّة الدِّين، وإلى اللُّؤم سُخف العقل. فالويل ثم الويل له.
وكان إذا رأى ابن بندار يقول: جاءكم أسد الغَريف على الرَّغيف.
والرَّيّ جادة الدنيا، ومنهج المشرق والمغرب والجوّالين في الآفاق، فكان يكثر أهل الانتجاعمن كل صُقع، فلم يكن لأحد منهم عنده مَقيلُ ساعةٍ ولا مبيتُ ليلة، ولا زادُ مرحلةٍ ولا هشاشةٌ ولا بشاشة.
وقد اجتاز به أبو إسحاق الفارسيّ، وكان من غلمان أبي سعيد السّيرافيّ، وكان قيّماً بالكتاب، وقرضِ الشّعر، وصنَّف وأملَى وشرَح، وتكلّم في العَروض والقوافي والمعَمَّى، وناقَضَ المتنبي، وحفظ الطِّم والرِّم فما زوَّده درهماً، ولا افتقده برغيف بعد أن أذِن له حتى حضره وسمِع كلامه وعرف فضله، واستبان سعته.
قال الخليلي: وكيف يُرجى خيرُه، أو يُؤمَّل رُشده، أو يُساق طمعٌ إليه، أو يُوفَد ثناءٌ عليه، أو يُشَامُ له بَرق، أو يقطع دونه
خَرْق، وقد عقَّ أباه، وسعى في أول أيامه، حتى تبرّأَ منه ذلك الشِّيخ وهرب إلى خُراسان، واستُكْتِب هناك، ولُقّب بالعميد.
وكتب إلى القاضي أصبهان كتاباً برئ منه فيه.
وأما أروي قصّته في هذا المكان ليكون أذهَبَ في العجب.
وكان عقوقه في وجه عجيب؛ جاء إلى ذخيراتٍ في مواضع ووضع يده عليها، وعرَّف صاحبه مكانها، وخطَّ خطوه عليها، وزَوَى ذلك كلّه عن شيخه وعن جميع كم كان له فيه نصيب، إما بحقّ الإرث أو بحقّ الهبة، حتى قامت قيامة ذلك الشيخ، فدعا عليه، وفضحه عند النّاس، وبَرِئ منه، وقدح في ولادته.
والرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم القاضي، أطال الله بقاه، وأدام نعماه، أجلُّ محلٍّ من مواهب الله فيه وعوائده عنده، في الدّين والدنيا والعِصمة والخير والفضيلة،
وحسن التأتي في كل فضيلة، وجميل اللفظ في جميع الحكومة؛ ولي في الشكوى إليه ومُباثَّته، وذمّ الزمان عنده والاستعداء عليه لديه، استراحة وتخفيف للثقل، وتفرُّج من حَرَج الصّدر؛ وأنا المُتمسّك به تمسُّكي - كان - بالوالد والعمّ، واثق بأن نصيبي من شفقته تام، ومن مشاركته وافر، والله لا يُعْد مُنِيه، ويحفظني بمواصلة النِّعم عنده إليه بقُدرته.
والكُلومُ - أعزَّ الله القاضي - ضُرُوب، والنّدوب فنون؛ وأعسَرها برءاً وأصعبها داء، وأعزّها دواء، ما جرحته يدُ القريب، وجلَبَته أفعال الأهل؛ فإن ذلك يصلِ إلى حبّة القلب، وصميم الفؤاد، ويصير قذَىً في إنسان العين، وشَجىً مُعترضاً في الحَلْق، ويتراكم على الأيام، ويتثكاثف على الدّهر، فيكون نَكْءُ القَرح بالقَرح أوجَع، ومتى تنفّس الممنوّ، وشكا المملوّ غيظاً وحَنَقاً اجتمع إليه من
عشيرته وأُسرته شيخ ضعيف، أو طفل صغير، أو امرأة باكية، أو عورة بادية، أو ذو قرابة؛ فاستغفر هذا واستفصَح، وسأل وتشفّع. ثم رُويت أخبار في قطيعة الرحم، وعُدّت آثار في صلة القُربى، فضاق النَّفَس، واشتدّ الحنق، وتجرّع هذا المظلوم الغيظ وصبر، وأَنِف واحتمل، واحتسب وعفّا وغفَر، والشرُّ عتيد، والبلاء يزيد، والطّبع أغلب، والعادة لا تنزع، والجاهل يُقلع.
فهل دواءُ هذا، إذا اتصل وطال، وامتدّ وتتابع، وزاد وتضاعف، إلا الصَّريمة والإعراض، والقطيعة والانقباض؟ فدواءُ ما لا تشتهيه النّفس تعجيل الفِراق.
وأنا - جعلني الله فِداء القاضي - ذلك الملآن المغتاظ الذي قد عِيلَ صبره وضاع حلمه، وضاقت نفسه، وقرحَ قلبه، ونضِجت كبِده، وقلَّت حيلته، وعظُمت بليته.
وهذا الجاهل ابني، وما هو بابني، من انتهى بي إلى هذه الشكوى، وقصدني بهذه البلوى، وعقّني وخالفني، وبغى عليّ وباغضَني؛ وارتكب معي ما لا يحلّ، بعد أن ربّيته صغيراً، وأعززته كبيراً، وأوليته جميلاً، وأمْلَيته جسيماً، وصُنتُه شديداً، وحُطتُه دهراً
طويلا؛ وخضتُ دونه الأهوال، وقاسيت في حمايته الأغوال؛ أُجِمُّه وأتعب، وأُقلّده وأتعطَّل، وأُعزّه وأُذلّ، وأغتَرب ليُقيم، وأُنعمه وأشقى، وأتحمّل عنه ليرضى؛ فما يعرف لي حقاً ولا يتأتى، ولا يرعى ذِماماً ولا يهدي، ويتهنأُ مُتعرّضاً مستخفّاً بي، ولو أمنتُ ملال القاضي - أدام الله أيامه - لعددتُ مقابحه، وذكرتُ مساويه، ووصفتُ ما يرتكبه من عظائم، هي به متصلة وإليّ منسُوبة، أن أفزع من يسيرها، وأجزع من قليلها، ولا أُحب أن أراها وأُعاينها في جارٍ أو قريب.
وقد زَجَرتُ ووعظتُ، وقلت وراسلت، وكاتبت وشافهت، وعاتبتُ وخاطبتُ، وشدّدت وهوّلت، ورغبت وأوجعت؛ وضربت الأمثال، وذكرت السِّير، وخوفت وحذّرت، فما انتفعت؛ وجرائمه تكثر، وجَرائره تغلُظ؛ ولا فضل فيّ، ولا احتمال معي، ولا بقية للإغضاء عِندي.
وغرضي في هذه المخاطبة، ومَغزاي من هذه الشكوى والمباثّة، أن يشهد القاضي أني بريء منه، قاطع له، عادل عنه، غير راضٍ بقوله ولا فعله، نازعُ ما ألبسته من بُنوّة، مُطَّرح له ديناً ودُنيا؛ ليس منّي ولا إليّ، قد تبَرّأتُ منه وصَرمته، ووكلته إلى اختياره، ورفعت عنه يدي، وأسلمته إلى الله ليأخذه بحقي، ويقبل به دعائي، ولا يحفظ عليه ما لم يحفظه عليَّ.
اللهمَ اسمع واشهد، وكُن حسيب الظّالم، واحكم بيني وبينه، يا خير حاكم. وهذه شهادة لي عند القاضي يحفظها كما يحفظ إليه من حقوق عمله، فإنّي مُطالبه بها (يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) وكفى بالله العليّ شهيداً.
وهذه - أبقاك الله - رسالة تدلّ على قُرحةٍ دامية، وعين باكية هامية، ونفسٍ قد ولهت عمّا حلّ بها؛ وإن غُلاماً يُحوِج أباه إلى مثل هذه البَراءة والشكوى منه والتأَلُّم، لَغُلام سوء، والله أكرم من أن يحبره في الدنيا، وأن يُسعده في الآخرة.
وكل هذا دليل على أنه عارٍ من الديانة، سليب المُروَّة، وقد رضي بظاهر حاله وإن لم تدم له، ولها عن عاقبة أمره وإن لم يَنجُ منها.
وحدثني أبو العادي الصوفي قال: كنت عند العميد ببُخارا، وقد جرى ذكرُ ابنه أبي الفضل فقال: كنتُ أشكّ في ولادته قبل هذا. والآن فقد تحقّق عندي ما كان يُريبني منه؛ فإنَّ الإناء رشّاحٌ بما فيه.
ثم أفادنا حمزة المصنّف جواب القاضي للعميد، وذلك أنه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم وصل كتاب العميد، أعزّ الله جلالته، ووفّر عليه كرامته، وأدام له نعمته وحياطته؛ وأنَّس وصوله، وأوحش محصوله؛ ويعزُّ عليّ أن أقرأ كتابه بعد عهد دارس ودهرٍ مُتقادم - مُنبئاً عن قرائح صدره، وجرائح فؤاده؛ وقد - والله - زاد عجبي من هذا الحديث كله، وشَرَكتُه في جميعه، وسألتُ الله اللّطيف فيئةَ هذا
الغلام إلى حظّه، ونظراً إلى قلبٍ قد أضرم فيه نار العُقوق، وأفرجَ لوازم الحقوق؛ فإنه إذا وُفّق لذاك كان فيه صلاح معاشه الذي هو عاجلته، وسلامة مَعاده الذي هو آجلته؛ هذا مع الذّكر الجميل الذي ينتشر له، وبركة دُعاء شيخه إذا عادت عليه.
وقد كتبتُ إلى الفتى - أكرمه الله - بما إن هُدِي لرُشده ووُفّق لحظّه غُبط واغتبط، وإن كثُر منه اللّجاج والمحك خبط واختبط؛ والله يفتح بصره، ويأخذ بيده فيعلم ما في البراءة من البُنوّة والتّعرّي من الأُبوّة من الهُجنة الشَّنيعة والفضيحة الفظيعة.
ولم أقنع بالكتاب، وبما تصرَّفت فيه من لواذع العتاب، حتى كتبتُ إلى أبي الحريش، وسألته إحضاره ومناظرته، واستخراج ما عنده مع التّهجين الشديد، وشوب ذلك بالوعد والوعيد، وغالب ظّني أن تلك القسوة تحولُ رِقّة، وتلك الفظاظة تعود ليناً؛ ولو كنت في مقرّه، أو كان في صُقعي لكان لي في هذه القصّة جدٌّ وانكماش يحمدني عليهما العميد، ولكنّي منه بعيد؛ وإن - وعائذ بالله -
تقاعسَ وعْظي عنه، ونبا نُصحي دونه، بعد التلطُّف والاجتهاد، فالأسى والأسف أعزّ من أن يُرسلا وراءه، أو يُقاما إزاءه؛ والولد قد يموت بارّاً ويفوت عاقاً، فليطب قلب العميد عنه فائتاً، كما تسلو النّفس عن العزيز مائتاً، ولعلّ العتب يُسفر عنه بما يسرُّ منه؛ فللزمان في تقلّبه غرائب، وللدّهر في تصرّفه عجائب.
وأنا أسأل الله أن لا يُخليني من العميد عُمدة، ولا يُريني فيه ومنه سُوءاً وغُمّة؛ ورأيه في مواصلتي بكُتُبه المتحمِّلة برَّه وتفضّله بمباثَّتي وتصريفي على تكاليفه - مُتوقَّع مشكور، وأنا عليه حامدٌ شكور.
ثم قال الخليلي: وجدّه - مع هذا - ساقط يُلقّب بكُلَهْ، وهو كناية عن شيء قبيح على زعمه، كان نخّالاً في سوق الحنّاطين، أو حمّالاً أو منقّياً، وكان يحرس السوق أيضاً بالليل، والعِرق لا ينام ولا بدَّ من أمارة في الفرع، كما لا بدَّ في الفرع من إشارة إلى
الأصل، والأصل والفرع متشابهان، إلا أن هذا الخافي ينطق عند ذلك البادي، وذلك البادي يشهد له هذا الخافي؛ ولهذا قالت العرب: لكُلّ إناءٍ رَشْحٌ، ولكل سِقاءٌ نَضْح، ولِكلّ شجرة سُوس، ولكل دَوحةٍ عِيص.
وكنتَ إذا نظرتَ إلى أبي الفضل تجده غضبان من غير مُغضب، شَنِج الأنف متخَازِر الطّرْف، كالِح الوَجْه، " كأنَّما وَجْهُهُ بالخَل مَنْضوحُ "
كأنه يعافك أن تنظر إليه، أو يتقّزز منك إذا كلّمك؛ يتجعّد عليك قبل أن تلاطفه، ويردّك قبل أن تسأله، ويؤنسك قبل أن ترجوه، ويحرمك قبل أن تمتري معروفه، ويسفك دمك إن أكلتَ
خبزه؛ والويل لمن أعرب عنده، واستمر في كلامه معه، أو تخيّر لفظة له، أو نشر أدبه.
وكان يقول لمن يراه بارع اللفظ، خفيف الروح، لذيذ الحديث، خفيف اللسان؛ يا قُسُّ بنَ ساعدة! هاتِ حديثك، يا سحبان وائل مُرَّ في هَزَارك، يا سعيد بن حُميد! لا تحفل بنظارتك.
كل هذا بهُزءٍ وسُخرية وتهافت وكشرٍ عن نابٍ أقلح، ومَضغٍ للكلام، وليِّ الشّفقة والشِّدق كأنه ثلجٌ جامد، أو شيء تارز.
ولهذا قال ابن أبي الثيّاب:
أبا الفَضل لاَ في الجِنّ أنتَ ولا الإنسِوطبعُك طبْعُ الموتِ يُورد في اليبْسِ
فهذا هذا.
وحضرتُ مجلسه ذات عشيةٍ في شهر رمضان مع الفقهاء والزّعيم
ابن شاذان، وهو على القضاء؛ فلما كادت الشمس تَجِب وهي حيّة بعد، وقف حاجب له حِيال الجماعة، وأشارَ بالقيام والانصراف، فقطعوا متن مسألة كانوا فيها وتركوها بَتْراء، وتبادروا إلى الخروج من الباب؛ وقعد عنهم شيّخ طبريُّ في كساءٍ عليه خَلَق.
فقال له الحاجب: قُم يا شيخ والْحَق بأصحابك، ما تأخُّرك عنهم، ولماذا أنت لازم مكانك من بعدهم؟ فقال الطبري: هذا فضل من الكلام، أنا رجل غريب قدمتُ اليوم من بلدي، ومحلّي من العلم قد بان في هذا المشهد العظيم الشرف، الكبير الفائدة، وهذا هو المساء، وأنا صائم، وإن خرجتُ أعجزُ عن مصلحتي في هذه العشيّة، والغريب أعمى، ولست أعدم ها هنا، إن شاء الله، ما يُمسكني إلى غد، ثم أغدو إلى شأني وما لا بُدّ منه لغريبٍ مثلي في بلد الغُربة.
فقال له الحاجب: أنت طبريُّ وليس في قلنسوتك حشوٌ ولا قُطن، والكلام معك يصدّع، وأقبَل بغضبٍ، وجذَب يده بِعُنف حتى
أخرجه من المجلس بعد أن شتمه وخبّث القول له، ووكّل به من ألقاه وراء الباب مَدفوعاً في ظهره، مدقوقاً في قفاه، مشتوماً في وجهه.
وكل هذا بعين الرئيس الخسيس وسمعه، لأنه كان بهيئته في صدر مجلسه على حشيةٍ قد استلقى، وهو يسمع ويرى، فما قال في ذلك كلمة سوداء ولا بيضاء.
فلو شاهدت البائس الطبري على الباب، وقد احتَوَشَه المارّة يقولون له: يا شيخ! ما جِنايتك وما الذي دَهاك؟ قال: يا قوم! ذنبي أنني طمِعت في عشائهم، ورغِبت في المبيت عندهم، وأن أكون ضيفاً نازلاً بهم.
فقال له رجل منهم: أنت مجنون، لقد تخلّصت بدُعاء والدتك الصّالحة، وسلِمت سلامة عجيبة، أتطمع في طعام الأستاذ الرئيس، وإبليس لا يحدّث نفسه بهذا، والشياطين لا يقدرون على ذلك؟
ولقد أراد أن يُطيّر ابنه من رأس الجَوْسَق لأنه طلب زيادة رغيف في وظيفته.
وصُبّ على هامة أبي الفضل في تلك العشيّة من نوادر العامّة، وسخافات الحشوية من ضُروب الكذب والصّدق ما لا يُحصَّل؛ وللرازيّين جرأة على الكلام، وتخرّق في النوادر؛ ومن ذا الذي ردّ أفواه الغوغاء والأوباش؟ ولو افتدى من هذا كله برغيفين وقدرة لَحم لكان الرّبح معه، ولكنّ " الشقيّ بكلّ حَبْلٍ يُخْنَق ".
قال الخليلي مرّة: لا تنظر إلى نَقاء الثوب، وحُمرة الوجه، وفَرَاهة المركب، وإلى الضَّفف والحشد، والخيل المُسوَّمة العِتاق، ولكن انظر إلى عِرض الرّجل كيف هو؟ وإلى الشُّكر له كيف هو؟ وإلى درهمه من أين وجهه وإلى أبن توجّهه؟ واجهد أن تَسُلّ من تحت مُصلّى
الرئيس أو مخدّته أو دواته تذكرته، وانظر فيها، فإن كان قد كتب بخطّه: يُتفقَّدُ فلان بكذا، أو يُسأل عن فلان ليُنظر في مصلحته، ويُحمل إلى فلان شيء من الحنطة وشيء من الذهب والفضة، ويُوفد فلان على فلان ليُصيب خيراً، ويُولى جميلاً، ويقلَّدُ فلان لينْجَبر قليلاً، ويُعفى عن فُلان وإن كان عظيم الجُرم، ويُستصلح أمر فلان وإن كان قد سدّ طريق ذلك، ويكلّم الأمير في باب فلان حتى بجدّد الرضا عنه.
فإن كانت التّذكرة مشتملة على هذه وأشباهها، فاعلم أن الله قد استخلف صاحبها على عباده، وجعله مناراً للمحتاجين في بلاده؛ وإن كان على غير هذا، فاغسل يدك منه بالأُشنان البارقي، ولا تَحُجَّه بأملك، ولا تقدّسه بثنائك، ولا تعْصِ ربَك بحسن ظنّك فيه، وعُدَّه في الموتى. وما أجود ما قال القائل:
من ضَنّ بمعروفٍعَدَدناه من الموتَى
فكانَت راحةٌ منهُومِن سَوفَ ومِن حَتّى
فهل يكون - أبقاك الله - فعل ابن العميد بالشيخ الطّبري إلا فعل من خَذَله الله وأسلمه من يديه، ولم يؤهله لخير يُجْزَى به ويكون هو سبباً لتمامه؛ وهل هو إلا فعل ن في أصله خبث، وفي منشئه دَخَل،
وفي طباعه خسّة ولؤم، مع قحة الوجه، ونذالة النّفس، وقلّة الاكتراث، والطُّغيان الذي هو باب الكُفر الذي هو خُسْران العاجلة والآجلة.
وقد كان يُمكن أن يدبّر ذلك الشيخ البائس بأقرب شيءٍ وأسهله، ولعلّه كان عند الله أبرَّ منه وأزكى؛ وكان يتّقي أن يُثنى عنه مثل هذا الحديث الذي مسموعه يغيظ، فكيف مشهوده؟ وإن طينةً تكون مبلولة بهذا الماء، موضوعة في هذا الهواء، مذكورة بهذه الأفعال والأسماء، أعتقد أن للكلب والقرد والخِنزير مزيةً عليها.
هذا، وهو صاحب المال المجموع، والذّخر الكثير، والضياع الفاشية، والصّامت الواسع؛ مع الاقتطاع والاحتجان، والسرقة والبَهت؛ كان ورِقه في ألف ألف درهم يردها في الخراج، وكان ارتقاعه يزل عن الحساب ويفوت التَّحصيل. وفيه قال ابن عبدان الإصفهاني:
الاستَاذون في الدّنيا كثيرٌوما فيهم سِوى نَذلٍ خَسيسٍ
وكلُّهُم أَرواهمْ عن قَريبفِدَا الأَستاذِ سَيّدنا الرئيسِ
وسيدُنا الرئيسُ فِداءُ كلْبٍفما هو بالرَّئيس ولا النَّفيسِ
والعجب من بخل هذا الرجل ونذالته، مع تفلسفه، وتكثره بذكر أفلاطون وسُقراط وأرسطوطاليس ومحبّته لهم، مع علمه بأن القوم قد تكلّموا في الأخلاق وحدّدوها وأوضحوا خفاياها، وميزوا رذائلها، وبيّنوا فضلها، وحثّوا على التخلّق بها، وساقوا ذلك كله على الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير من حُطامها، وبذْل الفُضول منها للمحتاجين إليها والمنتجعين بسببها، والاقتصار على ما تماسك به الرّمق من جميع زخارفها، وتحصيل السّعادة العُظمى برفْض الشهوات القليلة والكثيرة فيها، والإحسان إلى الناس وغير الناس بغير امتنان ولا اعتداد، ولا طلب جزاء ولا استحماد؛ كأنه لم يسمع بما قال عبد الملك بن مروان، أو سمع، ولكن حمَّق عبد الملك عليه، ولم يعلم أن الصواب فيما قال، والحَزمَ مع ما اختار.
حكى العتبي قال: قال عبد الملك لأُميّة بن عبد الله بن خالد بن أُسيد: ما لك ولابن حُرثان حيث يقول فيك:
إذا هَتَف العُصفُورُ طار فُؤادُهُوليثٌ حَديدُ النَّاب عند الثّرائدِ
قال: يا أمير المؤمنين، وجَب عليه حدٌّ فأقمته.
قال: فهلاّ درأته بالشُّبهات؟ قال: كان الحدُّ أبيَن، وكان زعمه أهوَن.
قال عبد الملك: يا بني أُمية! أَحسابكم أَنسابكم، لا تُعرِّضوها للجهّال؛ فإن كلامهم باقٍ ما بقي الدّهر. والله ما يسرّني أني هجيتُ بمثل هذا البيت وأن لي ما طلعت عليه الشمس:
تَبِيتُون في الْمَشْتَى مِلاَءً بُطونُكُموجَارَاتُكم غرْثى يَبِتْن خَمائِصَا
ثم قال: وما على من مُدح بهذين البيتين أن لا يُمدح بغيرهما، وهما لزُهير:
هنالك إن يُستَخْبلوا المالَ يُخْبِلوازإن يُسْألوا يُعطُوا وإن يَيْسَرُوا يُغْلُوا
عَلَى مُكْثِريهم حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيهِمْوَعندَ المُقِلِّينَ السَّماحةُ والبَذْلُ
قال الأندلسي: استفدنا من رواية هذا الشيخ أن هذا الخليفة روى:
" يُستَخبلوا المالَ يُخبِلُوا " فإنه كان عندنا: " يُستَخْوَلوا المالَ يُخْوِلوا " ولكلٍّ وجه، ولكن الأُنس بهذه الرواية أكثر.
وصدق عبد الملك في مُناقلته لحُرثان، ودلّ على الكرم المنافس عليه، ونهى متابعة الهوى وقلة المبالاة، وسوء النّظر في العاقبة؛ وإن بعض الفتيان البطّالة إذا قال: " والله لأَتَعرَضنَّ لجنايةٍ أُضرَبُ عليها أَلف سَوطٍ فيصحّ عند الفتْيان صَبري " لأعذر عند الناس ممن يتعرّض لحرمان مختبطٍ لمعروف، ومنعٍ لمنتجع خير، وإساءة قِرى طارق، وتكليح وجهٍ في وجه سائل.
وما أسهل قول الإنسان: دع الشاعر فليقل ما شاء، ودع الزائر فليفْرِ فَرْيَهُ كيف أَحبّ! ولكنه إذا زلَّ القول، وطار الحديث، وتمّت النادرة، فأين المتدارك؟ وأين المعتذر؟ وأين المتلافي؟ هيهات!
والعرب تسمِّي رجلين مُخْلِداً؛ أحدهما؛ مَن يتأخّر شيبه، فتقول: هذا مُخْلِد، والآخر هو الذي يُمدَح بعد موته.
ومن لم يرغب في الثناء فقد رغب عن مِلّة إبراهيم خليل الرحمن، لأن الله تعالى أخبر أنه سأله ذلك، وما سأله إلا بعد أن أذِن له، وما أذن له إلا بعد أن علم أنه الخلق الأسنى والاختيار الأعلى، والطريقة المثلى، فقال: (وَاجْعَل لي لِسَانَ صِدْقٍ في الآخِرِين) وقال: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ في الآخِرينَ).
ثم وضع الله من أقدار قوم وأبقى ذمّهم في الغابرين فقال: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)، فرأى ذلك نهاية في تهجينهم والغض من أخطارهم، وأن يتحدث عنهم بما يبعث على الاعتبار بمن أساء لنفسه النّظر والاختيار، قال الشاعر:
ثَمَن المَعروف شُكْرٌويَدُ الإحسانِ ذُخْرُ
وثناءُ الحَيِّ لِلأمْواتِ في الأحياء عُمْرُ
وقال أبو هفّان في ابن عبّاد:
للهِ دَرُّك قد أَكملتَ أربعةًما هُنَّ في أحدٍ من سَائر البشرِ
العِرض مُمتَهَن والنّفسُ ساقِطةٌوالوجهُ من سَفَن والعَين من حَجَرِ
أنشد بعضهم في ابن عباد، وذمّ سجعه وعقله وخطّه وقال:
مُتَقلِّب كافي الكُفَاة وإنّماهو في الحَقيقة كافِرُ الكُفَّارِ
السَّجْع سَجعُ مُهوّس والخَطُّ خَطُّ مُنَقْرس والعقل عقلُ حمارِ
وقلت للنتيف المتكلم: أرى ابن عباد كثير الخلوة بهؤلاء
العفاريت الذين تجاوزوا حدّ الغلومية، أَتُرى ذلك لفحشاء وتُهمة؟ فقال: أَما سمعت قول الشاعر:
كم حَرْبةٍ في القَوم صارت جَعْبَةًفاستُر علَيه فالحديث يطولُ
وإذا الفتَى حاَمَى على ذِي لحيةٍحُبّاً لَه فوراءَه عَاقُولُ
وكان قليل التّحاشي من القاذورات، وهو الذي ألصق به الرّيبة، وسوَّغ فيه الغيبة، وصار الإنسان إذا ذكر مساويه لا يخاف مأثماً، ولا يرتقب لا ئماً. على أن مساويه تفوت الحصْر، وتندُّ عن التَّحصيل.
قال ابن عباد لنُدَمائه: ما أول قول الشاعر:
وأَن غداً للناظرين قريبُ
فقال الخُوارزمي: أوله:
أَلم تَرَ أَن اليَومَ أَسْرَعُ ذاهِبٍ
وقال ابن الأعرابي: تمامها لنصيح بن منظور الفقعسيّ، وهو:
إذا ما خَلوتَ الدَّهرَ يوماً فلا تقلْخلوتُ ولكن قل عَلَيَّ رقيبُ
فلا تَحسَبَنَّ الله يَغفَلُ ساعةًولا أنَّ ما يخْفى عَليْه يَغيبُ
فَأَحسِن وأَجْمل ما استَطعتَ فإنمابقَرضِك تُجْزَي والقُروضُ ضروبُ
فلا تَكُ مَغروراً تَعَلّلُ بالمُنَىوقُل إنما أُدْعَى غداً فأُجِيبُ
أَلم تَرّ أَنَّ اليومَ أسرعُ ذاهبوأَنَّ غداً للنّاظرين قريبُ
وأنَّ المَنايا تحتَ كل ثنيَّةٍلَهُنَّ سِهام ما تَزال تُصيبُ
ذهَبْن بإِخوَان الصَّفاء فأَصبَحَتْلهُنَّ علينَا نَوبَةٌ سَتَنُوبُ
فأقبل عليه بوجهٍ كالِح أربَد، وقال: أعرفك نذلاً جاهلاً، مأبوناً باطلاً، إنما تُرينا من نفسك أنك تحفظ وتُحسن؛ التُّراب في فيك يا كلب، ومتى نبتَّ، ومن أبوك، وعمّن أخذت، وإلى من اختلفت؟ بلى، اختلفت عليك الأمور، وأُنفقت في دُبُرك أُيور، أنت بمخازيها مشهور، وقوّادُك بعد ما مات، وجذرك بعد ما نُسي؛ مثلك يجترئ في مجلسنا؟ ويقابل بوجهه وجهنا؟ والله لولا رعايتنا التي جَرَت بها عادتنا لعرفتنا وعرفتَ نفسك بنا. وعلى هذا وما كاد يسكت.
فكان جنونه غريباً في أنواع الجنون، لأن الجنون إذا زاحمه العقل،
والعقل إذا طلاه الحُمق لم يكمل الإنسان؛ وأنت إذا قست هذا إلى العاقل، وإلى الأحمق، وإلى العاقل الذي يعتريه الحمق، وإلى الأحمق الذي يعتريه العقل.
فهذا كما ترى.
ومن تحلّى بالسيادة، وسام الناس الانقياد له بالطّاعة، يحتاج إلى خصالٍ كثيرة يكون مطبوعاً عليها سوى خصالٍ أُخر يكون مشغوفاً بها وباكتسابها من أصحابها، وبالمُجالسة والسَّماع والقراءة والتَّقبل. وما أحسن ما قال عَديّ بن حاتم في صِفة السيّد حين سُئل مَن السيّد؟
فقال: السيد هو الأخرق في ماله، الذّليل في عزّه، المطَّرح لحقده، المعنيُّ بأمر جماعته.
وكان ذو الكفايتين يقول: خرج ابن عباد من عندنا، يعني الريّ متوجهاً إلى أصفهان، ومنزله ورامين، فجاوزها إلى قرية غامرة على
ماءٍ ملح، لا لشيء إلاّ ليكتب إلينا: كتابي من النَّوبهار، يوم السبت نصف النّهار.
يا قوم! هل هذا إلا رقاعة؟ واعلم - حاطك الله - أن الكمال عزيز، فإن ما ربحه أبو الفضل بالعقل خَسِره بالبخل، وكلّ ما زاد ابن عباد بالسخاء نقص بالحمق، على أن العقل لا يكون تامّاً وهناك خساسة، والسّخاء لا يكون محموداً وهناك حماقة، والبخل في الجملة غالب على المتفلسفين، كما أن الحماقة غالبة في الجملة على المُنشئين.
وسمعت علي ابن المُنجم يقول: وكان محذقاً حلو الحديث، وقد سُئل: لمَ غلب البُخل على كل مُتفلسف؟ فقال: وجدنا الغالب على الناظرين في حقائق الأمور، والباحثين عن أسرار الدّهور، وهم الموسومون بطلب الحِكمة التي هي الفلسفة، التمسُّك
بكل عرض يملكونه، حتى إنهم لا يُفرجون عن شيء إلا بمشقة شديدة، ولا يجدون ألم الشُّح والبخل، ولا يأنفون من عارهما؛ وطلبنا العلّة في ذلك مع ما يقتضيه مذهبهم من الزُّهد والبذل والإيثار والتكرُّم، فوجدناها في آثار النجوم والنظر في دلالتها؛ وذلك أن الذي يدلّ على علم الحقائق والغَوْص فيها، واستيفاء الفكر فيها زُحل مع عطارد بالاشتراك. وزحل يوجب مع شهادته الأُولى الحَصرَ والحَسَد والضّيق والبُخْل؛ لأن البخل يكون من جهة الخوف من الفقر، وزحل يوجب عجز النفس، وخُضوعاً عند الحاجات، وإشفاقاً على الفائت لعُسر آثار زُحَل وكثرة تغيُّر أحوال عطارد.
قال: وهذه الدلالة موافقة لما في الطبيعيات، وذلك أن البرد واليبس، من آثار زحل، يوجبان عوارض السَّوداء؛ وأخلاق النفس تابعة بالنظر الأول لمزاج البدن، فلذلك يستحيل إليه، وكذلك حال عطارد في خصوصيته باليُبس، ولأن الحرارة معدومة في زحل وعطارد، والسَّخاء من جنس الشّجاعة المُشاكلة لقوة الحرارة، والبخل من جنس الجُبن المشاكل لقوة اليبس الذي يوجب العجز وضيق الصدر والخوف في الحاجات.
قال: ولأن الزهرة لها في الأمور الإلهية والدلالة على الوحي وطهارة الأخلاق مع ما توجبه من الشهود والنعمة والبذل والقوة الانفعالية بسبب الرطوبة الغالبة عليها؛ فهي إذا أعطت أعطت الحقائق بغير تكلّف، بل على سبيل الوحي، وتميل النفس إلى طهارة الأخلاق والتهاون بالمال للمُباينة الواقعة بين الأمور الإلهية والأمور الطبيعية التي بها يُطلب المال ويتمسك به، فالذي يشرك في تديره بين العلوم والخلُق الزُّهرة، ويكون صاحبها مصادقاً للحقائق عفواً مُبغضاً للمال طبعاً.
والذي يغلب على تدبيره في العلم والخلق زحل، وعُطارد يتكلف العلم ويحب المال، ويكون مغلوباً بالبُخل.
وكان جريج المقل إذا جرى حديث أبي الفضل قال:
صَبورٌ على سَوء الثَّناءِ وقاحُ
وأنشد فيه:
ولا يَستَوي عند كَشف الأُمورِ باذلُ مَعروفِه والبخيلُ
ولا تعجب من إطلاق مثل هذا في ذوي الرياسة، فإنه مسبوق إليه في القديم والحديث؛ هذا محمد بن الجرّاح عمُّ عليّ بن عيسى الوزير ساقَ في كتابه في " أخبار الوزراء " فقال: كان آل برمك أندى من السّحاب، وآل وهب أخس من الكِلاب، وأنشد جريج المقل في أبي الفضل:
لنا فيلسوفٌ عالمٌ بالطبائعيُخَبِّرنا من طبّه بالبَدائع
رأى البُخْل حِذقاً فهو يَحمي ويحتميفلستَ تَرى في دارِه غيرَ جائع
وَيزعم أَن الفَقْر في الجُودِ والنَّدَىوأن ليس حظٌ في اكتساب الصّنائع
ستَعلم بعدَ الموت أنّك نادِمٌوأنّ الذي خلَّفتَ ليس بنَافِعِ
لقَد أَمِن الدُّنيا ولَم يخشَ صرفَهاولَم يَدْرِ أَن المرءَ رَهنُ الفجائع
وقال: كان يدّعي له العقل وهو لا يرجع إلى دين، وكل من فسد دينه فسد عقله. قد أعجبته فلسفته التي لا يحظى منها بطائل، ولا يتبيَّن بين أهلها بحقيقة. أَمِن العقل أن ينشد كلّ شعرٍ لملحد، ويردّد كل لفظ غَث ومعنىً ثقيل؟ أنشد يوماً قول النَّضر بن الحارث:
يُخبِّرنا ابنُ كبشَة أن سَنَحْياوكيفَ حياةُ أَصداءٍ وهَامِ
أَيَقتُلُني إذا ما كنتُ حَياًويُحيِيني إذا رمَّت عظامِي
وأنشد آخر:
أَصبحتُ جَمَّ بلابِل الصَّدروأبيا منطوياً على غَمْر
إن بحت طُلَّ دَمي وإنأَسكتْ يَضيق بذاكُمُ صَدْري
وقال: هذا لصالح بن عبد القُدُّوس العاقل المُجيد، أما سمعت قوله الآخر:
باحَ لساني بمضمَر السِّرِّوذاك أَني أَقول بالدَّهر
وليسَ بعدَ الممات مُنقلَبٌوإِنما المَوْت بيضة العُقْر
وهذه أمور قبيحة من سفلة الناس، فكيف من عليتهم؟ وإذا سكت الناس عنهم في حياتهم خوفاً منهم، نطقوا بها بعد موتهم تقرباً إلى الله تعالى بالصدق عنهم.
فلا يَهِيدنَّك ما تسمع؛ فإن الله تعالى لا يُقيّص للمُحسن إلا المحسن، كما لا يُلجيء المُسيء إلا إلى المُسيء.
ورأيت العَسْجَديّ يقول لجريج المقل: كيف وجدت هذا الرجل؟ يعني أبا الفضْل.
فقال: يابس العود، ذميم المعهود، سيء الظن بالمعبود، ومثله لا يَمْجُد ولا يَسود.
فقال له العسجدي: أَفلا ترى ذهه الأُبّهة والصِّيت والغاشية والموكب؟ فقال: هذا وإن كان من الدولة، فهي غير السُّؤدُد، والسلطان غير الكرم، والجِدة غير المحمدة؛ أين الزُّوار والمنتجعون؟ وأين الآملون الشاكرون، وأين المُثنون الحامدون؟ وأين الواصفون الصّادقون؟ وأين المنصَرِفون الرَّاضون؟ وأين دار الضيافة والخدم المرتبون للخدمة؟ هيهات! لا تجيءُ بالطَّقطَقة والرَّقرقة؛ أما تسمع الشعر:
أَبا جَعفرٍ ليس فضلُ الفتَىإذا راح في فَرْط إِعجابِهِ
ولا في فَراهة بِرْذَوْنِهِولا في نَظافة أَثوابِهِ
ولكنَّه في الفَعال الجَمِيلِ والحسَبِ الأَشرَف النَّابِهِ
وكان أبو الفضل يُطري البُحتريّ ويُعجب من عزله وتشبيبه، ويستسهل في الجملة طريقته، ورجل حاضرٌ يُخالفه في ذلك، فقال أبو الفضل:
البُحتريُّ يَرومُ غايةَ شِعرِهِمن لا يُقيم لنفسِهِ مِصْراعاً
أَنَّى يَرومُ مَنَالَه ولو ابتغَىتَقْويم قَافيةٍ له ما اسْطاعا
جَذَب العَلاءُ بضَبْعِهِ فأَحلَّهبينَ المَجَرَّةِ والسِّماك رِبَاعا
وغَدَوْتَ ملتزِمَ الحضيض فكلَّمافَرَعَ العُلا باعاً هَبَطتَ ذِراعاً
قال: فخري الرجل وسكت.
وحدثني أبو الطيب الكميائي قال: قلتُ لأبي الفضل - بعد أن
سمّ الحاجب النَّيسابوري، وبعد أن خطب على حَمْد، ودَسَّ إلى ابن هنْدُو وغيرهم من أهل الكتابة والمروّة والنّعمة: لو كفَفت، فقد أسرَفت.
فقال: يا أبا الطيّب! أنا مُضطَرّ.
فقلت: أيّ اضطرار ها هنا؟ والله إن مُخادعتنا لأنفسنا في نفعنا وضرِّنا لأَعجب من مُكابرة غيرنا لنا في خيرنا وشرّنا، وهذا والله رَيْنُ القلب وصَدَأُ العقل، وفساد الاختيار وكَدر النفس، وسوء العادة، وعدم التّوفيق.
فقال: يا أبا الطَّيِّب! أنت تتكلم بالظاهر، وأنا أحترق في الباطن.
النص من طبعة دار صادر ببيروت عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع