من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الْجنان الشاطبي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن الجنان الشاطبي (2)؟
مُحَمَّد بن مُحَمَّد كَذَا قرأته على الشَّيْخ أثير الدّين أبي حَيَّان وَأَخْبرنِي الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ وَمن خطه نقلت أَنه مُحَمَّد بن سعيد بن مُحَمَّد بن هِشَام بن الْجنان بتَشْديد النُّون بعد الْجِيم الشَّيْخ فَخر الدّين أَبُو الْوَلِيد الْكِنَانِي الشاطبي الْحَنَفِيّ ولد سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة بشاطب وَقدم الشأم وَصَحب الصاحب كَمَال الدّين ابْن العديم وَولده فاجتذباه بإحسانهما ونقلاه من مَذْهَب مَالك إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة ودرس بالإقبالية وَكَانَ أديباً فَاضلا وشاعراً محسناً وَكَانَ يخالط الأكابر وَفِيه حسن الْعشْرَة والمزاح توفّي سنة خمس وَسبعين وست مائَة أَخْبرنِي الشَّيْخ فتح الدّين ابْن سيد النَّاس قَالَ أَخْبرنِي وَالِدي قَالَ كُنَّا عِنْد القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خلكان وَهُوَ يَنُوب فِي الحكم بِالْقَاهِرَةِ وَالشَّيْخ فَخر الدّين ابْن الْجنان حَاضر وَهُوَ إِلَى جَانِبي فَأَنْشد أبياتاً لَهُ وَهِي الْكَامِل
عرف النسيم بعرفكم يتعرفوأخو الغرام بحبهم يتشرف
شرف المتيم فِي هواهم أَنهطوراً ينوح وَتارَة يتلهف
لطفت مَعَانِيه فَهَب مَعَ الصِّبَافرقيبه بهبوبه لَا يعرف
وَإِذا الرَّقِيب درى بِهِ فَلِأَنَّهُأخْفى لَدَيْهِ من النسيم وألطف
وَلِأَنَّهُ يعدو النسيم دِيَارهمْوَلها على تِلْكَ الربوع توقف
فَقَالَ القَاضِي شمس الدّين يَا شيخ فَخر الدّين لطّفته لطفته إِلَى أَن عَاد لَا شَيْء فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ بِلِسَانِهِ الكاضي حمَار هوّس مالو ذوك شي يَعْنِي القَاضِي حمَار مَاله ذوق وأنشدني لَهُ الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان المجتث
أفناني الْقَبْض عنيحَتَّى تلاشى وجودي
وَجَاءَنِي الْبسط يحيىروحي بِفضل وجودي
فَقلت للنَّفس شكرالذاك بِالنَّفسِ جودي
)
وَقمت أشطح سكرافغبت عَن ذَا الْوُجُود
وَقَالَ ابْن الْجنان الْكَامِل
ذكر العذيب فَمَال من سكر الْهوىصب على صحف الغرام قد انطوى
يبكي على وَادي العقيق بِمثلِهِويميل من طرب بمنعطف اللوى
وجهت وَجْهي نحوهم فوحقهملَا أَبْتَغِي غيراً وَلَا أَرْجُو سوى
وبمهجتي معبود حسن مِنْهُمفَلِذَا على عرش الْقُلُوب قد اسْتَوَى
أوحى إِلَى قلبِي الَّذِي أوحى لَهُفعجبت كَيفَ نطقت فِيهِ عَن الْهوى
وَقَالَ أَيْضا السَّرِيع
عَلَيْك من ذَاك الْحمى يَا رَسُولبشرى عَلَامَات الْهوى وَالْقَبُول
جِئْت وَفِي عطفيك مِنْهُم شذايسكر من خمر هَوَاهُ العذول
يَكْفِيك تَشْرِيفًا رَسُول الرضىإِنَّك للعشاق فيهم رَسُول
حللتم قلبِي وَهُوَ الَّذِييَقُول فِي دين الْهوى بالحلول
وَقَالَ أَيْضا الْكَامِل
وَأَبِيك لم يخْفق حشاي وَإِنَّمَاطَربا لأيام الغرام يصفق
بِاللَّه قُولُوا من أكون لديهمحَتَّى أرى بهواهم أتعشق
نطق الغرام بحالهم لما رأىإِن اللِّسَان بِحَالهِ لَا ينْطق
لَا يدعى فِيهِ الْفُؤَاد خفوقهفوشاح من أَهْوى لعمري أخفق
قَالَ وَفِيه جناس معنوي الْكَامِل
نزلُوا حديقة مقلتي أَو مَا ترىأَغْصَان أهدابي بدمعي تزهر
قلت أَرَادَ يَقُول حديقة حدقتي فَمَا ساعده الْوَزْن فَعدل إِلَى مَا يرادفه وَهُوَ المقلة وَقَالَ أَيْضا وَهُوَ لطيف جدا المتقارب
ودوح بَدَت معجزات لَهُتبين عَلَيْهِ وَتَدْعُو إِلَيْهِ
جرى النَّهر حَتَّى سقى غصنهفَمَال يقبل شكرا يَدَيْهِ
وكف الصِّبَا ضيعت حليهفأضحى الْحمام يُنَادي عَلَيْهِ
كَسَاه الْأَصِيل ثِيَاب الضنىفَحل طَبِيب الدياجي لَدَيْهِ
)
وَجَاء النسيم لَهُ عَائِدًافَقَامَ لَهُ لاثما معطفيه
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع