تجاوز إلى المحتوى

من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)

الهفوات النادرة (٨)

كان ليعقوب بن داود ابن متخلف، فوهب له المهدي جارية، فلما دخل إليه قال له: كيف أمرك مع تلك الجارية؟ قال له: ما وضعت يا أمير المؤمنين بيني وبين الأرض مطية أوطأ منها، حاشا السامع! فقال المهدي لأبيه: من تراه عني؟ مني أو منك؟ فقال له: الأحمق يا أمير المؤمنين تحفظ من كل شيء إلا من نفسه!

وكان ليقطين بن موسى كاتب يكنى بأبي خالد ويسمى بزدانفاذار فذكر الجاحظ في (كتاب البيان والتبيين) أن لكنة بزدانفاذار كانت لكنة نبطية، وأنه أملى يوماً على كاتب به: "والحاصل ألف كر "فلما قرأه أنكر ذلك، وقال له: أنت لا تهسن تكتب وأنا لا أهسن أملي! كتب الآن: الجاصل بجيم معجمة، فكتب.

وقلد المتوكل ابن الكلبي الخبر والبريد، وأحلفه على مطالعته بكل ما يبلغه ويعرفه، فكتب إليه يوماً: "ومما أنهيه إلى حضرة أمير المؤمنين أن زوجتي خرجت مع حبة لها إلى بستان، فعربدت عليها حبتها وجرحتها في صدغها" فقال إبراهيم بن العباس لما قرأ ذلك على المتوكل: هذا تصحيف، وأظنه بالعين وفتح الصاد! فضحك المتوكل وقال: ما هو إلا كما قال إبراهيم.

وحدث أبو العباس ابن عمار قال سقط سنور على قفا داود ابن الجراح فقال: رياش وخير! وحضر داود مجلساً فيه جماعة من الفقهاء، فلم يزل الكلام يجري بينهم إلى أن خاضوا في باب التزويج، فقام من المجلس وقال: نحن لا ندخل في باب الفروج!

وحكى ثابت بن إبراهيم عن الصابىء قال: لما ورد معز الدولة أبو الحسين بن بويه إلى بغداد، ومعه أبو جعفر محمد بن يعلى الصيمري فصدته مع جماعة من الناس، فدخلنا داراً قوراء، في جانب صحنها حصيران في صدرهما حصير مبطن عليه ثلاث مخاد، وجلسنا ننتظر إذنه، فما راعنا إلا رفع الستر وخروجه من حجرة كان فيها، وعليه منديل لطيف، وقميص نوري قد رفع ذيله على كتفه، وسراويل مسح بتكة ظاهرة، وقيل: الأستاذ الأستاذ! وبذاك كان يدعى، فنهضنا وبادرنا إلى السلام عليه وتقبيل يده، فجلس بين المخاد، فأمر ونهى غير متحاش، وانصرفنا متعجبين من أن شاهدنا ما شاهدنا من وقار علي بن عيسى بن الجراح وتزمته وأنه ما رئي في خلوته فضلاً عن جمعه إلا متعمماً متحنكاً عليه القميصان والمبطنة بينهما والدراعة من فوقهما، وفي رجله الخفان، ورأينا ما رأيناه الآن من الصيمري!

قال محمد بن هلال: وأذكر في سنة تسع وأربعين وأربعمائة وقد دخلت وقاضي القضاء أبو عبد الله الدامغاني إلى العميد أبي نصر أحمد المستوفى، وهو الناظر ببغداد من قبل الملك طغرل بك، وقد سار الملك إلى الموصل وراء الفساسيري والعرب، وعليه قميص رومي خفيف فقط، فدخل إليه الأشقر الطبيب وسأله عن حاله وكيف كان مما يشكوه، فلم يشعر به إلا وقد تمدد على وجهه، وكشف القميص عن جسمه وهو مملوء دماميل وأراه إياها، وما زال يتقلب بين أيدينا على تلك الصفة ليشاهد الأشقر ما في جسمه من ذاك، ثم رجع وقعد؛ فقمت ولم أراجع إليه من بعد .. وحدثت عميد الملك أبا نصر بن محمد الكندري وزير طغرل بك بذاك، فضحك منه، وقال: هؤلاء قول سفل من أوغاد الناس وأصاغرهم، تقدموا معنا، وبلغوا إلى الغاية من جليل خدمتنا، لأن رؤساء البلاد والأكابر لم يرضوا هذه الدولة في اول خروجها واشمأزوا منها، ورفعوا نفوسهم عنها، فهلكوا واندحضوا وبادوا وذهبوا، وتبعها الأوباش والأصاغر والأدوان والأراذل، فارتفعوا وعلوا! ثم قال: وتأمل الملك والشرائع ثم الدول من بعدها تجد أوائلها وأحوالها على هذا!

وحدثني الرئيس أبو الحسين ﵁ قال: حدثني ثابت بن إبراهيم عمنا قال: كنت يوماً عند أبي جعفر الصميري وقد جاءه رسول الأمير معز الدولة يطلب منه فقيراً، فقال: نعم سنطلبه ونحصله، فمضى وعاد وقال: يراد الساعة! فقال: مالي فقراء، أخرأ فقراءّ فوجمنا مما سمعناه.

وحكى التنوخي قال: كان بالبصرة إنسان يعرف بأبي محمد التومني، كثير الأدب والمعرفة، حسن النشوار والمحاضرة، وعادته جارية بالتصدي لخطاب العمال عن أهل البصرة والقيام بحججهم في كل معضلة، فلما ورد الصيمري البصرة طالب الناس مطالبة اعترضه التومني فيها على عادته وقال له في عرض قوله: بلدنا أيها الأستاذ كثير الصلحاء ضعيف الأهل، وما أحمد أحد قط حيفه عليهم وإساءته إليهم، وربما وكلوك إلى الله تعالى ورموك بسهام الليل يعني الدعاء! فقال له الصيمري: سهام الليل في لحيتك يا شيخ! فاستحيا الرجل وانصرف.

وحدث ابن خربان الأهوازي قال: كان في أبواب المال بالأهواز جهبذ يعرف بابن واصل، تمت عليه حيلة في تزوير، وبقي عليه منه باقٍ، وطولب به فأدى بعضه وفلج في باقيه؛ وكان أبو عبيد الله الشيرازي صاحب ديوان الأهواز لمعز الدولة أبي الحسن بن بويه، وله عادة في سجع الكلام دائمة كثيرة جارية في ديوان العيوب والحماقة، لا ديوان الفضل والكتابة، وله فيها أخبار وحكايات غريبة عجيبة، فسئل في أمر ابن واصل وإنظاره فأجاب، ثم صار يقول إذا دعاه: "هاتوا ابن وصل وطالبوه بما عليه من الحاصل! "فيحضر ذلك المسكين ويحبس، ويطالب للسجع المشؤوم، ثم يؤخذ منه شيء قريب، ويسأل فيه فيفرج عنه، ثم يعيد السجع فيعود القبض والحبس! وقال يوماً: يا سيدنا أنا أعرف بابن بهية اسم والدته وأسألك أن تعفيني من الدعاء باسم أبي وتنقل ذكري إلى اسم أمي! فقال: حباً وكرامة، وصار يقول: يحضر ابن بهية ويطال بالبقية! فعاد الرجل فيما كان فيه من جهة الأب، وجرت عليه المطالبة بذلك السجع مرات وكرات! فقال: يا سيدنا أنا أنتقي من والدي وأسألك ألا أدعى باسم واحد معهما!! فضحك منه وأمسك عنه.

وكان لبنجاسب أحد قواد الديلم الأكابر كاتب بعرف بأبي الرعاقل الطحري، فاستدعاه أبو عبيد الله يوماً وطالبه بفاضل القطاع بنجاسب وقال له: "على صاحبك من فضل الاقطاع ما قد كشف في طلب كسره القناع" فقال له: لا تقل مثل هذا فإن صاحبي معرف، وهو ابن عم الأمير، ولا يلبس بحمد الله مقنعة قط، ولا هو مخنث! فقال له: يا جاهل ومن قال إنه يلبس المقنعة؟ فقال: أنت الساعة، وستعلم من هو الجاهل! وقام مبادراً وجاء إلى صاحبه فقال له: يا قائد اقتلني بين يديك ولا أسمع فيك الكلام الرديء القبيحّ! فسأله عن ذلك، فقال: أ، ت بنجاسب بن يعقوب لنا مالح خالص فرابة الأمير يقول أبو عبيد الله فيك في الديوان والناس حضور يسمعون إنك مخنث تلبس المقنعة وقد كشفها عن رأسك بسبب فاضل إقطاع لا يجب علينا! فثار بنجاسب كالمجنون، وكان قد شرب أقداحاً، وأخذ في يده خشتاً، وركب دابة النوبة، وأسرع يطلب أبا عبيد الله لفتك به، ورآه قوم من القواد وعرفوا خبره، فأمسكوه وهو يجاذيهم وقالوا له: هذا لا يحسن بك، ويجب أن تمضي إلى الأمير وتعرفه ما جرى، فإن هو أجابنا إلى ما نريده في هذا الرجل، وإلا كان هذا بيدك لم يفتك منه شيء، وعدلوا به إلى دار الأمير معز الدولة، وصارت فتنة عظيمة، وبين لبنجاسب معنى الكلام بالفارسية، فلم يقبل، ولم يصغ إلى قول أحد إلى قول كاتبه، إلى أ، حضر أبو بكر السيرجاني كاتب الإنشاء، وكان موقراً عندهم، وحدث بالحديث فقال: أن أحل هذه العقدة! ودخل الدهليز فرأى بنجاسب على ما هو عليه من الامتعاض والغيظ، فسأله عن حاله فأعاد عليه ما قاله أبو عبيد الله لكاتبه، وقال: جعلني مخنثاً ألبس المقنعة! ولئن لم ينصفني الأمير منه لأقتله وأعود إلى ديلمان! فقال أبو بكر: أما كاتبك فأحسن الله تعالى جزاءه كيف حمي لصاحبه وامتعض له، إلا أنه ذهب عليه المعنى لأنه كاتب حاسي، ولا يعرف كلام العرب، والقناع في لغتهم السيف، وأبو عبيد الله يتكلم دائماً بما لا يفهمه غيره! ولم يزل يداريه ويحمد الكاتب على فعله حتى قبل منه وقال له: قد صدقت، وكأني ما عرفت هذا، ولا تلزمه معرفته، وكذا يكون الكاتب الناصح، إذا سمع كلمة في صاحبه قلق لها ولا يحتملها! وانصرف بنجاسب إلى داره، فخلع على كاتبه وأعطاه دابة يركبها، وكان من قبل راجلاً!

حدثنا أبو الفتوح منصور بن محمد المقدر الأصفهاني قال: كان بالري شاهد يعرف بأبي محمد الصفار، فشكاه قوم إلى الصاحب أبي القاسم شكوى أكثروا فيها ورفعوا إليه القصص بها، فوقع على أحدها: "إن كان ذاك دأب أبي محمد الصفار فالري ليست به بدار" وبلغ أبا محمد خبر التوقيع فأقل الفكر فيه والانزعاج له وقال: وقال ما أردابي الصاحب بما وقع به ولا اعتقد لي سوءاً فيه، وإنما طلب السجع فكتب بما كتب! وكان الأمر على ذلك.

وحدثنا أبو الفتوح بن المقدر قال: أشيع بالبصرة عند ورود فخر الدولة والصاحب إلى الأهواز بأن الصاحب يرى رأى المعتزلة ويكفر الطوائف المخالفة، إيحاشاً منه وتنفيراً لهم عنه، وبلغه ذاك فقال:

بثُّوا أحاديثَ غيرَ متَّفقهْوفَسَّقُونا وكلُّهُمْ فَسقَهْ
حدِّثْ بمعروفِنا ومُنكرِهمورأينا في مبَرَّةِ العققَهْ
إذا ملكْنا غداً بواصيهمفليثقُوا بالرَّجاءِ كل ثقهْ
إنْ لم نصدِّقْ على مُسيئهمُبالعفوِ منا فملكُنا صدقَهْ

وأنفذ الأبيات مع من طرحها في المسجد الجامع بالبصرة، فتدوولت وأجاب عنها سفهاء الشعراء هنالك.

ووقع يوماً أبو الحسين محمد بن أحمد الرازي المعروف بكوردوير وتفسيره الكاتب الأعور في وزارته لمعز الدولة أبي الحسين بن بويه أول أمره: "احمل أيدك الله يا وكيل الأنقاض في الوقت والساعة خمسين طافالا للذنب إن شاء الله" أراد خمسين جذعاً للجسر، فكتب نصف التوقيع بالعربية ونصفه بالعجمية.

ووقع أيضاً مثل ذلك: "افعل ما رسمته لك وباشت بين إن شاء الله، وقد أعذر من أنذر، السلام" باشت بين: أبصر بين يديك! ووقع أيضاً: "اعمل الذي أمرتك به بجهد وتوان وعزل التقصير إن شاء الله، وتوان قدرتك! "

وحدث أبو الفضل بن المرزبان الشيرازي عن أخيه أبي منصور أنه قرأ رقعة كتبها كوردوير إلى أبي على الطبري، وكان بعسكر مكرم: "واستدعى معز الدولة حضور أبي علي لمهم يخاطبه عليه مولاي الأستاذ أدام الله عزه يعرف الأمر كيف هو والذي ذكره مولانا الأمير أطال الله بقاءه أنه لا يحتمل المكاتبة ولا يجوز تأخيره ويحتاج إلى السرعة، والصواب أن يترك مولاى الأستاذ الدواب على الشط ويبادر هو ويمشي على الزبزب في السرعة الخفيف ولا يفكر في الدواب، فقد أقمت له ما يحتج إليه منهم في حان الطواف، إن شاء الله تعالى".

ووقع أبو القاسم العلاء بن الحسن أحد وزراء صمصام الدولة بن عضد الدولة في رقعة عرضها عليه ابن ثعلبة أحد كتاب الديلم بالأهواز، وكان يكثر عليه في طلب المحال وما لا يجوز ولا يسوغ: "قاق قاق قاق! " ولأبي الفضل بن حيدرة فيه:

إذا ما العَلاءُ علا دستَهُيُوقَّعُ في القصصِ الوارِدَهْ
فقُلْ للزَّمانِ بلا حشمةٍخريتَ على الناسِ بالواحدهْ!

وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي ﵀ قال: كان أبو الطيب بن لافرخان ابن شيران أحد وزراء صمصام الدولة أبي كاليجار المرزبان ابن عضد الدولة أبي شجاع بن بويه يكشف رأسه، ويضع عمامته على مخاد دسته، ويحمى في المناظرة والمخاطبة، ويزحف إلى أن يخرج من الدست، ويطاف به فيحال بينه وبين دسته وعمامته، فسرقت يوماً، فسأل عنها فلم توجد، وجيء له يغيرها.

وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي ﵁ قال: حدثني أبو طالب العلاء بن محمد سبط أبي الحسن علي بن محمد المعروف بالأشقر قال: كان أبو علي الحسن بن بندار من أهل كازرون وزربشيراز، فوقع يوماً: "بس الله الرحمن: الصبر في نفس السلطان الأعظم أطال الله بقاءه كالماء في القدح العدل كلما زاد على الحد ذهب منه الكل"فلما وصل ذلك إلى عبد الواحد بن مسعود أحد الرعاة المنغلبين بأطراف فيروزاباد، وكان إليه، قال: لو فهمت ما كتبته لأجبت عنه! قال: وقال يوماً لأبي القاسم البلخي: أيها الأستاذ ماء القسمة أصلح للشجر أم ماء الوكيلّ فقلت الماء أيها الوزير واحد وإنما قسم قسمين فقسم لوكيل السلطان وقسم للتناء سمي القسمة، وسمي ذاك ماء الوكيل!

وحدثني والدي ﵁ قال: حدثني أبو عبد الله بن المرزبان ابن أخي أبي منصور الشيرازي قال: لعب أبو غسان عبد الله بن أحمد الشيرازي مع أبي سعيد بن ميدان الشيرازي أحد عمال عضد الدولة أبي شجاع بن بويه، ومتقدمهم بالشطرنج، فقال أبو غسان وقد اتجهت له ضربة: شاهك وسر كلاهك وأطيل حزنك فأهلك فرمى بالشطرنج ونهض وقال: هذا لمن يقول وقد بلغنا إلى النساء فضحك أبو غسان منه وضحكنا وشتمنا وانصرف.

وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو القاسم أبي قال حدثني أبي عن الحسين بن السميدع الأنطاكي قال كان عندنا بأنطاكية عامل من قبل أمير حلب، وكان له كاتب أحمق، فغرق في البحر شلنديان من مراكب المسلمين التي يقصدون فيها الروم، فكتب الكاتب عن صاحبه إلى الأمير بحلب: "بسم الله الرحمن الرحيم: أعلم الأمير أعزه الله أن شلنديين، أعني مركبين صفقا أي غرقا من خب البحر، أي من شدة موجه، فهلك من فيهما، أي تلفوا" فأجابه صاحب حلب: "ورد كتابك، أي وصل، وفهمناه أي قرأناه، فأدب كاتبك أي اصفعه، واستبدل به أي اصرفه، فإنه مائق أي أحمق، والسلام أي قد انقضى الكتاب".

كان أبو سعيد بن ميدان ينشد دائماً:

متى كنَّ لي إنَّ السّوادَ خضابُفيخفى بتبييضِ القرونِ شبابُ

وقيل له: إنه منى، فلم يقبل.

وكان أبو طاهر الطرسوسي قد خدم العمدة أبا محمد بن مكرم على المطبخ، فقال له العمدة يوماً: هذا الخبز الذي يقدم على الطبق رديء فأحضر الخباز واصفعه على حمل مثله إليك، فقال: السمع والطاعة، وكان الخباز والد أبي طاهر، وهو له عاق وبه مشاق، فأحضره وتقدم به فصفع عشرين صفعة.

ومن حكايات هذا الخباز مع ابنه: أن ابنه انتهى إلى أن رد إليه في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة عرض العسكر، وخلع عليه، فكان يجتاز في كل يوم بين السورين إلى دار الوزارة راكباً، وبين يديه الغلمان، فيقوم أبوه وهو خباز في دكان هناك. ويدعو له ويقول: زينك الله في عين السلطان، تلهياً به وإذكاراً له بنفسه.

وقع بين القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي وبين أبي طاهر الطرطوسي كلام ومشاجرة، فقال له القاضي في دار الوزارة: يقي الله السفل آباءهم.

وسمعته ينشد دائماً:

وأنتَ تهذي بجملٍ مذنُ أزمانِ

فقلت له: يا هذا: منذ أزمان فقال: ما حفظته إلا كما أنشدته ولا أرجع عنه! فكنا نضحك منه ونتعجب منه! وكان معطلاً ذهرياً لا يصلي ولا يصوم، فقلت له يوماً: يا هذا أما تصلي تجملاً ورياءً إن لم يكن نية واعتقاداً! ما نصبر على مشاهدة هذا منك ولا نرضى به! فقال: نعم وصلى قاعداً متوجهاً إلى غير القبلة فقلت له: يا هذا ما توضأت قال: أن على وضوء، قلت: فما الصلاة إلى هذا الصوب فقال: قال الله تعالى (فأينما تولّوا فثَمَّ وَجهُ الله) فقلت له: إن لم تصل فأنت عارف بتأويل القرآن وقمت إليه فوجهته إلى القبلة مكرهاً.

ودخلت إليه وهو يجود نفسه فقلت له: تب يا هذا ما كنت تعتقد! فقال: اسكت عني ودعني. وأدار وجهه إلى الحائط، فنهضت عنه، لعنه الله.

وحدثني أبي قال: كان من كتاب الإنشاء في أيام عضد الدولة وبعدها في أيام صمصام الدولة ابنه كاتب يعرف بأبي الحسين القمي، قال: فشاهدته في ديوان الإنشاء يكتب بين يدي جدي أبي إسحق أبو الفتح عثمان بن جني النحوي في الديوان، وجلس يتحدث مع جدي تارة، ومعي إذا اشتغل جدي أخرى، وكانت له عادة في حديثه بأن يلوز شفتيه ويشير بيده، فبقي أبو الحسين القمي شاخصاً ببصره، ويتعجب منه، فقال له أبو الفتح: ما بك يا أبا الحسين تحدق إلي النظر وتكثر مني العجب؟ فقال: ما هو؟ قال: شبهت مولاي الشيخ وهو يتحدث غليه ويقول ببوزه كذا وبيده كذا، بقرد رأيته اليوم عند صعودي إلى دار المملكة على شاطئ دجلة، فعل مثلما فعل مولاي الشيخ فامتعض أبو الفتح وقال له: ما هذا القول يا أبا الحسين أعزك الله، ومتى رأيتني أمزح فتمزح معي أو أمجن فتمجن بي، فلما رآه أبو الحسين قد حرد واشتط وغضب قال له: المعذرة إلى الله تعالى وإلى مولاي الشيخ، وقد صانه الله تعالى عن أن أشبهه بالقرد، وإنما شبهت القرد به، فضحك أبو الفتح وقال: ما أحسن ما اعتذرت، وعلم أبو الفتح أنها نادرة تشيع وكان يتحدث هو بها دائماً.

وأخبرنا قال: اجتاز أبو الفتح يوماً وأبو الحسين في الديوان وبين يديه كانون فيه نار، واليوم شديد البرد، فقال له أبو الحسين: تعال أيها الشيخ إلى النير فقال له أبو الفتح وضحك: أعوذ بالله، والنير هو صماد البقر.

وحدثنا قال: كان في الديوان أيضاً كاتب يعرف بأبي نصر ابن مسعود، فلقي يوماً أبا الحسن ابن البواب علي بن هلال ذا الخط المليح في بعض الممرات، فسلّم عليه وقبل يده، فقال له أبو الحسن الله الله يا سيدي ما أنا وهذا فقال له أبو نصر: لو قبلت الأرض بين يديك لكان قليلاً، قال له: ولم ذاك يا سيدي وما الذي أوجبه واقتضاه؟ قال له: لأنك قد تفردت بأشيا ما في البغداديين كلهم من تفرد بها غيرك: الخط الحسن وإنني لم أر في عمري كاتباً من طرف عمامته إلى طرف لحيته ذراعان ونصف غيرك، فضحك أبو الحسن منه وجزاه خيراً، وقال له: أسألك أن تكتم هذه الفضيلة علي ولا تكرمني لأجلها، ولا تبح بها عني فقال: ولم تكتم فضائلك ومناقبك؟ فقال له: أنا أسألك هذا فبعد جهد ما أمسك.

وقال: كان أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدان الأهوازي يكتب لأرسلان الجامدار، فأراد يوماً أن يكتب إلى صاحبه كتاباً، فتقدم إلى أبي منصور علي بن إسحق كاتبه بأن يعمل نسخة له، فعملها وأنفذها إليه، فوقع على رأسها "حرحرها" أراد حررها فقال فيه أبو ذر القصري:

استأذنَ الكاتبُ في نسخةٍقد عملتْ كيف يقرّرها
فوقّعَ الصاحبُ في رأسهااستخر الله وحرحرها

وكان الهنكري المغني يغني له، ومن أصواته عليه:

تجاسرتُ وكاشفتكَ لما غلبَ الصّبرُ
وقد يحسنُ في مثلكَ أن ينكشفَ السّترُ

فأراد يوماً أن يقترحه عليه، فقال له بالله غنِّ ذاك: "يا مهتوك الستر" فقال له الهنكري: عافاك الله ما أفهم ما تقول.

وكان له صوت على جارية لابن السيلحاني، وهو:

لكِ الخيرُ هل من مصدرٍ تصدرينهمريحٍ كما هيّجت لي سبلَ الوردِ

فقال لها يوماً: غني لي يا ستي ذاك: "صوت هيجانك" فغضبت ونهضت، فصاح بها مولاها وردها.

وقال: كان علي بن خلف النيرماني ينشد دائماً:

فعيناك عيناها وجيدك جيدهاولكنَّ أخلاقَ الرجالِ تضيقُ

فقال له أحد الكتاب يوماً: يا سيدي تعرف قول الشاعر:

لعمركَ ما ضاقت بلادٌ بأهلها

فقال: نعم قال: فما تمامه؟ قال:

ولكنَّ عظمَ السّاقِ منكِ دقيقُ

فقال له صدقت. هذه رواية يعقوب في إصلاح المنطق قال: نعم أخذنا ذلك عن الشيوخ الكبار

وأنشد عبد الله بن فضلويه عامل قزوين في مجلس العمل:

يومُ القيامةِ داءٌ لا دواءَ لهإلاّ الطّلاءُ وإلاّ الطّيبُ والطّربُ

فقال له أحد من كان بين يديه: إنما هو أعزك الله: يوم الحجامة فقال له: أتيت بنادرة باردة، الحجامة والقيامة واحد!

وحدث فضل الزبيدي قال: كان محمد بن نصر بن بسام الكاتب أسرى الناس منزلاً وآلة وطعاماً وعبيدا، وكان قليل الأدب، وكنت أختلف إلى ولده عبد الله بن إسحق بن إبراهيم، ليقرأوا علي الأشعار، وكان عبد الله أيضاً سرياً جاهلاً، فدخلت يوماً والستارة مضروبة وهما يشربان، وأولادهما بين أيديهما وقد تأدبوا وفهموا وظرفوا وعرفوا، فغنى قول جرير:

ألا حيِّ الديارَ بسعدَ إنيأحبُّ لحبِّ فاطمة الديارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»

فقال عبد الله بن إسحق لمحمد بن نصر: ولا جهل العرب ما كان معنى ذكر السعد ها هنا، فقال له محمد: لا تفعل يا أخي فإنه يقوي معدهم ويصلح أسنانهم? قال اليزيدي: فقال لي علي بن محمد بن بسام: يا أستاذ بالله اصفعهما وابدأ بأبي.

وكان أبو العباس سهل بن بشر ممن ارتفعت في الدولة الديلمية رتبته، وعلمت درجته ومنزلته، وضمن واسط والأهواز، على حماقة متمكنة ورقاعة متبينة، وكان دأبه تغليظ الكتاب والرد عليهم وتغيير كتبهم التي ينشؤنها عنه وعكس حسباناتهم التي يرفعونها إليه ويعرضونها عليه بالمحال والفاسد المستحيل الباطل، ولقد قال يوماً لأحدهم: ويلك لم يجب أن تفصل في هذا الموضع هذا التفصيل الواسع! كان يجب أن يكون بقدر ما تسلكه نملة وقد جعلته بحيث تسلكه حية، أيش حية بل شاة، أيش شاة بل دابة، أيش دابة بل جمل، أيش جمل بل فيل، أيش فيل بل كركدن! ثم خرق الكتاب ورمى به.

وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال: رأيته عدة دفعات لا أحصيها كثرة، يجلس في مجلس العمل، فإذا كثر عليه الشغل وضاق به صدره وغلبت عليه سوداؤه تركه مفكراً، ثم أخذ الدرج الذي بين يديه وخرق منه وفلته وتخلل به وأخرج من فيه وشمه ثم رمى به حيث وقع من حجور الناس أو وجوههم أو لحاهم أو عمائمهم، فاتفق في بعض الأيام أن وقع من ذلك واحدة في لحية أحمد بن عمر الطالقاني الكاتب، فصوت من فيه كصوت البوق، فتنبه سهل بن بشر من غفلته وقال: ما هذا! وشتمه أفحش شتم، وسبه أقبح سب، فقال له: نصب سيدنا الأستاذ في لحيتي هذا المطرد فظننت أنه يريد الخروج إلى بعض الأسفار، فضربت بالبوق ليعلم ذاك فيصحبه من يريد أن يصحبه ويسير معه فضحك منه الحاضرون.

وقال القاضي: كان سهل حديداً سفيها شتاماً للغلمان، ولم يكن يصبر على خدمته أحد، وشتم يوماً بعض الفراشين، فتداخلت الفراش حمية الإسلام ودخل بقربته إلى حجرة خالية بعيدة عن الدار الكبيرة التي فيها الغلمان ليرش خيشاً فيها، وقام سهل وراءه يتبعه ويشتمه، ورأى الفراش خلو الموضع من غيرهما، فصفعه بالقربة إلى قطعها على قفاه جميعاً، ووقع سهل مغشياً عليه، فداس بطنه ولكم جنوبه، فلما شفى نفسه منه تركه يتخبط وخرج فأخذ ما كان له في خزانة الفراشين وانصرف، وبعد ساعة ما ظهر على سهل وعرف ما جرى عليه، وطلب الفراش بأصحاب الشرط والمراكز والجوازات فلم يوقف له على خبر.

وشتم يوماً فراشاً آخر فرد عليه، فنهض إليه، وعدا من بين يديه فقال له بحق محمد نبيك قف لي حتى ألحقك! فقال له: بحق عيسى ربك ارجع عني واتركني! وما زالا يعدوان حوالي البستان، وعثرا الفراش فوقعت عمامته فأخذه سهل ومازال يعضها ويخرقها ويقول: اشتفيت والله ثم رجع فجلس في مكانه.

قال القاضي واجتمع النصارى بجنديسابور إلى مطرانهم وشكوا ما يجري من سهل عليهم من السب والشتم والقذف والصفع، وأنهم لا يأمنون نفرة من المسلمين عليهم لأجله، وفتكة منهم بهم بسببه، فقال لهم أن أكفيكم ذاك في يوم الأحد عند حضوره في البيعة، وفعل المطران ذاك، واستقصى الخطاب له فيه، فقال له: أنت يا أبونا أحمق، إنما أخاطب الناس بما أخاطبهم به عن القائد لا عني، فإن لساني مستعار عنه، ومستأجر لهذا وغيره! فلعنه المطران، وانصرف سهل، وأراد أن يشتم رجلاً فقال له: اسمع يا هذا قد وعظني المطران، وأنا رجل مستأجر مع هذا القائد، ولابد لي من أن أمتثل أمره وأؤدي عنه ما يقوله. وقد قال لك: يا زوج كذا وابن كذا ويا أخو كذا! وشتمه وسبه لم فعلت كذا وذكر له ما أراد موافقته عليه وبقي يقول ذلك مدة، ثم قال: هذا طويل، حر أم المطران، ورجع إلى ما كان عليه أولاً.

وقال القاضي كنت عنده يوماً ونحن خاليان، فجاء الدواتي بكتاب فقرأه وطواه، وكتب عليه: "لأبي فلان فلان بن فلان من .. " ووقف ثم قال لي: ممن؟ فقلت: إما منك أو من الأمير! فقال: صدقت صدقت! وكتب.

قال القاضي: وحدثني عبيد الله بن محمد الصرومي الشاعر، وكان منقطعاً إلى سهل فقال: رأيته يوماً وقد سقط غراب على حائط صحن داره، فنعب فتطير من صياحه، وأمر بصفع البواب لما مكن الغراب من دخول الدار.

كان خالد بن صفوان يدخل على بلال بن أبي بردة يحدثه فيلحن، فلما كثر ذاك على بلال قال له: يا خالد حدثني أحاديث الخلفاء فتخلط وتلحن لحن السقاءان فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب. وكف بصره فكان إذا مر به موكب بلال يقول: ما هذا؟ فيقال: الأمير، فيقول خالد: سحابةُ صيفٍ عن قليلٍ تقشّعُ.

فقيل ذلك لبلال فقال له: لا تتقشع والله حتى تصيبك منها بشؤبوب! وأمر به فضرب مائتي سوط.

وكان خالد كثير الهفوات، لا يتأمل ما يقول، ولا يفكر فيما يبديه لسانه، وإنما هو قائل ما خطر بباله، ومن ذاك أن سليمان بن علي سأله عن ابنيه جعفر ومحمد فقال: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال مسرعاً عجلاً:

أبو منذر جارٌ لها وابنُ برثنٍفيا لكِ جارى ذلةٍ وصغارِ

فأعرض سليمان عنه، وكان حليماً كريماً.

وكان الحسن يقول: لسان العاقل من وراء قلبه، إذا عرض له القول نظر فيه، فإن كان له قال، وإن كان عليه أمسك، ولسان الأحمق أمام قلبه، فإذا عرض له القول قاله، له أم عليه.

وحدث القاضي أبو علي قال: حدثنا أبو علي محمد بن الحسن بن جمهور البصري الكاتب قال: كنت أكتب لأبي الفضل بن علان بن إسماعيل، وهو عامل أرجان، ولحقته حمى ربعاً، فقيل له يوماً: قد ورد أبو المنذر النعمان بن عبد الله متوجهاً إلى أرجان، ومتقلداً لها، وهو قريب منك، فخرج في غد نستقبله ونقضي حقه! فقال: كيف أعمل وغداً نوبة الحمى، ولا أتمكن فيه من الحركة، وفكر ساعة ثم قال: الرأي أن أحم اليوم وأركب غداً، هات يا غلام الدواج فأحضره وقام وألقاه عليه، وأخذ يترعد ويتحمم بجهله وتخلفه.

قال الرئيس أبو الحسين والدي ﵁: حدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: قال لي المطيع لله، وقد كتبت له، وأنا أماشيه وأحادثه، عرفت خبري مع إسماعيل؟ يعني أبا علي بن الحبان صاحبه، قلت لا يا مولانا قال: قال لي منذ أيام في عرض حديث: عرفت ما يقول هؤلاء الروافض ويبتدعون فيه وقتاً بعد وقت؟ قلت: مثل ماذا؟ قال يقولون إنه لا يقطع الصلاة إلا كلب أو هاشمي! فضحكت تعجباً من حمقه وجهله، وقلت بلغتني هذه الحكاية على خلاف ما حكيتها، قال: كيف؟ قلت: لا يقطع الصلاة إلا كلب وابن حبان!

وحدثني الرئيس أبو الحسين ﵁ أيضاً قال: خرج قوم من الديلم إلى إقطاعهم في أيام معز الدولة فظفروا في طريقهم باللص المعروف بالفراتي في بستان، فأخذوه وحملوه إلى الوزير أبي محمد المهلبي، فتقدم بإحضار أبي الحسين أحمد بن محمد القزويني كاتب بكج الأحمر مملوك معز الدولة، وقد رد إليه النظر في الشرطة ببغداد، فلما حضر قال له المهلبي: هذا الفراتي اللص العيار الذي عجزتم عن أخذه وكف أذاه عن الناس، إذ قد أسعر بغداد بالكبسات والعملات وقتل النفوس ونهب الأموال، فخذه واكتب خطك بتسليمه، فقال: السمع والطاعة لما يأمر الوزير، لكنه يقول: ثلاثة وهذا واحد! وكان المهلبي أحضر العيار بين يديه ليسلمه إليه فكتب أكتب خطي بتسليمي ثلاثة؟ فقال له: من قال لك اكتب بثلاثة؟ فقال الفراتي اللص العيار ثلاثة وهذا واحد، فقال له: يا هذا هذا العدد وصف لهذا الواحد، فاكتب وأمسك واستر هذا العقل عليك وعلى مستكتبك، ودفع إليه دواة فكتب: "يقول أحمد بن محمد القزويني كاتب بكج الأحمر فتى معز الدولة: تسلمت من حضرة سيدنا الوزير أطال الله بقاءه ما أحمل إلى صاحبي اللص العيار الفراتي ثلاث هم واحد رجل" وكتب بخطه في التاريخ! فضحك الوزير وقال لأبي الفرج بن داذيشوع النصراني كاتب الفتك: قد صحح القزويني مذهبكم في تسلم هذا اللص! فقال نعم يا سيدنا وصحح تخلفه أيضاً.

وحدثني أيضاً قال: حدث الحسين بن الحراوي المهلبي قال: كان أبو سعيد بن بندار الرازي المجوسي من كبار كتاب الديلم المشهور تخلفهم، السابقة فيه أخبارهم، وكان يكتب لعلي بن سامان أحد قواد الديلم، فأراد الوزير أبو محمد أن ينفذ ماهك في بعض الخدم، فقال له وقد أراد الخروج من بين يديه: يا أبا سعيد لا تبرح من الدار حتى أوافقك على شيء أريده منك، فقال السمع والطاعة لأمر سيدنا الوزير ونهض من بين يديه، فقال الوزير: هذا رجل مجنون، وربما طال بي الشغل وضاق صدره فانصرف، فتقدموا إلى البوابين بألا يدعوه يخرج من الدار، وفعل ذلك، وجلس ماهك طويلاً، وأراد دخول الخلاء، فقام بطلب ذلك فرأى الأخلية مقفلة وكان يتقدم المهلبي بذاك ويقول: كانت دار أبي جعفر الصيرمي منتنة الرائحة لأجل خلاء كان فيها لعامة الناس، ووجد ماهك خلاء الخاص غير مقفل وعليه ستر مسبل، فرفع الستر ليدخل، فجاء الفراش الموكل بالموضع ومنعه ودفعه، فقال يا هذا أليس هذا خلاء؟ قال: نعم! قال أريد أن أعمل فيه حاجة فلم تمنعني؟ قال: هذا خلاء الخاص لا يدخله غير الوزير! قال: فبقية الأخلية مقفلة فكيف أعمل وقد جئت أخرج فمنعني البوابون، فأخرأ في ثيابي؟ فقال: لا استأذن في دخول خلاء ليتقدم بذاك ونفتح لك أحد الأخلية، فتقضي حاجتك! واشتد به الأمر فكتب إلى الوزير رقعة قال فيها: "قد احتاج عبد سيدنا الوزير ماهك إلى بعض ما يحتاج إليه الناس ولا يحسن ذكره، والفراش يقول لا تدخل، والبواب يقول لا تخرج، وقد تحير عبده في البين، والأمر في الشدة فإن رأى سيدنا الوزير أن يسمح لعبده بأن يعمل ما يحتاج إليه في خلائه فعل إن شاء الله تعالى" ودفعها إلى بعض الحجاب فأوصلها إلى الوزير ولم يعلم ما أراد بالرقعة، واستعلم الوزير الصورة وعرفها فضحك، ووقع على ظهر الرقعة: "يخرأ أبو سعيد أعزه الله حيث يختار إن شاء الله تعالى! " فأخذ التوقيع وجاء به إلى الفراش وقال: هذا ما طلبت، توقيع سيدنا الوزير، فقال: التوقيعات يقرؤها أبو العلاء بن أبرونا كاتب ديوان الدار، وأنا لا أحسن أكتب ولا أقرأ! فصاح ماهك في الدار هاتي من يعمل لي في الديوان صك الخراء! فضحك فراش آخر وأخذ بيده وحمله إلى بعض الحجر حتى قضى حاجته.

وحدثني أيضاً قال: كان أبو الحسن علي بن الحسين القمي يكتب لأبي منصور راذرويه أحد مماليك معز الدولة، فطولب بفاضل إقطاع خرج على صاحبه، فقال لأبي الفضل العباس بن الحسين الشيرازي الوزير: يا سيدنا الوزير، القائد يطلب في ذاك حبة مهل بضم الميم فقال له الوزير: المهل يعطيه لكاتبه فشكره وتقدم يقبل رجله ويده على ذلك، فقال أبو الفضل لأبي العلاء صاعد بن ثابت النصراني خليفته: هذا الجاهل قد ألزمنا الإنظار بحمقه، فافعله معه وأخره أياماً، فقال: السمع والطاعة.

وحدثني والدي ﵁ قال: حدثني أبو إسحق جدي قال: كنا ليلة بحضرة الوزير أبي محمد المهلبي والقاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن قريعة معنا، ونحن نتذاكر فأنشدت قطعة للعماني الراجز استحسنها كل من حضر، فقال لي القاضي: لمن هذه الأرجوزة يا أبا إسحاق؟ قلت له من طريق العبث به: لأبي العباس دستويه! وكان درستويه هذا جاهلاً متخلفا وفدما ناقصاً، وصاحباً لأبي سهل ديرزشت بن المرزبان العارض، وثقة من ثقاته، يجري مجرى خلفائه. قال أبو إسحق: فتعجب القاضي من قولي وقال: هذا رجل موفور المثابة من الفضل والدراية وقوة البضاعة في الأدب والرواية! قلت: هيهات الأمر على أكثر مما ذكرت وظننت، قال: فيجب أن أقصده وآخذ عنه وأستدعي ديوانه منه فأنتسخه وأقرأه عليه! فقلت: قد قصر القاضي حيث لم يفعل ذلك إلى الآن! قال: لم أعلم فلما كان من الغد بكر القاضي ولبس وتطيلس وصار إلى دار درستويه، ودخل إليه فسلم وجلس، وتعرف أخباره ثم قال: كنا البارحة بحضرة الوزير أطال الله بقاءه وأنشد صديق للشيخ أرجوزة من أراجيزه استحسنها الوزير وجميع من حضر، ولم أعلم أنه من الأدب بهذه المنزلة، فجئته لآخذ عنه ما ينشدنيه من فيه! فلم يعلم درستويه ما يقول، وقال لغلمانه: ادعوا أبا نصر، يعني ابنه، فحضر وكان في الجهل شراً منه، وقال له انظر ما يريد القاضي، فاستعاد منه القول، فلما استتمه لم يفهمه، إلا أنه سمع أرجوزة فقدر أنها خرقة، فقال لأبيه بالفارسية: القاضي يطلب خرقاً يعمل منها قلنسوة! فقال: السمع والطاعة، واستدعى خازنه وأمره بإحضار ما عنده من بقية الثياب، فأحضر رزمة كبيرة فيها نحو مائة خرقة من ديباج وسقلاطون ووشي وغير ذلك من فاخر الثياب فحلها وبسط الخرق بين يدي القاضي وقال له: اختر يا سيدي ما تريد، ففطن القاضي، وأخذ عشر خرق تساوي عشرين ديناراً، ووضعها في كمه ونهض، وقال: أحسن الله جزاء الشيخ وأطال بقاءه ولا أعدمناه! وراح القاضي في ذلك اليوم إلى دار الوزير أبي محمد، فلما اجتمعنا بين يديه على رسمنا قال لي: يا عيار نصبت لي مكيدة فنفعني الله بها! وشرح ما جرى له مع درستويه وأخرج الخرق من كمه فأراناها ثم ردها إلى كمه، وضحك الوزير وفحص برجليه، واستعاده الحديث مرات وضحكت الجماعة.

وحدثني ﵁ أيضاً قال: كان أبو الفرج محمد بن العباس قد جلس للعزاء بأبي الفضل العباس أبيه، وقد ورد الخبر عليه بذاك من فارس، فحضر العزاء أبو العباس درستويه، وقال حين جلس: رحم الله الأستاذ أبا الفضل فإنه كان تربي ومولاي وأستاذي، ثم أقبل على أبي الفرج فقال: أطال الله بقاء سيدنا، صح الخبر؟ فقال: قد وردت الكتب والأخبار به ولم يبق شك فيه! فقال له: دعني من هذا، ورد كتابه ﵁ بخطه بصحة الخبر؟ فقال أبو الفرج: لو ورد كتابه بخطه ما جلسنا للعزاء وضحك الناس ونهض جماعة من شدة الضحك، ونهض أبو الفرج وقطع العزاء فلم يجلس من بعد.

وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: رأيت عند القاضي أبي بكر بن قريعة في سنة إحدى وستين وثلثمائة شيخاً يعرف بابن سكران يتوكل له في ضياعه وضماناته ببادوريا فقلت له: من يكون منك ابن سكران الذي كان يتوكل للحسن بن عبد العزيز الهاشمي في ضيعته ويكتب إليه كتباً ظريفة مضحكة؟ فقال أنا هو، وسمناه أن يقرأ علينا شيئاً من ذاك، وكان يقول عنه إنه يحفظ، فامتنع، ولم أزل والقاضي أبو بكر به إلى أن أمل علي كتابين من لفظه على ما بهما من الخطأ والنقصان في الهجاء، فكان أولهما وعنوانه "من الحسن بن عبد العزيز الهاشمي الإمام أبو لمة يريد أبو الأئمة، لأن أولاده كانوا أئمة في الجوامع إلى وكيله وخادمه أبو القاسم بن سكران" ولولا أنه يقول إنه خادمه ما قلنا إنه منهم، ومضمونه:

"بسم الله الرحمن الرحيم: يابن سكران قد أعجبتك نفسك، صبغوني في عينك، أنت تعرفني إذا دحرت فكيف إذا غضبت، ها وها كدت أفعل، كنت إذا أردت أن تعمل شيء تكتب إلي وتستأذني وتشاورني، صرت تأمر وتنهى لنفسك، والله لأقطعن يدك الأخرى ورجليك، ولأضعنك في أضيق الحبوس، أنا مع أمير المؤمنين ابن عمي أعزه الله وقد خرج صلى بنا الجمعة وأنا أكلمه داه داه، أكلمه في أمير المسلمين والدين والهاشميين، وعينه في جوف عيني، وعيني في جوف فمه، لا ينظر إلى غيري، ترى لا أقدر أنتصف منك، والذي يبقى لي ابني أبو بكر وعمر وعثمان هاه من هونا يحردون الروافض عليك وعليهم لعنه الله، يا ماص بظر أمه، إن كنت منهم، وإن لم تكون منهم فلا شيء عليك، وليس أنت كما ذكرت طويتك ما دامت لك هذه العين تدور، وهذه الشعرة تعيش، والذي يعطيني في الآخرة أضعاف ما أعطاني في الدنيا منه أسأل إن شاء الله. الجزير الذي أوصل كتابك قد أطعمته البارحة مما أكلت: خبز وشواء، وكل خير وما رزق الله، فسله حتى يقل لك. البارحة وحياتك يا أبا القاسم ذكرتك وقد شربت ماء بارداً بثلج كثير، فقريت عليك وعوذتك ودعوت لك ولوالدي ولجميع المسلمين، وقلت: ترى ذاك ابن سكران وكيلي الميشوم إيش خبره في هذه الشمس الحارة ونصف النهار! وما أبالي معك بولد ولا تلد ولا أحد، فاحمل إلي الخراج وضح وصنانن الباذنجان وخيار وبطيخ وكل ما في القرية، والحملين الذي طلبتهم منك احملهم إلي في شعبان قبل رمضان، سمان سمان: واحد كبير نطبخه وآخر صغير نشويه، وسمعت أبا القاسم أعزك الله وفهمت أعزك الله يا أبا القاسم، وأطال بقاءك وأكرمك وأتم نعمته عليك، وصلى الله على محمد النبي وآله، وعلى أصحابك، قول آمين".

وعنوان آخر: "من الحسن بن عبد العزيز الهاشمي الإمام في الرصافة، وابنه أبو بكر الإمام في دار الخلافة، وابنه الآخر عمر الإمام بمصر والحرمين، وابنه عثمان يكون الإمام في مدينة المنصور، وابنه علي يكون الإمام في باقي الدنيا إن شاء الله، إلى وكيله ابن سكران" وباطنه: "بسم الله الرحمن الرحيم: تحضر الجبابرة بني دينار والأطروش خاطر وابن كيلوه، لعنهم الله فإنهم كلاب، أحاط الله أكرة برقط حتى ننظر إيش يعملون، فقد والله محمود أردت أن أضرب القريتين بالنار، ولكن الله سلمكم فانظروا كيف تكونون، وقولوا أمر سيدنا وسيدكم أبو علي الحسن بن عبد العزيز الهاشمي ابن عم النبي، صلوات الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، بشرى من هم نحن منهم، وقد تقدم سيدنا أبو علي بإحضاركم، فتكون أعينكم بين أيديكم، والسلام".

وكان أبو الحسن القمي يكتب لروزبهان بن ونداخرشيد على إقطاعه في السواد، وخليفة عنه بحضرة معز الدولة ببغداد، وكان يهوى منداه جارية قهرمانة ابن مقلة، وهي صبية مليحة الوجه طيبة الغناء، وكان من أصواته عليها:

أيا راهبي نجرانَ ما فعلت هندُأقامت على عهدي وأنّي لها عهدُ

فأراد يوماً أن تغنيه له، فقال لها: يا ستي غني في ذاك سوت:

أيا راهبي نجران ما فعلت هنديأقامت بلا عهدٍ وإني بلا عهدِ

فضحكت وقالت له: أعلم أنك سفلة بلا عهد! وقال لها مرة: يا ستي غني ذاك سوت: يا فاتمة بعط ذلول فضحكت وضحك الحاضرون يريد:

أفاطم مهلاً بعض التدلل

وحدثت عنه بين يديه وهو يسمع قالت: غنيت له ليلة:

أمن شميّة دمعُ العين مذروفُلو أنَّ ذا منكَ قبلَ اليومِ معروفُ

وفيه لحن حسن، فأعجبه وأطربه، ولم يزل يتلفنه ويتحفظه إلى أن ظن أنه قد أتقنه، وصبر ساعة وقال لي: يا ستي بالله غني لي ذاك سوت: أمن سميته دموعك عينك ذرذف! فضحكت منه فقال: مالك؟ فأعدت البيت عليه على صحته فقال: يا باردة كله واحد.

قالت: وغنيت له مرة صوتا استحسنه وقال لي: يا ستي اكتبيه لي، فقلت له: يا هذا أنت كاتب أو أنا؟ فقال: أنا ما أحسن أكتبه بلحنه، أريد أن تكتبيه أنت بلحنه كما تحسنينه.

وكان يوماً في دار أبي الحسن الأهوازي فتحدث بحديث يقطين يكون بقم عظيما حتى إن قشر الواحدة إذا فرغ وجفف وسع من الحنطة شيئاً كثيرا. وقال وهو مقبل على أبي الحسن بن محمود البادرائي نديم أبي الحسن الأهوازي وكان طيباً نادرا، فقال له اقطعون رأس أخرجون صوف! فقال له ابن محمود يكون يا سيدي في قرع قم صوف، قال: هاي كيف يكون صوف في قرع، إنما أخرجون قماش بطنك، فقال ابن محمود: كانت حالي مع الصوف أصلح، مر يا سيدي في حديثك، فلك نبيك، وقد علمنا ما أردت، فضحكت الجماعة، فقال: ذا قرع مبارك جاب الضحك والفرح، وضحك معهم.

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الهفوات النادرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.