من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)
الهفوات النادرة (٦)
قال: ووقع في كتاب بعض العمال وكان مستزيداً له: "الزم وفقك الله المنهاج، واحذر عواقب الاعوجاج، واحمل ما يمكن من الدجاج، إن شاء الله! " قال: فحمل العامل دجاجاً كثيبراً، فتقدم بأن يباع ويورد ثمنه في الحساب، فأورد منسوباً إلى ثمن دجاج السجع!.
وجدت في بعض الكتب أن شيخاً من فارس رأى في منامه امرأة من ولد عثمان بن عفان ﵁ حاسرة، في يدها عود وهي تضرب وتغني:
إنَّ الشّبابَ وعيشنا اللذّ الذيكنّا به زمناً نسرُّ ونجذلُ
ذهبت بشاشته وأصبح ذكرهُحزناً يعلُّ به الفؤادُ وينهلُ
فلم يكن بين ذلك وبين قتل مروان بن محمد وخروج الأمر عنهم إلا قليل.
وحكى ابن أبي ربعي أنه رأى في منامه كأن رجلاً ينشده:
يا عينُ ويحكِ فاهمليبالدمع منك وأسبلي
دّلت على قرب القيامةِ قتلةُ المتوكِّل
فقتل المتوكل بعد ذلك بمديدة.
وحكى صالح بن أحمد بن حنبل ﵄ قال: رأيت في منامي كأن رجلاً يعرج به إلى السماء وقائلاً يقول:
ملكٌ يقادُ إلى مليكٍ عادلٍمتفضِّلٍ بالعفو ليسَ بجائرِ
فلما كان من الغد جاءنا نعي المتوكل من سر من رأى.
وقال أبو الوارث قاضي نصيبين: رأيت في منامي كأن آتياً فأنشدني:
يا نائمَ العينِ في جثمانِ يقظانِما بالُ عينكَ لا تبكي بتهتانِ
إنَّ اللياليَ لم تحسنْ إلى أحدٍإلاَّ أساءتْ إليه بعد إحسانِ
أما رأيتَ صروفَ الدَّهرِ ما فعلتبالهاشميِّ وبالفتحِ بنِ خاقانِ
فأتي البريد بأنهما قتلا في تلك الليلة!.
وحدث أبو البركات بن كامل قال: وجدت بخط الملك العزيز أبي المنصور بن الملك جلال الدولة أبي طاهر بن بويه ما نسخته: "رأينا فيما يرى النائم بالذخيرة بألطف من البصرة بعد المعركة هناك في صبيحة يوم الاثنين، مستهل شهر رمضان سنة أربعين وأربعمائة، كأن امرأة تنازعنا رمحاً في دارنا البصرة، وكأنا استنفذناه منها، فانعطفت تنشد متكئة على دار ابزين البستان الذي في الدار، وذلك بعد وفاة الملك أبي كاليجار بن بويه الذي كان غلب على العراق، وأبعد الملك العزيز عنها وشتته منها:
يا غارسَ الكرمِ والنّخيلِوقائد الرحل والخيول
لو كنتَ تدري إلامَ صارتْأحوالُ ذي المال ذا الجليلِ
ما جئت من منزلٍ بعيدٍترمي قتيلاً على قتيل
وبعد الأبيات: "اللهم إنا نستعيذ بك من طول الأمل في هذه الدنيا الزائلة المتنقلة تنقل الأفياء، اللهم فلا تشقنا فيها، ولاتلهنا بها عن الآخرة، واجعلنا من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، واحشرنا مع أهل بيت نبوتك الطاهرين، ولا تضرعنا مصارع الجبارين .. " وكتب خسرو فيروز بن شاهنشاه الأعظم أبي طاهر فيروز خسرو بخطه في التاريخ، وعاش بعد ذلك مرتاعا منزعجا، ولم يبق إلا قليلا ومات عن ثلاث وثلاثين سنة وستة عشر يوما شمسية.
ودخل إنسان يهودي يعرف بصاعد الصيرفي حماما بباب المراتب فقال شعرا لأبي الحسن البصروي الشاعر في دواتي لنور الدولةأبي الأعز بن مزيد يسمى ثابتا:
ليسَ على شاطئِ الفراتِأسقطُ من ثابتِ الدّواتي
طلبتُ منه وكان جهلاًمنشفةً نشَّفتْ حياتي
فقال واللهِ ما تراهاولو تمسَّحتَ في لهاتي
واتفق أن تدخل ثابت الدواتي وسمعه ينشد، فمسك لحيته، وقال له: يا كلب ما وجدت من تقطع به خمارك إلا هجائي! فاعتذر صاعد إليه واستحيا منه.
وحكى أبو سعد بن سعدان العطار قال: حدثني أبو القاسم أبي قال: اجتاز بي يوما أبو الحسن سعيد بن نصر، وكان دواتي الصاحب أبي محمد بن مكرم، فسلم علي وسلمت عليه، وسألني بعض الحاضرين عنه فقلت: أذكر هذا وقد أنكر عليه ابن مكرم فعلا فعله، فتقدم بصفعه على باب داره بالشمشكات! واتفق أن أبا الحسن لم يكن بعد عني البعد الذي لا يبلغه كلامي، فالتفت إلي وقال: يا هذا ما وجدت ما تعرفني به غير هذا الحديث! فخجلت واستحيي، ولم يكن لسان يجيبه، ولا عين تنظره، فأطرقت وأمسكت.
وحدثني قال: كان في جوارنا إنسان يعرف بابن بيهويه فأحضرنا لمشاهدة حائط في داره قد عاب، واتفق أن أمه كانت تغسل الثياب، فاخرج إلي في طست من تراب الحائط وقال لي: ما يمكن أن تدخل اليوم إلى الحائط وتشاهده، وهذا من ترابه فانظر ما تريد معرفته منه! فقال له: أنا أرجع في غد إليك، وضحك منه، وتحدث بذلك عنه.
وحدث عن ابن الزنفيلفي التاجر الكوفي قال: خرجت من مصر أطلب العراق، ومعي متاع ب? نحو خمسين ألف دينار للتجار ولي، واستصبحت معي جارية اشتريتها بمصر، وهويتها، ولم يمكني مفارقتها، فلما حصلنا في السماوة قالت لي الجارية: اعلم أن هذا البدوي هوذا يولع بي، وقد طالبني نفسي فامتنعت منه، فحلف ليقتلنك الليلة ويأخذني ويأخذ المال جميعه، فدبر أمرك بما تراه! قال وكان البدوي وابنا أخ له خفرائي الذين نسير معهم ونحدر بهم، فبقيت واجما، وعلمت أني مقتول وأموال الناس مأخوذة لأجل الجارية، وفكرت في أن أزوجها به، فإذا بلغنا الكوفة أخذتها منه وألزمته طلاقها، فقلت لها ذلك، وقررت رأيي معها عليه؛ فلما أدركنا المساء ونزلنا وتعشينا قلت له: يا علون، قال: لبيك، قلت: أحببت أن أزوجك بجاريتي فلانة، ألك في ذلك رأي؟ فقال: إي والله وأي رأي! فزوجته بها، وضحك واستهل، وأخذها وبعد إلى وراء رابية عنا ... فلما كان السحر جاءتني الجارية فقالت: يا مولاي جاء الرجل! فقلت: ويلك ما تقولين؟ قالت: ما قد سمعت، فقلت لها: هذا هو الهلاك بعينه، سيقول ابنا أخيه: أنت وضعت الجارية على أن أطمعته شيئا سمته به، ويجعلان ذلك طريقا إلى ما أراد هو أن يعمله بي! وقمت إليهما فقلت لهما: اسمعا ما تحكيه هذه الجارية، فقالت له: إنه لما خلا بي لم ينزل عن صدري، ولا ترك الجماع إلا بقدر الراحة ساعة بعد ساعة، ثم ثقل على صدري ثقلا عظيما، فرميت به عني، فبعد جهد ما أنزلته ودميته إلى الأرض، وتأملته فرأيته ميتا! فقالا: لا ترغ، فإنه نوى لك القبح واعتزمه فيك، وأحوجك إلى ما فعلته معه فأهلكه الله وعجل مقابلته، امض يا شيخ فلا بأس عليك! .. وقمنا إليه فواريناه وارتحنا!
وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي قال: قبض عضد الدولة على أبي الوفاء طاهر بن محمد أحد أصحابه، واعتقله بقلعة الماهكي، فلما توفي عضد الدولة كتب أبو عبد الله بن سعدان إلى أبي الهيجاء عقبة ابن عنان الحاجب، وأضنه كان بالبند نيجين، على يد شجاع التنائي بقتله، فقتله وأنفذ إليه برأسه في مخلاة، فلما أحضره بين يديه وشاهده، تقدم بدفنه فدفن تحت مسناة داره على دجلة بالجانب الشرقي من مشرعة باب الطاق، فسمعت جماعة يذكرون أنه لما قتل أبو عبد الله بن سعدان رمي برأسه وجثته إلى دجلة، فلم يزل الماء يحدر الرأس إلى مسناة دار أبي الوفاء طاهر بن محمد، وكانت في مشرعة المخرم، فأخذه أحد الملاحين ودفنه تحت المسناة، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق!
وحدث بعض من كان في القعة بين الغساسيري وبين عسكر خراسان التي قتل فيها الغساسيري في ذي الحجة من سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال: أخذت مع الناس، وكان معي سبعون دينارا، فعمدت إلى ثل صغير فدفنتها في جانبه، وعفيت أثرها، وقعدت عنها بحيث أشاهدها. فاتفق أن سقط غراب على التل، ورماه أحد الأتراك بنشابة فوقعت في الدنانير ومضى التركي فانتزعها فظهرت له الدنانير، فأخذها.
وحدث أبو علي المحسن بن علي التنوخي في (نشوار المحاضرة) قال: حدثني أبو القاسم الجهني قال: حدثنا أبو محمد بن حمدون قال: أمر المعتضد بالله، في علته التي مات فيها، وقبل موته بأيام يسيرة، بأن يصنع له سم يقتل به جماعة ممن كان في الحبس، لم يحب قتلهم قتلة ظاهرة بسياسة رآها، وفعل ذلك وجيء بالسم إلى حضرته، فأراد تجربته قبل أن يقتل به من أراد قتله، فطرح في كرنبية، وأحضرت في طيفورية، وهو مفكر فيمن يطعمه منها وعلى من يجرب السم الذي فيها، إذ دخل محمد بن أحمد نفاطة وابن أبي عصمة، فقيل لهما: إن الخليفة يريد أن يأكل من ذلك اللون، وهو محجم عنه للحمية، فقالا: ما أحسن هذه الكرنبية! فلو أكل منها مولانا لقمة رجونا أنها لا تضره! وتجاوزا ذاك إلى أن أكلا منها لقما، كأنها قصدا استنهاض شهوته وتحريكها بأكلها، فلم يمكنه أن ينهاهما لئلا يخرج السر، وأمسك عنهما، ومضيا إلى منازلهما فماتا من يومهما، وبلغ الخليفة خبرهما من الغد، وقد اشتدت علته، فعلم صحة السم، وأمسك لسانه أن يأمر في معنى من أراد أن يأمر في معناه بإطعامه من ذلك السم الذي عمل له! ومات المعتضد بعد ذلك بثلاث أيام، ومضى أولئك بالعرض وسيء الاتفاق وسوء المقدار، وكأنه عمل لهما لا لغيرهما، وسلم من عمل له وقصد به ونجا.
حدثني الرئيس أبو الحسين قال: رأيت في منامي قبل وفاة عميد الجيوش الحسين بن استاذ هرمز بأيام شخصا راكبا قد تحلق بين السماء والأرض، والأبصار إليه شاخصة، ثم ذاب حتى لم يبق منه شيء، فتأملته فإذا به عميد الجيوش، فانتبهت وعاودت النوم فرأيت عميد الجيوش قد نزل من داره إلى زبزبه، ومعه أبو الفتح محمد بن عنان وأبو الفتح بن المطاميري حاجبه، وكأنني قد سألت عن قصده فقيل لي: هو منحدر إلى الجبل لأن أبا غالب قد وافى عكبرا، فاستيقظت ولم أعرف أبا غالب، واتفق أن دعاني أبو الحسن رشأ بن عبد الله الخالدي واجتمع معي هناك أبو القاسم علي بن محمد بن المطلب، فلما أخذنا في الشرب حدثته حديث المنام واستكتمته إياه، فما استتممت الحديث حتى غنت المغنية:
قد مضا ذلك الزّمانُ فما فيه مطمعُ
فعلى ذلك الزمانِ سلامٌ مودّعُ
فقال لي: أما تسمع؟ قلت: بلى! وتوفي عميد الجيوش من غد أو بعده، ولحق به أبو الفتح بن عنان ثم أبو الفتح المطاميري، وكان أبو غالب فخر الملك الذي وزر بعد بالعراق.
وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثتني علم قهرمانة المستكفي بالله الشيرازية حماة أبي أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي قالت: كان المستكفي لما أفضى إليه الأمر يوصيني بتفقد القاهر بالله بنفسي، وألا أغول على أحد في ذلك، ويكرمه ويبره ويحسن غليه، وكان قد اختل عقله لسوداء لحقته، ويخرق ما يلبسه من الثياب، وقلما يبقى عليه منها قميص أو جبة، وينتف شعر لحيته وبدنه، وربما صاح وضج، ثم يثيب إليه عقله. قالت: فراسلني في بعض أيام إفاقته المستكفي يأمرني بأن استعرض شهواته وحاجاته، فسألني تمكينه من جواريه، فعرفته ذلك فأمرني بحملهن إليه، وأدخلت إليه طماعة منهن، ثم استدعى بعد ذلك مرة أن تدخل إليه ابنته، ففعلت، فقبض عليها يوماً وافتضها، وبلغ المستكفي ذلك فأعظمه وهاله، وأمر أن يفرق بينهما، ولا يمكن أن يدخل إليه غير جواريه.
وحدث قال: حدثني أبو أحمد الحارثي قال: كنت أعاشر بهمذان بعض كتاب الديلم، وحسبك وصفاً بجهل أن أقول: إنه من كتاب الديلم! وكان يتحلى مغنيه، فسمعها يوماً تغني:
يا حبيباً نأى عليكَ السّلامُفرّقتْ بينَ وصلنا الأيّامُ
فاستطابه، فلما أراد أن يستعيده قال: يا ستي غني ذاك الصوت الذي أوله: "يا حبيب الله عليك السلام! " فقالت: هذا صياح الحراس، أظنك أردت:
يا حبيباً نأى عليك السّلامُ ... .......................
قال: نعم، هوهو، شدي لي في ذنبه علامة، أي وقت أردته أخرجته!.
قال: وسمعته يحلف فيقول: والله الذي لا إله إلا هو أعني الطلاق والعتاق!.
قال: وكتب مرة بحضرتي تذكرة بأضاحي يريد تفرقتها في دار صاحبه، وقد قرب عيد الأضحى: "القائد ثور وامرأته بقرة، ابنه كبش، بنته نعجة، الكاتب تيس" قال: فقلنا له: الروح الأمين ألقى هذا عليك فلم يدر ما أردت!.
قال: وحدثني أبو أحمد الحارثي أيضاً: قال: حضرت هذا الكاتب وهو يشرب. وقد قل نبيذه، فكتب إلى صديق له رقعة يطلب منه نبيذاً ما رأيت أطرف منها، فقلت له: يا سيدي قد رأيت كتاب بغداد وطرقت الآفاق ما رأيت أحسن من هذه الرقعة، فأحب أن تأذن لي في نسخها، فقال: يا بابا، ونحن اليوم أين بقي ما نحسنه! قد نسيناه كله مع هذا القائد! انسخها .. وأعجبه ذاك، وكانت: "كتبت هذه الكلمات يا سيدي وزري أعني به قميصي ومن هو فاضلي ومولاي وأنا عبده ومتصنع له، أطال الله بقاءه، من منزلك الذي أنا ساكنه، وقد نقصت الدم من قفاك المرسوم بي، وليس وحق رأسك الذي أحبه عندي من نبيذك الذي تشربه شيء، فبحيلتي العزيزة عليك إن كان عندك من نبيذ اشربه فوجه إلي منه بما عسى الأسهل على يدي غير هذا الرسول، فإنه ثقة، أوثق مني ومنك، وإن أردت ألا تختمه فلا تفعل، فإن الصورة لا توجب إلا ذاك، فعلت عن شاء الله.
قال: وكنت يوماً عنده فجاءه صديق له من كتاب الديلم مجروحاً، فقال له: مالك؟ قال: جاء إلى الأمير اليوم كتاب من وكيله في إقطاعه فرمى به إلي وقال: اقرأه، وكنت قبل ذا إذا جاءه كتاب أخرج إلى المعلم حتى يقرأه علي وأحفظه، وأدخل فأقرؤه عليه، فلم أقدر اليوم أن أخرج من بين يديه، فقلت له باكياً: أنا لو كنت أحسن أقرأ وأكتب كنت أكون كاتب الأمير علي بن بويه! فرماني بالزوتين فجرحني.
قال: وبلغني عن بعض قواد الديلم انه قال: كاتبي أحذق الناس بأمر الدواب والضياع وشراء الأمتعة والحوائج، وما له عيب إلا أنه لا يقرأ ولا يكتب!.
وقال: حدثني محمد بن عبد الله التميمي قال: حدثني الهمذاني الشاعر قال: انحدرت أريد الحامدة، وكان في الوقت يليها الهيثم بن محمد العامل. فمدحته، فقال لي: لست ممن يعطي على المدح شيئاًأريأ، فلو هجوتني لكان أجدى عليك! قال: فأردت النهوض من مجلسه، فلما رأى ذلك قال: اجلس، فجلست، وجيء بمائدة لم أر مثلها، عليها من كل شيء حسن طيب شهي لذيذ، فأقعدني ناحية، وجعل يأكل ويقول: لو هجوتني لأكلت معي! وكلما مر لون وصفه ونعته وشهانيه وحسرني عليه، وأرانيه ومنعنيه، والروائح تقتلني، والمشاهدة تحسرني، إلى ان فرغ من الطعام، وجيء بالحلوى، وكانت الصورة فيه مثلها في الطعام، ثم جيء بغسول من دواري عجيبة طيبة، فغسل يده بها وهو يقول: لو هجوتني لأكلت مما أكلت وتحليت مما تحليت به وغسلت يدك من هذا! ثم أحضر الشراب وعبئ بحضرته مجلس ما ظننت أن مثله يكون إلا في الجنة حسناً، بأصناف الفاكهة وألوان الرياحين والطيب والكافور والتماثيل والشمامات والمطبوخ القطربلي والنبيذ من الزبيب والعسل، وهو يقول: لو هجوتني لشربت من هذا وحبيت من هذا وتنقلت من هذا، قم الآن وكل ما تستحقه بمدحي، فقمت وجاءوني بطبق وسخ عليه أرغفة سود وقطع مالح ومرق سكباج أحمض من الفراق، وقليل تمر، فأكلت لفرط الجوع، وجاءوني بأشنان أخضر لم ينق يدي، وجئت فجلست عنده، فقال: اجعلوا بين يديه من الشراب مثل ما يستحق من مدحي! فجاءوني بقنينة زجاج أخضر غليظ وحش وقدح مثلها وسخين وحشين، وفي القنينة نبيذ دوشاب طري، وباقلي مملوح وباقة ريحان، فشربت أقداحاً، وهممت بهجائه وأنا أمتنع خوفاً من أن يكون ذاك يصعب عليه، وإنما يمازحني بما يقوله لي، وأنا أفكر في ذاك إذ خرج خمسين ديناراً فقال: الآن قد فاتك ما مضى، ولكن اهجني مستأنفاً حتى أعطيك لكل بيت ديناراً، فقلت إن كان لابد فاكتب وقلت:
جاءت بهيثم أمّهُمن بغيها وزنائها
فرمى إلي ديناراً، فقلت:
جاءت به من نتنهِلا شكَّ يومَ خرائها
يا هيثمُ بنَ محمدٍيا بنَ التي لشقائها
فقال: ما صنعت شيئاً! قلت: انتظر، قال: هات، فقلت:
أمستْ تناكُ بكسرةٍوكذاك مهرُ نسائها
فرمى بقية الدنانير إلي، وقال: حسبك، ما أريد أجود من هذا ولا أكثر! هاتوا له مما أكلت؛ فقدم لي من جميع ما كان على المائدة فأكلت، وقدم لي من الشراب الذي بين يديه والتحايا والأنقال، فلما أراد القيام أمر لي بجائزة وخلعه فأخذتها وانصرفت من عند أحمق الناس وأجهلهم على الإطلاق.
وقيل: دخل شاعر من شعراء الهند على أمير المنصورة فمدحه، فقال له الأمير: تقدم يا زوج القحبة! فقال: وما زوج القبيحة أيها الأمير؟ قال: هذا بلغة العرب كناية عمن له قدر جليل ومحل كبير ومال ودواب وجمال وغلمان وقدر ومنزلة! قال: فأنت أيها الأمير إذن أكبر زوج قحبة في الدنيا! فخجل وعلم أن هزله ومزحه جر عليه سبه وشتمه.
وكان بسجستان إنسان يعرف بأبي العباس بن أشناس، يتقلد أعمال السلطان، فجاءه أبوه يوماً يسأله في أمر إنسان، وضجر منه وقال: أحب منك وأسألك إذا جاءك إنسان وقال لك: كلم ابنك، تسبني وتقول: ذاك ما هو ابني! فقال له الأب: يا بني والله إنني أقول هذا منذ ثلاثين سنة وما يقبل مني! فخجل الابن، وندم فلم تنفعه الندامة، وتداول الناس الحديث.
ودخل سليمان بن بندار إلى مالك بن أسماء الفزاري يقتضيه مالا له عليه، فقال له: ليس لك علي إلا أير حمار! وكان بنو فزارة يأكلون لحم الحمير، فقال له سليمان: بارك الله لكم يا بني فرازة، إن جعتم أكلتموها وإن كان عليكم دين قضيتموه منها! فخجل مالك وطأطأ رأسه، وقال: رذيلة جلبتها بمزحي على نفسي!.
قيل إن أهل الكوفة أصابهم مطر شديد في يوم صائف عظيم الحر، حتى سقطت سقوفهم وتهدمت حيطانهم، والحجاج إذ ذاك بها، فركب وسار منفرداً ينظر مبلغ أثره، فأتى موضعاً يقال له العريان، فرأى غلاماً من غلمان العرب، من اصحبهم وجهاً وأحسنهم شباباً، ومعه قوس وهو يتصيد، فقال له الحجاج: اقبل يا غلام، فأقبل، فقال له: ممن أنت يا غلام؟ قال: من الناس! قال: وأي الناس؟ قال: من ولد آدم، قال: فمن أبوك؟ قال: الذي ولدني، قال: فأين ولدت؟ قال: على ظهر الأرض في بعض الحجرات، قال: فأين نشأت؟ قال: ما بين السماء والأرض في بعض الفلوات، قال: وما اسمك؟ قال: وما تريد من اسمي؟ قال: أحببت ان أعرفك، قال: والله ما ضرني إنكارك إياي في سالف الدهر فينفعني اليوم علمك بي ومعرفتك لي! قال: إني أظنك مجنوناً، قال: أحلني ذاك عندك مجيئي إليك سعياً كأنني ممن يرجو منك خيراً أو يخاف لك شراً، ولست هناك! قال: وما يدريك يا غلام؟ قال: لعيك بجوابي وإظهارك لسبابي! قال: فانطلق معي افعل بك خيراً، قال: والله ما أرى فيك شيئاً من الخير فأنطلق معك! قال: ما أسفهك يا غلام! قال: وما علمك بسفهي وأنني سفيه، وأنت قد ذهب بك التيه وذاك بك شبيه!.
فبيناهما في ذلك إذ أحدقت بهما خيل الحجاج فقالوا: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، فقال مغضباً: احتفظوا بالغلام، ثم رجع إلى الكوفة، فلما اطمأن به المجلس أمر بان نقف من جانبيه ستة آلاف رجل من الجند، بأيديهم الأعمدة والترسة والسيوف المخترطة، ثم أمر بإدخال الغلام عليه، فدخل يخطر بين الصفين، لا يهوله ما يراه، حتى وقف بين يديه، فقال له الحجاج: يا عدو الله أنت صاحب الكلام لا أم لك ولا أب لك ولا أرض لك! قال الغلام: لو كنت عدو الله كنت شيطاناً رجيماً، وما أحد بلا أم ولا أب إلا آدم وحواء، والأرض فالله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وما هي لي ولا لك، وأنا صاحب الكلام فما أنكرت منه؟ فلما رآه لم يغفل عن الجواب، ولا تغير في الخطاب، أمسك عنه مخافة أن يشتد غضبه فيقتله، وأطرق طويلاً ثم رفع رأسه إليه فقال: هل أصابكم من هذا المطر؟ قال: نعم، قال: فشهدت ابتداءه؟ قال: نعم، قال: فصفه لي؟ قال: والله لقد نظرت إليه حين أقبل تؤلفه الرياح، فوعهد الله ما عنانا ولا اكترثنا له، ثم لم يلبث أن صار نشاطاً لا ترى منه خلاصاً، ثم تحندس وأظلم، واشتدوا كتهم، وتزاحم حتى علا البقاع والتلاع، وبلغ رؤوس الجبال فهد الصخور وثور البحور، ثم هدأ بإذن من على العرش استوى، "ذلك تقدير العزيز العليم"! قال: يا غلام سلني حاجتك؟ قال: والله ما اسأل إلا من أنا وأنت عنده في المسالة سواء! ذلك الله ربي وربك! فأمر له بعشرة آلاف درهم، وبعث به إلى عبد الملك بن مروان، فأضعف له الجائزة بعد أن عجب منه ومفق عليه، وانصرف إلى أهله مسروراً.
وحكي أنه حمل أبو اسحق الأهوازي إلى المتوكل، فلما أدخل عليه قال لابن حمدون: اعبث به! فقال له ابن حمدون: متى تعلمت العبارة؟ قال: أنا معبر قبل أن تكون مضحكاً! قال: فما تقول في رؤيا رأيتها؟ قال: وما هي؟ قال: رأيت كأن أمير المؤمنين حملني على فرس أشهب أخضر الذنب مثل خضرة النبات! قال: إن صدقت رؤياك فإن أمير المؤمنين يأمر بأن يدخل في استك فجلة فيغيب أصلها الأبيض وتبقى الخضرة بين فخذيك! فضحك المتوكل وقال: صدقت رؤياك يابن حمدون! هاتوا فجلة، فقال له: يا أمير المؤمنين أنت أمرتني! قال: ولكنك رأيت الرؤيا قبل أمري لك! وأمر بأن فعل به ذاك، وأجاز الأهوازي جائزة سنية.
وحكى محمد بن أيوب الهاشمي أن اسحق بن العباس بن محمد كان والياً على البصرة، وكان مزاحاً عبيثاً، فلاعب الصباح بن عبد العزيز الأشعري بالنرد، في أمره ورضاه، فقمره اسحق، فقال له الصباح: احتكم أيها الأمير وأجمل، قال: أصفعك عشراً جياداً! قال: أبو الفداء أعزك الله! قال: والله لو أعطيتني جميع ما تملك ما قبلته، ثم التفت إلى غلام أسود كأنه شيطان فقال له: اصفع وجود، فصفعه عشراً كاد أن يعميه! ثم لاعبه وغلبه وفعل به مثل فعله الأول، ثم عاود اللعب فغلبه الصباح وقال له: قمرتني أيها الأمير نوبيتين فلم تحسن الصنيع، ولم تجمل الفعل، ولم ترجع عن الصفع الوجيع! قال: فما تريد؟ قال: صفعك كما صفعت، ومقابلتي لك بمثل ما فعلت! قال: ويلك، تفضحني، ويبلغ أمير المؤمنين خبرنا فيكون سبب عزلتي ونكبتي وزوال نعمي! قال: إذن لا أبالي والله! قال: أو أدفع إليك خليفتي عبد السميع فتصفعه عشرا، قال: لا أفعل، قال: وأعطيك فاضل الصرف فيما بين الصفع مائة دينار؟ قال: هات على بركة الله تعالى ... فأحضر عبد السميع فجاء كالفيل، فقال له: اجلس، وقال له: ما أشك في مودتك إياي وموالاتك لي، قال: أنا عبد الأمير وخادمه، قال: ما أعرفني بذاك منك وفيك! اعلم أن هذا الفاسق الأحمق الجاهل لاعبني بالنرد .. وقص عليه القصة إلى ما انتهى الأمر بينهما إليه ووقف الحكم عليه، فقال عبد السميع: أعيذ الأمير بالله، ما ظننت أنه ينزلني هذه المنزلة ويحلني في هذه الرتبة! قال: صدقت والله ولا ظننت أنا أن مثل هذا يتفق ويكون، ولا خطر لي ببال، لكنها بلية أوقعت نفسي فيها، وزلة ما كان لي مثلها قبلها، وأحب أن تنقذني منها وتحتمل المكروه عني فيها، فأقدني وأنقذني منها! فأقبل عبد السميع على الصباح وقال له: تأمر أعزك الله أن ألطم يسيرا عوض الصفع؟ فقال له: أنت والله أحمق! إما أن تمكنني من قفاك وإلا قمت إلى قفا الأمير أعزه الله! فقال إسحق بن العباس لعبد السميع: دع هذا وأمثاله عنك، فهو أنكد وألج وأشأم من أن يرجع أو يحسن أو يجمل! فقال الصباح: الأمير بذاك بدأ، وأمر به وبمثله! فقال عبد السميع: اصفع لا بارك الله لك وفيك، فالتفت الصباح إلى عبد له أسود كأنه الجمل الهائج فقال: اصفع وجود وبالغ وخذ بثأر مولاك ولا تراقب! فصفع عبد السميع عشر صفعات كاد رأسه يقع منها، وقال له الأمير بعد ذلك: يعز علي والله ما نالك ولحقك، ارجع إلى عملك! وكان يخلفه على الشرطة وجميع أموره ولا ينفذ لإسحق أمر إلا على يده، وقام يجر رجليه؛ وعاودا اللعب، فقمره الصباح ثانيا، واتفقا على ما اتفقا عليه أولا، واستدعي عبد السميع، فتغافل واحتج، فلم ينفعه، وجاء مكروها وهو وجل خائف، فقال له إسحق بن العباس: اعلم أن هذا الأحمق قد قمرني ثانيا واحتكم مثل حكمه أولا! فقال: اعزلني أيها الأمير، فلا رأي لي في خدمتك، فقال له: أعني هذه المرة الواحدة، وخلصني من هذا الجاهل القليل العقل والمروءة، العادم المعرفة والدراية! قال:"إن الله وإنا إليه راجعون" فقال الصباح لعبده: اصفع وجود صفعا ينثر الشعر من اللحية، ويحلق الشعر من القفا! فقال: لا كرامة ولا عزازة، اصفع يا هذا صفع المداعبة والإخوان، لاصفع العقوبة والسلطان، وأجمل فيما تفعل، فعسى أن تقع لك حاجة فأجازيك بالحسنى! فقال له مولاه: اصفع الرقيع، الصفع الوجيع، ولا تصغ إلى ما لم يصغ إليه من قتل مولاك! فقال إسحق: استعن بالله واجر على عادتك في طاعتك، فقال: لاحول ولاقوة إلا بالله! وجثا على ركبتيه، وصفعه العبد صفعا زعزع به أركان رأسه، فقال: فبكى وانتحب مما لحقه، فقال له إسحق: يعز والله علي، ارجع إلى عملك أعزك الله! فقال: لعن الله هذا العمل ويوما توليته فيه! لي إليك حاجة! قال: حوائجك عندي كلها مقضية! قال: لاتلاعب هذا الشئوم دفعة أخرى فإنه ألعب منك! فقال: اسكت، فوالله إني لأرجو أن تتولى منه ما تولى منك، وأن تشتفي منه كما اشتفى منك! قال: ما أريد ذاك أيها الأمير، قال: فما ألاعبه كما تشتهي؛ ونهض يجر رجليه خزيان جيران، وتقدم إلى صاحبه بأن يقف هناك وينظر مل يكون من الأمير والصباح، ويعلمه، وتقدم بأن يسرج له فرس، وقعد ينتظر الغلام، فجاءه وأعلمه بأنهما لعبا، وأن الصباح قمر إسحق، وأنه تقدم باستدعائه .. فركب الفرس وهرب على وجهه يقول: لا والله لا أطيع ولا أجيب ولا أعمل له
عملا أبدا! وعرف إسحق ذلك فابتاع القمرة من الصباح بخمسة آلاف درهم، ولم يلعب معه بعدها!
تقدم أعرابي فصلى بالناس فقرأ (الحمد) بفصاحة وبيان، ثم قال:
ويوسفُ إذ دلاَّه أولادُ علَّةٍفأصبحَ في قعرِ الركيَّةِ ثاويا
فوثبوا إليه فصفعوه!
وكان لزيد بن علي بن الحسين ﵃ ابن يخالط سفهاء المدينة، فغضب عليه وأخرجه إلى خبير، فجمع إليه مشيخة مجانا، لهم هيئة من حلق الشوارب وتوفير اللحى، واتفق أن خرج زيد إلى ماله بخبير، فلما رآهم قال لابنه: مثل هؤلاء كنت آمرك أن تعاشرن ولعمري قد أحسنت الاختيار، وسترى مني ما تحب! فأقبل الابن عليهم وقال لهم: إني أخاف أن يخرج أبي من خبير ولم يعرفكم، فقالوا له: الساعة يعرفنا! وحضرت صلاة المغرب فتقدم زيد فصلى بهم، فلما قرأ:"قل يا أيها الكافرون" قالوا: لبيك لبيك! فلما قرأ:"لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد" قالوا: صدقت صدقت جعلنا الله فداك! فلما انصرف قال لابنه: ما هؤلاء! عليك وعليهم لعنة الله، فما رأيت مثلهم قط! قال: وما أنكرت منهم؟ لقد دعوتهم فلبوك، وخبرتهم فصدقوك! أحضر النعمان بن الشقيقة صاحب الخورنق سنمار الرومي من بلاد الروم فبنى له الخورنق، فكان يبني فيه السنة والسنتين ثم يدعه زمانا لايعمل فيه شيئا، حتى يستقر البناء، ثم يبني، فأقام كذلك مدة طويلة، فلما فرغ من البناء دخله النعمان وعلا عليه فنظر إلى أحسن منظر وإلى ما اجتمع له في ذلك القصر مما لم يتهيأ له في غيره، فكان يرمي بظرفه إلى حسن الماء في بحر النجف واتساعه وأصوات الملاحين وصيد السمك، ثم يرمي بطرفه إلى الجانب الآخر فيرى رعي الإبل وصيد الظباء والأرانب والثعالب وجناة الكمأة، فسر به غاية السرور، وأعجب به أعظم العجب، فقال له سنمار متبجحا بالبراعة في صنعته وحكمته وهندست، ولاهيا عن غفلته وغلطته: إني لأعلم في هذا القصر موضع حجر لو حركته لتداعى القصر! قال: أويعرف غيرك؟ قال: لا! قال: لاجرم والله لايعرفه أحد على وجه الأرض! وأمر به فرمي من القصر، فتقطعت أعضاؤه، فقالت العرب في أمثالها:
جزاهُ، جزاهُ اللهُ شرََّ جزائهِ،جزاءَ سنمَّارٍ وما كانَ ذا ذنبِ
وقالَ: اقذفوا بالعلجِ من رأسِ شاهقٍوذاك وبيتِ اللهِ من أعظم الخطبِ
حدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهيز قال: كنت بجلب عند أميرها معز الدولة أبي علوان ثمال بن صلح الكلابي يوما أتحدث معه، فانجز الحديث إلى أن قلت: وصف لأمير بني عقيل المقلد بن المسيب في سني نيف وثمانين وثلاثمائة جارية مغنية ببغداد، فبذل فيها ألوف كثيرة، وأجابت مالكتها إلى بيعها، فامتنعت الجارية من الإجابة إلى البيع عليه؛ فرأيت حماد بن الندى ابن عم معز الدولة وهو جالس وهو أعور، فأمسكت ووقفت، وأردت أن أقول:"لأنه أعور"، والتفت، فقال لي معز الدولة: فلم امتنعت من الخروج إليه؟ فقلت: لأنه بلغها أنه أنجزه! واتفق أن نهض حماد، فقلت لمعز الدولة: والله أيها الأمير لقد أقلت اليوم من سوء أدب أراد أن يلفظ به لساني، وأقع فيما لا أؤثره ولا أشتهيه! فقال: وهو؟ فذكرت ذلك له، فضحك وقال: ردوا إلي حمادا، فرد، فقال له: يا حماد حدثني فلان بكذا وكذا ... فقال: أيها الأمير، أما الرجل فأحسن الله جزاءه حيث فعل ما فعل، وأما القبيح فما سمعته إلا منك، ولاواجهني به غيرك! وضحكا، وخلصت أنا من حماد.
حدثني منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قال: كتب القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي رقعة إلى كمال الدولة أبي الفضل بن فسانجس بشيء فعله أبو الحسن بن عبد الرحيم النائب عن كمال الملك أبي المعالي بن عبد الرحيم أخيهن في معنى ضرب دنانير ناقصة العيار ومطالبة الناس بأخذها بدنانير الجياد، فعلة من أفعاله القباح التي كان بها معروفا وعلى أمثالها معتمدا في متصرفاته ونيابته عن أخيه، وليس قصدنا ذكر ذلك فنخرج به عما قصدناه، وإن كانت أخباره القبيحة كثيرة وظاهرة، البيانيغني عن ذكرها وسطرها، فشكاه التنوخي فيما فعله وارتكبه واستحسنه ونفث مما في صدره منه ثقة بكمال الدولة ولأنس كان بينهما، وكمال الدولة عدو بني عبد الرحيم، وأعطى الرقعة لغلام كان له أعور يدعى بأحمد، وقال له: احمل هذه الرقعة إلى كمال الدولة، فوقع في أذنه:"احمل هذه الرقعة إلى كمال الملك، فأخذها وحملها إليها، ودخل بها عليه" فحين وقف عليها علم أنها من غلطات التنوخي وحماقته وهفواته وزلاته، وكان بذلك معروفا، وقد صار منه مألوفا، فقال له: يا أحمد قد غلطت! هذه إلى كمال الدولة أبي الفضل بن فسانجس، فاحملها إليه؛ فأخذها أحمد وحملها إلى ابن فسانجس، وأخذ جوابها إلى القاضي، فلما سلمه إليه قال له: أنت أبدا لاتفهمني ما تقوله لي! قال: كيف؟ قال: قلت لي احمل الرقعة إلى كمال الملك، فلما قرأها قال لي هذه إلى كمال الدولة، فرجعت بها إليه! قال له: أو قد حملت اللاقعة إلى كمال الملك؟ قال: نعم، فلطم على رأسه ووجهه وقال: ويه ثم ويه ثم ويه! ووثب إليه فأخذ عمامته وهرب منه، فخرطها حتى لم يبق منها مصرة درهم صحيحا ...
قال أبو منصور: وجاءني لا يعقل أمره، وحدثني ذاك، فقلت له: يا قاضي! أنت سيدي ووالدي، وأنا عبدك وولدك، والله إنك فضولي، ما عليك من بني عبد الرحيم وفعلهم، وهم أولياء نعمتك ومحبوك، وأنت وليهم ومنتم إليهم ومحب لهم، وبحيث لو قيل لك: أيما أحب إليك أن تموت أنت قبل بني عبد الرحيم أو هم قبلك لاخترت سبقهم وبقاءهم بعدك، لأنهم يراعونك ويفعلون معك مالا تفعلونه مع غيرك! وقد وسموك بدار الضرب، وما تخل من ثلاثين دينارا في الشهر، وما هم إلى غيرك بالإطلاق فعل يقارب هذا الفعل، ثم أي تعلق لابن فسانجس في هذه الأمور وهو رجل قاعد في بيته، لايحلي ولايمر، ولايقضي ولا يمضي، حبابه السلامة منهم وأن يمكنه المقام في بيته معهم حتى تكاتبه بأخبارهم وأفعالهم! ثم إنك عدوه ومضمر بغضه، وأنت تصوم كل يوم ثلاثاء لما قبض عليه في يوم الثلاثاء، سرورا بمساءته وفرحا بمضرته، ولما أسلف إليك من القبح الذي يطول به الشرح!! فقال: اعلم أن بطن الأرض أحسن إليَّ من ظهرها وأصلح، فم بنا إلى المرتضى أبي القاسم نقيب النقباء؛ فقمنا وجئناه بالحديث، فقال له مثل قولي، وقال له التنوخيُّ: الشيخ أبو منصور من لا قوم وإليهم، وأسألك أن تكلفه أن يمضي إلى كمال الملك ويفاتشه في ذلك ويسأله الإقالة من هذه العثرة والإغضاء عنها وعن هذه الزلَّة! فقال له: كمال الملك يعرفك ويفهم فعلك وأنه عن غير نية قبيحة فاسدة، بل عن هفوة منك وأشياء متصلة زائدة، وهو أقل من أن يجري في ذاك قولاً أو يحدث عليه فعلاً! فقال: ما تسكن نفسي ولا يراجعني أنسي إلاَّ بعد أن أعلم من هاذ الأمر زوال ما أحذر! فالتفت المرتضى إليَّ وقال: هو ذا تسمع، وأنت أولى من انتهى إلى إرادته وتطِّف لمصلحته! فقلت: السمع والطاعة، وقمت وعبرت إلى باب المراتب، ودخلتُ على كمال الملك عصراً، فقال لي: أريد أ، آكل خبزاً، وما اتفق لي من يأكل معي، فقم بنا .. فدخلنا إلى موضع المائدة، وأكلنا، وجاءوه بما يشرب، وبدأته لما ظهرت نشوته وطابت نفسه فحدثته بحديث القاضي، فضحك وقال: قد والله ابتلي بنفسه وحمقه وخفته! ثم قال: قل له لا يقل في هذا شيئاً فيسمع أبو الحسن أخي، وليس ذاك بمأمون على المقابلة، وصدق، قال فإنه كان محسن بيت بني عبد الرحيم، يعني بذاك المحسن بن الفرات الذي كان سبباً في هلاك أبيه وأهله وذويه، قال: فرجعت إلى التنوخي بذاك فطابت نفسه، وأمسك.
حدثني أبو القاسم بن البسري البندار، وكان محدثاً عالي الإسناد، قال: أنشدني أبو القاسم بن بابك الشاعر لنفسه في التنوخي:
إذا التنوخيُّ انتشىوغاص ثم انتعشا
أخفى عليه إنْ مَشَيتُ وهو يخفى إن مشى
فلا أراه قِلَّةًولا يراني عمشا
وذاك أن عينه كانت غير صحيحة، لا تهدأ جفونه من الانخفاض والارتفاع والغمض والانفتاح، وفيه يقول البصروي في قصيدة:
وفي انض الأعمالِ قاضٍليسَ بأعمى ولا بصيرٍ
يقضمُ ما يجتبى إليهِقضمَ البراذيِن للشَّعيرِ
بعني بذاك نظره في أمر العيار ودار الضرب.
وحدثني غيره قال: جاء إلى التنوخي رجل على الطريق، وهو راكب حماره، فأعطاه رقعة وبعد مسرعاً عنه، ففتحها فإذا فيها:
إنَّ التنوخيَّ به أُبنَةٌكأنَّه يسجدُ للفيشِ
له غلامانِ ينيكانهِبعلةِ التزويح في الخيشِ
فلما قرأها قال لغلمانه: ردوا ذاك زوج القحبة الذي أعطاني الرقعة، فعدوا وراءه وردوه، فقال: هذه الرقعة منك؟ قال: لا، أعطانيها بعض الناس وأمرني أن أوصلها إليك، قال: قل له يا كشخان يا قرنان يا زوج ألف قبحة، هات زوجتك وبنتك وأمك وأختك إلى داري، واحضر معهم، وانظر ما يكون مني إليهم، واحكم ذلك الوقت عليَّ بما قد حكمت به في رقعتك أو بضده، قفاه قفاه! فصفعوه وافترقا.
حدثني أبو سعد بن سعدان العطار قال: كان في جوارنا بدرب عبدة من نهر الدجاج فقيه يعرف بالكشفلي من الشافعيين، وتقدم التقدم الشديد حتى جعل في رتبة أبي حامد الأسفراييني، وقعد بعد موته مقعده وسد مسده، واتفق أن حملت إليه عمامة عريضة قصيرة من خراسان، فقلت: أيها الشيخ اقطعها وألفقها ليمكنك التعمم بها، فلما كان من غد رأيتها على رأسه أقبح منظر؛ وتأملتها وإذا به قد قطعها عرضاً ولفقها فصار عرضها أربعة عشر شبراً، وطولها نصف ما كان، فعجب منه ولم أراجعه.
عرض على الوزير ذي السعادات أبي الفرج محمد بن جعفر ابن فسانجس بالبصرة في سني نيف وثلاثين وأربعمائة، بعض التجار المسافرين ثلاث شقاق دبيقية مذهبة رفيعة، فبقيت مدة في خزانته، وحضر صاحبها في يوم كان ذو السعادات فيه متنمراً من شيء اتفق عليه، وطالب بها، فتقدم بإخرجها إلى حضرته، فجيء بها، ففتح الدواة، وكتب على واحدة بخط غليظ: "هذه لا تصلح"وعلى أخرى: "هذه غير مرضية" وعلى الأخرى: "هذه غالية" وقال: ادفعوها إليه، فأخذها الرجل وقد هلكت عليه! وكانت له في مثل ذلك نظائر، لأن السوداء كانت غالبية عليه وعلى خلقه وطبعه، وكان إذا أخطأ الفرس تحته يتقدم بقطع قضيمه، تأديباً له، فإذا قيل له في ذلك قال: أطعموه ولا تعلموه بأني علمت بذالك!
وحدث الكرماني، كاتب كان لأبي بكر ابن الصيرفي صاحب الجيش، قال: أنفذني أبو بكر صاحبي لأنفق في رجال أبي محمد جعفر بن محمد بن ورقاء، فأنفقت فيهم، واستقضلت أنا وكاتب أبي محمد جعفر والجهبذ والنقيب نحو عشرة آلاف درهم، وقلنا ندخل إلى موضع ونتحاسب ونتقاسم، فدخلنا مسجداً بإزاء دار أبي محمد جعفر، ليس فيه إلا رجل عليل نائم في زي السؤال، فأقللنا الفكر فيه، وغلطنا وأخطأنا في ذلك، وأخذنا نتحاسب ونقول: أخذنا من رزق فلان الساقط بالوفاة كذا، ورزق فلان البديل كذا، ومن الضروب كذا، ومن فضل الوزن كذا، إلى أن جمعنا المبلغ الذي أخذناه، وعينا قسط كل واحد منا، وأقبلنا نزنه لصاحبه ونعطيه إياه، فرفع الرجل الغريب رأسه وقال: يا أصحابنا أخرجوا لي قسماً معكم، فقلنا: ولم؟ قال: قد سمعت ما كنتم فيه! فقلنا: هذا الرجل ضعيف، فأعطيناه خمسة دراهم، فقال: لا أقنع إلا بقسط مثل واحد منكم، فغاظنا، واستخففنا به، فقال: لا عليكم إن أعطيتموني ما طلبت، وإلا قمت الساعة ومضيت إلى أبي بكر بن الصيرفي وعرفته أنكم أخذتم باسم فلان الساقط بالوفاة كذا، وباسم فلان البديل كذا، ومن جهة كذا وكذا، ومن جهة كذا وكذا .. ولم يزل يذكر ما كنا فيه تجارينا إلى أن أتى على جميع الوجوه ومبلغ المال المسروق، حتى لم يخرم شيئاً منه، وقال: فأقل ما يعاملكم به إذا لم يصرفكم أن يرتجع المال منكم! ففكرنا في قوله، وعلمنا صحته، فرمنا منه الاقتصار على بعض ما طلب، فلم يفعل، ودخلنا تحت حكمه، وأعطيناه سهماً كأحدنا، وقمنا واجمين من غلطنا وسهونا فيما سامحنا به نفوسنا في فعلنا ما فعلناه.
وحضر يوماً أبو عباد ثابت بن يحيى وزير المأمون بحضرة المأمون، فعرض عليه ما أراد عرضه عليه، وخاطبه على ما أراد خطابه فيه، ثم انصرف، فأمر المأمون برده، فرد، وخاطبه في شيء، وانصرف حتى إذا بعد تقدم برده، فرجع، وقد تغيظ وتنمر، وأمره بأمر وانصرف، فلما بعد تقدم برده، فقال للرسول: وأخذ الدواة من الدواتي بيده الساعة والله يابن الفاعلة أضرب بها رأسك! ألا قلت له: قد مضى إلى النار!! ورجع فقال له المأمون: اعرض غداً فيما تعرض حوائج الهاشميين، فقال: نعم، والآن فاذكر يا أمير المؤمنين كل ما تريده مني، فو الله لا رجعت اليوم إليك بعد هذه الدفعة ولو قمت بنفسك إلي تردني! فضحك المأمون وقال: انصرف راشداً.
كان شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش بن بدران أمير بني عقيل قبض على إبراهيم أخيه لإفساد عليه اتهم به، واعتقله في قلعة له، وأراد المضي إلى السلطان عضد الدولة أبي شجاع الب ارسلان إلى خراسان، فاستدعى مستحفظ القلعة التي فيها إبراهيم أخوه، وقال له: أنا ماض إلى هذا السلطان، ولست أعلم ما يكون مني هناك، فإن أنا هلكت أو قبض علي فأفرج عن إبراهيم أخي ليقوم مقامي في إمارة العشيرة، وإن سلمت فأنت على حالك في الحفظ والحراسة ل، وكان أبو وجابر بن صقرب كاتب مسلم حاضراً، فوضع يده على فخذ مسلم رأسه إلى مستحفظ القلعة وقال له: دع هذا الكرم عنك، لو جاءك رأس الأمير في مخلاة لا تفرج عن إبراهيم حتى تراني! فأطرق الأمير، وخرج المستحفظ ثم عاد من بعد إلى الأمير وقال: ما تقول فيما قاله أبو جابر؟ قال له: هذا رجل أحمق لا تسمع منه ولا تطع له! وقبض بعد أيام على ابن صقلاب وقتله.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع