تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الألقاب والأنساب (٤)

الصفحة ١ من ٢

الأفرم: نائب دمشق، اسمه أقوش.

الأفضل: صاحب حماة محمد بن إسماعيل

أقبغا الأمير سيف الدين الناصري المعروف بأقبغا عبد الواحد.

تنقلت به الأحوال من الجمدارية إلى أن صار أمير مئة مقدّم ألف، أستاذ دار السلطان، مشد العمائر، مقدّم المماليك، أمير منزل خمس وظائف. وتأمر ولداه ناصر الدين محمد وشهاب الدين أحمد، وكان أخا الخوندة طغاي، امرأة أستاذه الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى من حرف الطاء في مكانه.

كان في أيام أستاذه في غاية التمكن والقدرة والتسلط والبأس والجبروت، لو ذكر اسمه للماء جمد، أو مر ذكره على الجمر خمد، ليس لأحد عنده مكانة، ولا يجد له خضوعاً ولا استكانة.

ولما توفي الملك الناصر، وتولى ولده الملك المنصور أبو بكر صادره وسلمه إلى الأمير علاء الدين طيبغا المجدي، وأخذ منه كل ما يملكه، وأمر برد كل ما اغتصبه، وأخذه بالي العادية على الناس، ولم يبق له تصرف في ماله، إلى أن طلب مئة درهم فأعطاه إياها الأمير علاء الدين طبيغا المجدي.

ولما تولى الملك الأشرف كجك أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى دمشق، فأقام بها قليلاً، وتوجه مع الفخري إلى مصر، فرسم له الناصر أحمد بنيابة حمص، فحضر إليها، وأقام بها إلى جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.

ورسم بإحضاره إلى دمشق، فأتى إليها، وأقام بها من جملة أمراء المقدمين، فلما كان في شوال من السنة المذكورة حضر مرسوم الملك الصالح إسماعيل بإمساكه فأمسك

هو والأمراء الذين اتهموا بالميل مع الناصر أحمد وأودع معتقلاً بقلعة دمشق، ثم إنه طُلب بعد قليل إلى مصر، فتوجه به الأمير بدر الدين بكتاش المنكورسي، وكان ذلك آخر العهد به.

آقبغا الأمير سيف الدين الحسني الناصري.

كان رفيعَ المنزلة والمكانة، مؤثل المرتبة من خاطر أستاذه، ثابت الركانة، إلا أنه زاد في دلاله، وأفرط في اعتدائه، قوامه بالغ في اعتداله، فمال أفاده سحر أجفانه، ولا نفعه تبسم ثغره عن أقحوانه، وهون اللطان على قلبه أمُره، وأخرجه إلى دمشق، ولكن على إمرة، فأقام بها على غير استقامة، وأصر على غيه، ولم يقبل نصحاً، ولم يصغ إلى ملامه، ولازم الشراب وعاقره، ونسي أمر تنكز عواقبه وعواقره، فكتب إلى السلطان في معناه، وجعل القلعة مغناه، ولبث معتقلاً في قلعة دمشق زماناً، ولم يجد من حادث الدهر أماناً، ثم إنه فك صفدُه، وجهز إلى صفد، فأقام بها، وفداءُ سعده ما وفد، إلى أن أذوى الحمام زهرته، وأسكنه حفرته.

وتوفي بصفد رحمه الله تعالى.

وكان قد اعتقل بقلعة دمشق زماناً، إلى أن قدم السلطان من الحجاز في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأفرج عنه في المحرم، وجهز إلى صفد.

أقجبا الأمير سيف الدين المنصوري.

كان أحد الأمراء بدمشق. ولي شد الدواوين بدمشق بعد الأمير جمال الدين أقوش الرستمي، وعين لتقدمة الركب الشريف في سنة تسع وسبع مئة، ودار بالمحمل في أول الثلاثة أشهر على العادة، ثم إنه بطل الركب وتوجهه بسبب ما بلغ الناس من تحرك السلطان الملك الناصر من الكرك، وكانت فيه ديانة، وعفّة في المباشرات وأمانة، وحفظ للأموال وصيانة، تنقل في النيابات، وخرج سالماً مما فيها من الغيابات، وعمل الشد وما حلّ ولم يتعرض إلى حرم ولا ما حل، وعمل النيابة بغزة، وشرف نفسه عن أموال الرعايا ونزه، ثم إنه أقام على إمرته، وما أخمد الله ضوء جمرته.

ولم يزل على حاله إلى أن نزلت به أم دفر، ورحل إلى الآخرة مع ذك السفر.

ووفاته رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبع مئة. ودفن بتربته خارج باب الجابية.

وكان قد باشر نيابة بعلبك، ومنها نقل إلى الشد بدمشق، وبقي مدة، ثم تولى نيابة غزة مدة عوضاً عن الأمير ركن الدين بيبرس الموفقي، ثم عزل وأقام على إمرته إلى أن توفي رحمه الله تعالى.

وكان قد ولي الشد أولاً في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة.

أقجبا الأمير فخر الدين الظاهري.

حج بالركب الشامي في سنة ثلاث وسبع مئة.

وكان من أمراء دمشق والأعيان، وممن قدمت هجرتهم في خدمة السلطان، وثابت العدالة على الحكام، وملازم الصلاة في الجامع على مرّ الليالي والأيام، شرب كؤوس الصبا، فحده الدهر ثمانين، وتشعب به سعدُ الإمرة في أفانين.

ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الظاهري في باطن الأرض، وأقام فيها إلى يوم العرض، وحضر جنازته ملك الأمراء وجماعة من الأمراء، ودفن بسفح قاسيون قبالة زاوية ابن قوام، ووفاته تاسع عشري ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبع مئة.

أقجبا الأمير فخر الدين الحموي.

نقل من حماة إلى القاهرة، وأعطي شد الشراب خاناه بالقاهرة في أيام الملك الصالح إسماعيل، وعلت عنده رتبتُه، وغلت من قلبه محبته، وسمت مكانته وتأثلت، ووقفت السعود في خدمته وتمثلت، ولم يكن في دولة الصالح له نظير غير الوزير، ولا ضاهاه أحدٌ في حسن السياسة والتدبير.

وكان يقضي غالب الليل عند السلطان، وإذا قرر عنده أمراً لا تسمعه آذان الحيطان، ويساهره ويسامره، ويأخذ بمجامع قلبه بود يخامره، ثم إنه أخرج من مصر بعد الصالح، وعاد إليها كراتٍ عودَ الطليح، بل الطالح.

ثم إنه ولي الحجبة آخراً في أيام الملك الناصر حسن، واختص بالأمير شيخو فانقاد له بالرسن.

ولم يزل على حاله إلى أن أدناه الجديدان إلى البلى، وولى سعدُه مدبراً بعد أن كان مقبلاً.

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وسبع مئة.

وكان الأمير فخر الدين متصفاً بالمروءة في حق من يصحبه، كثير الود، نفع جماعة بصحبته.

ولما توفي الملك الصالح إسماعيل أخرجه الملك المظفر إلى حماة، وبقي فيها إلى أن أمسك يلبغا أبوه طابطا، وجهزا إلى مصر من حماة، فتوجه الأمير فخر الدين بهما، ولما وصلوا إلى قاقون أتاهم الأمير سيف الدين منجك، وجرى ما يأتي ذكره في ترجمة يلبغا، ثم إن فخر الدين توجه إلى مصر فرسم له المظفر بالإقامة في القاهرة، فأقام، وكان قد خدم يلبغا في الطريق، ولاطفه وصبره وسلاه وثبته، ولم يزل مقيماً بالقاهرة إلى أن تولى الملك الصالح صالح، فأخرجه إلى حماة، فأقام بها، ولما عاد الأمير شيخو وطاز من حلب في واقعة بيبغاروس عاد معهما، ودخل الديار المصرية، وأقام

بها، واختص بالأمير سيف الدين شيخو، وولاه الحجبة بالقاهرة، ولما جرح شيخو انتصب الأمير فخر الدين لخدمته، وكان يباشر عمل المصلومة له بنفسه، وقل: إنه ربما أفطر في شهر رمضان لذلك.

أقسنطر الأمير شمس الدين السلاري.

سيرهُ السلطان الناصر محمد إلى صفد نائباً، فحضر إليها، ورأى أهلها منه من العفة والعدل ما لا رأوه من غيره، ثم نقله إلى نيابة غزة، فتوجه إليها.

ومات السلطان، وتولى الملك المنصور أبو بكر، وخلع، وتولى الأشرف كجك، وجاء الفخري لحصار الكرك، فقام الأمير شمس الدين بنصرة أحمد في الباطن كثيراً، وتوجه الفخري إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب، ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به، وتوقى عزمه، وقال له: توجه أنت إلى دمشق واملكها، وأنا أحفظ لك غزة. وقام في هذه الواقعة قياماً عظيماً، وأمسك الدروب، فما جاء أحد من دمشق ولا من مصر بريداً كان أو غير ذلك إلا وحمله إلى الكرك، وحلف النسا للناصر أحمد، وقام ببيعته باطناً وظاهراً، ثم جاء إلى الفخري وهو على خان لاجين، وقوّى عزمه وعضده. ولم يزل عنده بدمشق إلى أن جاء ألطنبغا من حلب، والتقوا، وهرب ألطنبغا، فاتبعه الأمير شمس الدين إلى غزة، وأقام بها، ودخلت العساكر الشامية إلى مصر.

ولما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب وتوجه به إلى الكرك أعطى نيابة مصر للأمير شمس الدين أقسنقر، وبقي نائباً وأحمد في الكرك إلى أن تملك الملك الصالح إسماعيل، فأقره عليها، فسار فيها سيرة مشكورة، وأقام فيها مدة أحاديثها إلى الآن مذكورة، لا يمنع أحداً شيئاً يطالبه كائناً من كان، ولا يرد سائلاً يسأله، ولو لم يكن ذلك في الإمكان، وارتزق الناس في أيامه، وغرق الضعفاء في بحر أنعامه، وتقدم من كان مؤخراً، وجرى رخاءُ الرخاء بأمره مسخراً، حتى كان الناس يطلبون منه مالا لهم به حاجة، ولا لهم به ضرورة، وهو يقضي ما قابله جده أو واجه.

ثم إن السلطان الملك الصالح إسماعيل أمسكه، وأمسك الأمير سيف الدين بيغرا أمير جاندار والأمير سيف الدين أولاجا الحاجب الآتي ذكرهما في موضعيه، والأمير زين الدين قراجا الحاجب، لأنهم نسبوا إلى الممالأة والمداجاة مع الناصر أحمد، وذلك في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وكان ذلك آخر العهد بأمره، والله تعالى يتولى الباطن من سره، وأخرج فيما بعد عن بيغرا وأولاجا وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة.

أقسنقر الأمير شمس الدين الناصري.

كان في حياة أستاذه أمير شكار وزوجه ابنته، وجعله أمير مئة مقدم ألف. ولما جاء الناصر أحمد من الكرك جعله أمير آخور، فلم يرضَ فأخرجه إلى غزة نائباً، وأقام

بها إلى أن أمسك الفخري، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل فطلبه من غزة، وجعله أمير آخور، وعظمت مكانته عنده، وجّهزه مقدّم العساكر المصرية والشامية لحاصرة الكرك، ثم أبطل ذلك، وخرج عوضه في التقدمة الأمير سيف الدين بيغرا.

ثم إنه جهز إلى الكرك فأبلى بلاءً حسناً، وأنكى في ذلك، وجُرح جراحة مؤلمة، وعاد إلى مصر، وأراد التوجه إلى الحجاز بأهله، فمنع من ذلك، ولأن والدة الملك الأشرف كجك عنده زوجة، فخيف منه، وأخرج إلى طرابلس نائباً، فورد إلى دمشق على البريد، وعمل النيابة بطرابلس جيداً، وظهرت عنه مهابة وبطش وقمع للمفسدين، وعف عن أموال الرعايا، وأقدم نائباً من أوائل شوال سنة أربع وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة ست وأربعين وسبع مئة، وفي أول سلطنة الكامل شعبان، فطلبه إلى مصر، وتوجه إليها، وعظم أمره وأمر الحجازي إلى الغاية، فيقال: إنهما أحسّا في الباطن بالغدر من الكامل، فجهّزا في السر إلى الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، وقالا له: برّز أنت في ظاهر دمشق، فإننا قد عزمنا على أمر. وكان يلبغا إذ ذاك نائب دمشق، فبرز إلى ظاهر دمشق - على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وراحت الأخبار إلى الكامل بخروج يلبغا واتفاق نواب الشام معه، فلم يرَ الكامل بُدّاً من تجهيز عسكر إليه، فجرد جملة من عسكر مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، وإمّا الحجازي أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، إمّا الحجازية أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد من بعض الطريق، واجتمع الناس عليهما في قبّة النصر، وخرج الكامل، فجُرح الأمير سيف الدين أرغون العلائي، وانهزم السلطان، ودخل القلعة، وطلع الأميران المذكوران إلى القلعة، وأخذ أمير حاج، وأجلساه على كرسي الملك وحلفا له وحلفا له العساكر، ولقباه المظفر، وزادت عظمة الحجازي وأقسنقر في أيام المظفر.

فلما كان في يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة جاء إلى السلطان من كان معهما في الباطن، وقال: إنهم قد أجمعوا على الركوب غداً إلى قبة النصر، وأن يفعلوا بك ما فعلوه بأخيك، فأحضرهم العصر إلى القصر، وأمسكهم، وهم الأمير شمس الدين أقسنقر، والأمير سيف الدين ملكتمُر الحجازي، والأمير سيف الدين قرابغا الساقي صهر اليحيوي، والأمير سيف الدين إتمش، والأمير سيف الدين صمغار، والأمير سيف الدين بزلار، فأما الحجازي وآقسنقر فإنهما قتلا في الوقت الحاضر بالقصر، والبقية جهزوا إلى الإسكندرية، وقيل: إن السلطان ضرب قرابغا على كتفه بالنمجا، ثم إنه أمسك الأمير سيف الدين طقبغا الغمري، وأولاد الأمير علاء الدين أيدغمش وابن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وذلك كلّه بتدبير الأمير شجاع الدين أغرلو.

وكان الأمير شمس الدين المذكور رحمه الله تعالى شكلاً مليحاً، ووجهاً مع صباه صبيحاً. طويلاً فيه هيف، لو رآه الحمام لسجع عليه وغرد وهتف، يكرم من يودّه، ويُسلفه الإحسان ولا يستردُه، نفسه نفس الملوك في العطاء، وجوده لأصحابه بارز الشخص ما عليه غطاء.

وكان يكتب خطأ قوياً، متمكن الحروف سورياً، وكان إذا كتب لمن يكرمه ويصل حبل وداده ولا يصرمه، كتب: المملوك أقسنقر سلام عليك.

أقطاي الأمير سيف الدين الجمدار.

كان يسكن قبالة المدرسة التقوية داخل باب الفراديس، ثم إنه انتقل بعد ذلك إلى العقيبة، وكان أمير سبعين فارساً. وكان الأمير سيف الدين تنكز يعظمه. وهو والد الأمير سيف الدين سلامش.

وكانت بينه وبين الشيخ علاء الدين بن غانم صحبة ومودة.

وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.

أقطاي الأمير سيف الدين العمري كان من جملة أمراء الطبلخانات بحلب.

توفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة.

ورسم بإمرته للأمير شرف الدين موسى بن الأمير ناصر الدين محمد بن شهري.

أقطوان الأمير علاء الدين الكمالي الحاجب بصفد.

حضر إليها أول أمره مشدّ الدواوين، ووالي الولاة لما كان الجوكندار نائبها، ثم

إنه أعطي طبلخاناه، واقام على ذلك مدة، ثم رسم له بالحجوبية، وبقي فيها مدة طويلة، ثم إنه نقل إلى نيابة القلعة بصفد، وأقام بها مدة، ثم أعيد إلى الحجوبية.

وكان أميراً ذا بركٍ وعدة، يركب وينزل من مماليكه في عدّة، زائد التجمل في السلاح وآلات الحرب والكفاح، وهو رجل طوال، لا يُرد عنده من أحد سؤال، ذو طلعة بهيّة، وشيبة سنية، عرف الناسَ وأحبوه، ولبوه إلى ما يريده وأجابوه. وهو والد الأمير سيف الدين قرمشي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف القاف مكانه.

ولم يزل بصفد على حاله إلى أن خرب الموت ربع حياته، وقرر عنده أمر نزله وبياته.

وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.

وكتبت أنا إلى ولده الأمير سيف الدين قرمشي أعزيه:

تعز يا مولاي في الذاهبِوأرضَ بأمر الطالبِ الغالبِ
واصبر تنل أجركَ في فقدهفليس من يصبرُ بالخائبِ
قدر ركبَ الأعناقَ لمّا مضىلرَبِّه أفديهِ من راكبِ
وباتَ مندوباً لأنَّ العلاأمست بقلبٍ بعده واجبِ
وفاز لما حازَ طيبَ الثناوالذكر في الحاضرِ والغائبِ
بكاهُ حتى مستهل الحيابدمعهِ المنحدرِ الساكبِ
لم ترمَ دونَ الناسِ من فقدهِفيهِ بسهمٍ للردى صائبِ
بل الورى عمهُم رزؤهوكم فؤادٍ بعدهُ ذائبِ
وما ترى في النّاس غير امرئوعينهُ تبكي على الحاجبِ

أقطوان الأمير علاء الدين الظاهري الساقي.

كان صالحاً يقوم الليل، ويجاهد في المحراب وعلى ظهور الخيل، ويلازم صلاة الجماعة، وما لحقوق الله تعالى عنده إضاعة. وكان يحفظ أشياء في الزهد يوردها، ويأتي بها من حفظه ويسردها.

ناب السلطنة بقلعة الجبل في أيام السعيد بن الظاهر لما توجه إلى الشام، ثم إنه نقل إلى الشام، وأقام به إلى أن صُرع الساقي، وظفر من عمله بالكنز الباقي.

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان المعظم سنة ثمان عشرة وسبع مئة. وكان من أبناء الثمانين أو تجاوزها، ودفن بالقبيبات.

أقوش الأمير جمال الدين الشريفي.

كان والي الولاة بالصفقة القبلية بالشام، تولاها وهي كثيرة الهرج، مباحة الدم والفرج، قد غلب فيها العشير على حكام الدولة، وكادت قراها تحكي أطلال خولة، فأطلق فيها سيفه الماضي، ورفض التغافل والتغاضي، إلى أن هذب تلك الناحية، وميز الفرقة الناجية.

ولم يزل على حاله إلى أن بغته حمامه، وانقصف رمحه، وصدى حسامه.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.

آقوش حسام الدين أبو الحمد الافتخاري الشبلي.

سمع بالقاهرة من ابن رواج، والساوي، وجماعة. وسمع بدمياط الناسخ والمنسوخ للحازمي من الجلال الدمياطي. وسمع بدمشق من ابن قُميرة، وابن مسلمة، وسمع منه الطلبة.

وكان متميزاً في الأجناد، موصوفاً بالسداد، وسمع بدمشق من ابن قميرة، وابن مسلمة، وسمع منه الطلبة.

وكان متميزاً في الأجناد، موصوفاً بالسداد، يكتب خطاً فائقاً، راقياً في درجة الحسن رائقاً، له عناية بالخطوط المنسوبة وتحصيلها، وعنده بذل للجمل في تفصيلها.

وحدث قديماً مع أستاذه شبل الدولة كافور خزندار قلعة دمشق.

ولم يزل على حاله إلى أن وقع الشبلي في شبكة الموت، وغرق في بحر الفوت.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة.

آقوش الأمير جمال الدين المطروحي الحاجب بدمشق.

أباعه الكسروانيون للفرنج في واقعة غازان، ثم شراه ابن سعيد الدولة منهم، وأعطي طبلخاناه بعد الوقعة.

وكان شيخاً مليح الشيبة، ظاهر الهيبة، حاجباً جليلاً، لا يراه أحد إلا اتخذه خليلاً، لا يراه أحد إلا اتخذه خيلاً، ناهضاً بالأعباء عاقلاً، لا تجده الدولة عن مصلحتها غافلاً.

ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن المطروحي على نعشه مطرحاً، وطحنته من المنية تلك الرحى.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة. باشر الطبلخاناه قليلاً، ومات رحمه الله تعالى.

آقوش الأمير جمال الدين الأفرم، نائب دمشق.

كان من مماليك الملك المنصور قلاوون القدُم الجراكسة، وهو من أكابر البرجية السلاح دارية. وكان في البرج مُغرى بالنشاب والعلاج والصراع واللكام والثقاف وتأمّر وهو على هذا.

ولما كان في أيام أستاذه تحدث مع بعض الخاصكية أن يخرج إلى الشام، فعرضوا به للمنصور، فقال: آقوش الأفرام يريد الرواح إلى دمشق، لا بد له من نيابة دمشق إلا ما هو في أيامي.

أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: حدثني جلال الدين محمد بن سلميان بن البيع الموقع عن الشهاب الرومي أن الأفرم حدثه أنه قال: كان يتردد إلي وأنا بمصر فقير مغربي، كان في القرافة الكبرى، فقال لي يوماً: يا آقوش إذا صرت نائب الشام أيش تعطيني؟ فقلت له: يا سيدي ما أنا قدرُ هذا. فقال: لا بد لك من هذا. أيش تعطيني؟ فقلت: يا سيدي الذي تقول. فقال: تتصدق بألفي درهم عند السيدة نفيسة، وبألف درهم عند الشافعي. فقلت: يا سيدي بسم الله. فضحك، وقال: ما أظنك إلا تنساها، وما تعود تذكرها إلا إذا جئت هارباً إلى مصر. قال: فوالله لقد جعلتُ كلام المغربي ممثلاً بين عيني حتى وُليت النيابة، فأنسانيه الله، ثم ما ذكرته حتى دخلتُ نوبة غازان مصر هارباً، فبينما أنا أسير هارباً إذ مررت بمكان الفقير، فذكرت قوله، فأحضرت على الفور الدراهم، وتصدقت بها.

وكان قد نقل الأفرم إلى الشام قبل النيابة، وأقام بها مدة طويلة في مجالس أنس ولهو وطرب، يغشى الناس ويغشونه. ولما كانت أيام العادل كتبغا، وتقدم حسام الدين لاجين، وصار نائب مصر، اشتد عضد الأفرم به، لأنهما كانا ابني خالة، فلما تسلطن لاجين كان الأفرم بدمشق فطلبه، وجعله حاجباً، وبقي بمصر مدة على ذلك، يبيت ويصبح بقلعة الجبل. ولما كان يوم الخميس وهو اليوم الذي قُتل فيه لاجين عشيةً، نزل الأفرمُ تلك الليلة، وبات في القاهرة في داره، وهي دار الشريف ابن ثعلب، وبات بها هو والأمير شرف الدين حسين بن جندر بك.

أخبرني من لفظه الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك. قال: بينا نحن تلك الليلة وإذا بالباب يُطرق وقائل يقول: خلوا الأمير يكلم السلطان. وآخر في آخر في الحث في طلبه. فهم الأفرام بفتح الباب، فقلت له: تأنّ على نفسك، فخاطري قد حدثني بأمر، وأخشى على السلطان من أمرٍ حدث، فانتبه لنفسه، وقال: ما العمل؟ قلت: تحيل على من يخرج إلى السوق، ويكشف الخبر. فدلينا مملوكاً من السطح، فما لبث أن عاد إلينا بالخبر، فخرجنا على حمية، وركبنا وطلعنا إلى خيل الأفرم، وكانت خراج البلد، فأخذنا الخيل وانعزلنا إلى القلوبية، واجتمع عليه مماليكه وأصحابه واللآجينية، ونشر أعلامه، ودقً طلبلخاناته، وبقي يتنقل حول بركة الحجّاج إلى عكرشة إلى المرش إلى ما دون بلبيس وهو على غاية الحذر، إلى أن ترددت الرسل بينه وبن أمراء القلعة، وتأكدت الأيمان بينهم، فهم بالطلوع إلى القلعة، ثم إنه رد من الثغرة، وفل أكثر من كان معه، وكاد يؤخذ، فأتى الله بالأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمراء المجردين بحلب، فانضم إليه الأفرم، وكان معه إلى أن قتل كرجي وطغجي، وتقرر الأمر على طلب السلطان الملك الناصر من الكرك بإجماع رأي سبعة من الأمراء، وكان الأفرام سادسهم، فتصدر الكتب بخطوط السبعة والأفرم السادس، ولما حضر السلطان واستقرت دولته بعثه إلى دمشق كالحافظ لها، فوصل إليها على البريد في ثاني عشري جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وست مئة، وحكم فها بغير تقليده مدة. انتهى، أو كما قال.

ثم إن الأفرم سعى لها سعيها، فجاء تقليده بنيابة دمشق، وكان هو والجاشنكير متظاهرين لما يجمعهما من البرجية.

أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال حدثني والدي، قال: دخلت يوماً على الأفرم وهو في بقية حديث يتشكى فيه من افتئات سلار والجاشنكير وما هما فيه، ثم التفت إلي وقال: يا فلان! والله هذا بيبرس، لما كنا في البرج كان يخدمني ويحكّ رجلي في الحمام، ويصبّ الماء علي، وإذا رآني والله ما يقعد إلاّ إذا قلت له: اقعد. وأمّا سلار فما هو منا ولا له قدر، أيش أعمل في دمشق؟ والله لولا هذا القصر الأبلق والميدان الأخضر، وهذا النهر المليح ما خلّيتهم يفرحون بملك بمصر.

وكان الأفرم يقول: لما توجه الناصر إلى الكرك: والله عملوا نحساً، كان ابن أستاذنا وهم حوله أصلح.

ولم يزل على هذا حتى تحتم الأمر، وخاف القتل، وانصرف إلى الجاشنكير.

ولما كانت كسرة المسلمين، وجرى من أهل كسروان ما جرى على العساكر أثر ذلك في قلبه، ولما عاد واستقرت الأمور توجه إليهم بنفسه، ونازلهم ولم يحصل على طائل، ووصلت الأراجيف بأحاديث التتار، فعاد عنهم، ولما قضى الله تعالى بالنصر في واقعة شقحب جعل كسروان دأبه، وكتب إلى نائب طرابلس ونائب صفد، وجمعوا الرجال وأحاطوا بالجبل من كل ناحية، فأظهره الله عليهم وظفره الله بهم، وكبتَ كتبَ البشائر بذلك، وأحسنُ ما وقع فيها الشيخ كمال الدين محمود بن الزملكاني لأنه افتتحه بقوله تعالى: " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ".

ومدح الأفرم في هذه الواقعة بعدة مدائح جمعها شمس الدين الطيبي هي وكثيراً مما كتب في هذه الواقعة، وسماها واقعة كسروان، وزاد تمكن الأفرم في نيابة دمشق إلى أن كان يكتب تواقيع بوظائف كبيرة، ويبعثها إلى مصر، ليعلم السلطان عليها.

وكتبت في دمشق على السلطان بالإشارة العالية الأميرية الكافلية الجمالية كافل الشام أعزها الله تعالى. وشكا إليه ضوء بن صباح أحد قصاد الخدمة أن جاميكته نقصت فقال: من فعل ذلك؟ فقال: ابن سعيد الدولة. وكان بان سعيد الدولة إذ ذاك مشير الدولة وجليس السلطان، ومكان ثقته، ولا يعلم الملك المظفر على شيء حتى يكتبَ عليه ابن سعيد الدولة: يحتاج إلى الخط الشريف، فكتب الأفرم إلى ابن سعيد الدولة هكذا ابتداء: وَالك يا بن سعيد الدولة! ما أنت إلا ابنُ تعيس الدولة، وصلتَ أنك تقطع جوامك القصّاد الذين هم عينُ الإسلام، ومن هذا وشبهه، والله إن عدت تعرضت إلى أحد من الشام بعثت إلى من يقطع رأسك، ويجيء به في مخلاة، وجهز به مملوكاً من مماليك على البريد قصداً، وأمره أن يعطيه الكتاب في وسط المحفل، ويقول له من نسبة ما في الكتاب، ففعل ذلك، فدخل إلى السلطان، وأراه الكتاب فقرأه، ثم أطرق زماناً، وقال له: أرضِ الأفرم، وإلا أنا والله بالبراءة منك، والله إن عمل معك شيئاً ما نقدر ننفعك! ولم يزل على حاله إلى أن حضر السلطان الملك الناصر من الكرك، وقفز الأمراء إليه، وبقي الأفرم في دمشق وحده، فهرب هو والأمير علاء الدين بن صبح إلى شقيف بيروت، ثم إن السلطان آمنه فحضر إلى دمشق فأكرمه وأقره على نيابة الشام في الركوب والوقوف والخدمة، وقراءة القصص، وسافر معه إلى مصر على حاله،

ولما استقر جلس السلطان على كرسي الملك أعطى الأفرم صرخد على عادة العادل كتبغا، وأخرج سلار إلى الشوبك.

ونقل إلى السلطان أن الأفرم وسلار يتراسلان فولى الأفرم نيابة طرابلس، وقال له: لا تدخل دمشق، خشية أن تنشب أظافره فيها، ويقول أهلها معه محبة فيه، فتوجه إلى طرابلس وهو على وجل، ويخرج كل ليلة بعد العشاء هو ومن يثق إليه من دار السلطنة إلى مكان ينامون فيه بالنوبة وخيلهم معهم، وربما هوموا على ظهور الخيل.

ثم إنه أتاه مملوك كان له في مصر، وقال له: السلطان رسم لك بنيابة حلب، ورسم لك أن تروح إلى مصر لتلبس تشريفك وتأخذ تقليدك وتعود، فطار خوفاً، وكان في مرج، فأتاه في الحال مملوك صهره أدمر الزردكاش يعرفه أنه مأخوذ، ويحرضه على الخروج، فخرج في الحال.

أخبرني القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله، وحكى لي عماد الدين إبراهيم بن الشيخ شهاب الدين الرومي أن الأفرم ما خرج إلى مرج لاجين، إلا بنية الهروب. قال: وكنت عنده قبل خروجه إلى المرج المذكور يوماً، فبينما نحن قعود نأكل إذ جاء إليه مملوك من مماليك قرا سنقر، فسلم عليه، ثم قعد يأكل معه حتى فرغنا، وخرجت المماليك، ولم يبق عنده أحد إلا جمدارية النوبة، وأنا لا غير، فقدم إليه المملوك، وقال له: أخوك يسلم عليك، وقد بعث لك معي هدية، فقال: وأين الكتاب؟ قال: ما معي كتاب، قال: فالمشافهة؟ قال: ما معي مشافهة، ولكن هدية لا غير.

فقال: هاتها، فأخرج خرقة وحلها، وناوله تفاحة، ثم ناوله بعدها مئزراً أسود، ثم ناوله بعدها نصفيّة هكذا على الترتيب، ثم خرج، فقال له: أقعد، فقال: ما معي دستور أن أقعد بعد إيصال الهدية، فوجم الأفرم، وساره في أذنه، وأعطاه نفقة، وسفرهُ لوقته. فلما خرج قال لي: أتعرف أيش هي الهدية؟ فقال له: لا والله يا خوند، لا يكثر الله له خيراً، قال: اسكت، وَالك، بعث يقول: إن كنت تريد تشم هواء الدنيا مثل ما تشم هذه التفاحة فأته في الليل الذي هو مثل هذا المئزر، وإلا فهذه النصفيّة مثل كفنك. قال: فعجبت لسرعة فطنة الأفرم لقصده وما رمز عليه.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع