من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
إبراهيم بن منير
الشيخ الصالح الزاهد العابد البقاعي، المعروف بابن الصياح.
كان من كبار الصُلحاء الأخيار، وممن يتفتت المسك حسداً إذا ذكرت عنه الأخبار، له سيماء الولاية، وعليه طلاوة القُرب والعناية، انعزل عن الناس، ووجد
في الوحشة الإيناس، انجمع فامتدت له المعارف، وانخزل فأجزلت له العوارف، وكان متوحشاً من نوعه، نافراً عن الذي لا يراه في طوعه، يمشي في الجامع كأنه مُريب، وينفر حتى تقول: هذا غريب، لا يأنس بإنسان ولا يتألف بإحسان، من رآه قال: هذا طافح السكرة، لافح الجمرة، سافح العبرة، جامح الخطرة إلى الحضرة، جانح الفكرة إلى الخلاص من العثرة.
ولم يزل على حاله إلى أن دعاه مولاه فأسرع، واخضر له القبر فأمرى وأمرع. وتوفي رحمه الله تعالى في أول ليلة الأربعاء مستهل المحرم، سنة خمس وعشرين وسبع مئة. وحمله الناس على الأعناق والرؤوس والأصابع، ودفن بمقابر باب الصغير، وسبب موته أنه استدفأ بمجمرةٍ فاحترق، ودخل حجاب المنون واخترق، وكان له بيت في المئذنة الشرقية يأوي إليه، وكان كثيراً ما يقول: يا دائم المعروف، يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يحصى عدداً، يا الله.
ورثاه الأديب جمال الدين محمد بن نباتة بقوله:
على مثلها فلتهم أعيُننا العبرىوتطلق في ميدانها الشهبَ والجمرا
فقدنا بني الدنيا فلما تلفتتوجوهُ أمانينا فقدنا بني الأخرى
لفقدك إبراهيم أمست قلوبنامؤججة لا برد في نارها الحرى
وأنت بجنات النعيم مُهنأبما كنت تُبلي في تطلبه العُمرا
عريتَ وجوعتَ الفؤاد فحبذامساكنُ فيها لا تجوعُ ولا تعرى
بكى الجامعُ المعمورُ فقدك بعدمالبثت على رغم الديار به عُمرا
وفارقتهُ بعد التوطن سارياًإلى جنة المأوى فسبحانَ من أسرى
كأن مصابيحَ الظلام بأفقهلفقدك نيرانُ الصبابةِ والذكرى
كانَ المحاريبَ القيام بصدرهلفرقة ذاك الصدرِ قد قوست ظهراً
مضيتَ وخلفت الدّيار وأهلهابمضيعةٍ تشكو الشدائد والوزرا
فمن لسهامِ الليل بعدك إنهامعطلة ليست تراشُ ولا تبرى
ومن لعفافٍ عن ثراءٍ ثنى الورىعبيدَ الأماني وانثنيت به حراً
سيعلم كل من ذوي المال في غدٍإذا نصبَ الميزانُ من يشتكي الفقرا
عليك سلامُ الله من متيقظٍصبورٍ إذا لم يستطع بشرٌ صبرا
ومن ضامر الكشحين يسبق في غدٍإلى غايةٍ من أجلها تُحمد الضمرا
أيعلم ذو التسليك أنّ جفونناعلى شخصهِ النائي قد انتثرت درا
وأن الأسى والحزنَ قد جال جولةًفما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى
ألا ربّ ليل قد حمى فيه من وغىحمى الشام والأجفانُ غافلةٌ تكرى
إذا ضحك السمار حجب ثغرهكذلك يحمي العابدُ الثغر والثغرا
إلى الله قلباً بعده في تغابنٍإلى أن أرى صف القيامة والحشرا
لقد كنتُ ألقاهُ وصدري محرجفيفتحُ لي يسرا ويشرحُ لي صدراً
والثمُ يُمناه وفكري ظامئكأني منها ألثمُ الوابل الغمرا
أمولاي إني كنت أرجوك للدعافلا تنسني في الخلد للدعوة الكبرى
سقى القطرُ أرضاً قد حللت بتربهاوإن كنت أستسقي بتربتك القطرا
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع