من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
إبراهيم بن عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد ابن نصر
القاضي الرئيس، الكاتب البليغ شمس الدين ابن القاضي جمال الدين ابن الصاحب فتح الدين ابن القيسراني المخزومي الخالدي، كانت الإنشاء بالديار المصريّة، كان شكلاً، تاماً في خلقه ساداً لما يسند إليه من الإنشاء من سعة خرقه، العقود، ويباهي به الروضَ المجود، وتزدهي الكواكب بضيائه إذ كانت في منازل السعود إن أنشئ وشى المهارق وأخمل زهر الخمائل والحدائق وحسد العذار الجديدُ سطوره، وتمنى الروضُ اليانع لو حوى منثوره، وودّ الأفق لو استعار من طرسه صبحه، ومن مداده ديجُوره، يُرشفُ السمع كلامُهُ مُداماً، ويتعاطى كؤوس فقراته الندامى، ومن بيت كتابةٍ ووزارة ورياسة قديمة وصدارة.
رافقتُه في ديوان الإنشاء في قلعة الجبل مدة، وحللتُ برؤيته من الهم شدة الشدة، ثم إنه رسم له السلطان الملك الناصر بتوقيع الدّست قبل موته بقليل بسفارة الأمير سيف الدين تنكز فيما أظن.
قال قاضي القضاة بهاء الدين أبو حامد السبكي: تولى كتابة الدست في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ولم يزل على حاله في توقيع الدّست إلى أن دعاه الله للقياه، وأوحشت الدنيا من بُقياه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أحد شهري ربيع من سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وكان عنده مماليك تُرك، وله تجملٌ في ملبسه، وورث نعمة طائلة، وحصلت له وجاهةٌ عند النواب، ولو دام له الأمير سيف الدين بهادُر التمرتاشي لرقى.
وكان قد استعار من القاضي جمال الدين ابن العلامة شهاب الدين محمود جزءاً من قلائد العقيان، وأبطأ رده، قال جمال الدين، فكتبتُ إليه:
قل لربّ العلا فتى القيسرانيحين يأتي منشية المهراني
حل جيدي بالفضل منك فإنيعاطلٌ من قلائد العقيان
فلما وقف عليها القاضي الشريف شهاب الدين الحسيني قال:
يا ابن غيثِ الندى وبحر المعانيدرهُ في النحور والتيجان
أنت للملكِ زينةٌ وجمالغنيت عن قلائد العقيان
وكتب لي شمس الدين المذكور توقيعاً بزيادةٍ عن السلطان الملك الناصر محمد، وهو: رسم بالأمر الشريف العالي - لازالت أوامره تزين المناصب بأكفائها، وتزيد
المراتب وجاهة بمن تريد صلاحه في علائها، ومراسيمه تمُن بعوارف آلائها لمن جعله عرفانُه من أوليائها - أن يزاد المجلسُ السامي القضائي فلان الدين على معلومه الذي بيده المستقر باسمه في الشهر دراهم كذا غلة كذا، وفي اليوم خبز كذا، لحم كذا، شعير كذا، وفي السنة كذا زيادة على الجوخة قرطية مغشاه لتفرده في البلاغة عن مناضل أو مناظر، وتفننه في الكتابة التي تثلج الصدور، وتبهج النواظر، وإتيانه بالمعنى البسيط في اللفظ الوجيز، واعتراف أمثاله بالقصور عّما ينتجه فكره السليم من التعجيز، طالما دبج المهارق بأبوابنا الشريفة برائقِ خطّه وفائق لفظه، ونظم في تقاليد الوزارة المنيفة من دررِ معانيه ما تتسارعُ الهمم إلى التقاطه وحفظه، فيتناول ذلك شاكراً لأنعمنا الشريفة على هذا المزيد، وليعلم أن إحساننا إليه ثابت ويزيد، والله يُبلغه من النعم ما يريد بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى، فكتبت إليه أتشكر إحسانه ارتجالاً:
كلماتُ القيسرانيلطفُ معناها براني
فهي في الحُسن كليلىوإليها قيسُ راني
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع