تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الألقاب والأنساب (٥)

الصفحة ١ من ٢

أمين الملك الصاحب أمين الدين: عبد الله ابن تاج الرئاسة.

الصاحب تاج الدين بن أمين الدين، المقدم ذكره: أحمد بن عبد الله.

أمين الدين ناظر الجيش كاتب طشتمر: إبراهيم بن يوسف.

إما المقام: إبراهيم بن محمد بن إمام المشهد المحتسب محمد بن علي.

الأمِلي

عبد الكريم.

ابن الأميوطي قاضي الكرك: محمد بن أحمد أمير سلاح بكتاش.

الأمشاطي الأديب: أحمد بن عثمان.

أنَّاق الأمير سيف الدين الناصري، أحد الأمراء بالديار المصرية، تزوج ابنة الأمير سيف الدين أرغون النائب.

وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكانت زوجته قد توفيت قَبلهُ بشهر واحد.

الألقاب والأنساب

ابن الأنباري شيخ المُستنصرية ببغداد: عبد الله بن أبي السعادات.

الأنْدَرَشي أبو العباس: أحمد بن سَعدٍ النحوي.

أنَسُ بن كتبغا الملك المجاهد ابن السلطان الملك العادل كتبغا المنصوري.

كان مليح الشكْل شجاعاً، بطلاً في الحروب نَفّاعاً، عليه مهابة ووقار، وله جلالة الملك مع بعض افتقار. كان السلطان الملك الناصر يحبّه ويعظّمه ويُجلّه

ويُقدّمه، وإذا حضر إليه قام له ورحّب به، والبِشْر قابله وآخذ بيده وأجلسه إلى جانبه، وربما قدّم له بعض مراكبه، إلا أنه كان قد عَمِيَ، وبرد حظه بعدما حَمي.

ولم يزل على حاله إلى أن ابتلعه الجَدَث، وأخذه ما قَدُمَ وما حَدَث.

ونوفي رحمه الله تعالى في شهر المحرّم سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وقد تجاوز الخمسين، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بالقرافة في تربتهم.

أَنَص بفتح الهمزة والنون وبعدها صاد مهملة. الأمير سيف الدين النائب بثغر بَهَسْنى.

لمّا توجّه الأمير بدر الدين أمير مسعود بن الخطير إلى نيابة طرابلس في نوبة الأمير سيف الدين يلبُغا اليَحيَوي رُسم للأمير سيف الدين أنَص بنيابة غزة مكانه، وحضر إليه مَنْ أخَذَه من بَهَسنى وتوجّه به إلى غزة، ثم إنه طُلب عُقيب ذلك إلى مصر في جمادى الأولى والآخرة وشهر رجب سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فأقام قليلاً وجلس في جُملة أمراء المَشْوَر، ثم عاد إلى غزة مَقُدَّم عسكر، على عادة نوّابها.

ثم إنه رُسم له بالتوجّه إلى قلعة الروم نائباً في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين، فتوجّه إليها وأقام بها إلى أن سكنت حركته وذهبت من عمره بركتُه.

وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء ثاني ذي الحجة سنة خمسين وسبع مئة.

وكان شيخاً طُوّالاً، وجْهه بحُمرته وبياض شيبه يتلالا، عظيم الحرمة، كأنه هِمٌّ وهو شهاب الهِمّة، فسبحان من خَرّب جِسمه وأذْهب رَسْمَه.

آنُوْك بألف ممدودة مفتوحة، ونون مضمومة، وواو ساكنة، وكاف: ابن محمد بن قلاوون هو سيف الدين ابن السلطان الملك الناصر ابن الملك المنصور من الخوندة طُغَاي الآتي ذكرها في مكانه إن شاء الله تعالى.

لم يكن عند أبيه أعزُّ منه على كَثرة أولاده، وهو أحسنُ الإخوة، كان أخوه الناصر أحمد والمنصور أبو بكر وإبراهيم أكبر سناً منه، وهو وحده أمير مئة مقدَّم ألف، والباقون أمراء أربعين، وكان يحمل رَنْك جَدِّه المنصور.

وزوّجه السلطان وهو ابن عَشر سنين أو دونها بنت الأمير سيف الدين بَكْتُمر الساقي، وكان له عُرس عظيمٌ ليلة الجمعة حادي عشر شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة حَضَرَهُ الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام، والأمير سيف الدين طَيْنال نائب طرابلس فيما أظن، ونصبَ الأمير سيف الدين قوصون صاريَيْن في الرحَبة قدّام الإيوان، عليهما أنواعٌ من الصور والبارود والنفط غَرِمَ عليهما ثلاثين ألف درهم، واجتمع الشمع بالنهار في الإيوان من قبل الظهر، وعُرض على السلطان وهو جالسٌ على باب القصر على المصطبة الواحدة، وآنوك على المصطبة الأخرى، وإذا عَرَض الأمير الشمع المختصّ به باس الأرض وباس يدَ السلطان ثم يبوس يد آنوك فُعِل ذلك أربع خَمْسَ مِرار، ثم مَنَعَ السلطان من بوس يد آنوك، ولم يزل الشمع يُعرَض إلى بعد المغرب، ولم يكمل عَرضُه، وكان مهمّاً عظيماً.

ورأيتُ أنا أبا العَروس وهو الأمير سيف الدين بَكْتُمر الساقي وقد شدَّ وسْطَه وفي يده عصا، لا لأنه أبو العروس، بل لأنه عرسُ ابن أستاذه، ورأيت الجَهاز لمّا حُمل من دار أبي العُروس التي على بِرْكة الفيل ممدوداً على رُؤوس الحمّالين، وكان ثماني مئة حَمّال وستة وثلاثين قطاراً، غير الحُليّ والمصاغ والجواهر، وسيأتي ذكر ذلك في ترجمة بَكْتُمر في حرف الباء. ولمّا صمدوا الشُّوار المذكور دخل السلطان ورآه فما أعجبه، وقال: أنا رأيت شُوار بنت سُلاّر وهو أكثر من هذا وأحسَنُ، على أن هذا يا أمير ما يقابل بن آنوك، والتفت إلى الأمير سيف الدين طُقُزْتُمر والأمير سيف الدين أقْبُغا وقال: جهّزا بنتيكما، ولا تتخاسّا مثل الأمير.

قلت: أخبرني المهذّب كاتب بكتمر أن الذهب الذي دخل في الزَّركش والمصاغ ثمانون قنطاراً، يعني بالمصري، وكان القاضي شرف الدين ناظر الخاص كاتب آنوك، والأمير سيف الدولة ألطُنْقُش أُستادار السلطان أستاذ داره.

وأخبرني من لفظه شرف الدين النشّو ناظر الخاص قال: الذي تحت يدي لسيدي آنوك، ويد خزنداره ست مئة ألف دينار غير ماله تحت يدي من المتاجر في جميع الأصناف.

وكان إخوته الكبار يركبون وينزلون في خدمته ويخلع عليهم ويعطيهم.

وُصِفَ له ابن قيران الأعمى وهو من أهل القاهرة يلعب الشطرنج عاليَة، فعجب منه وأحضره ولعب قدامه فأعجبه وأثنى عليه، فقال له يا خوند: لأي شيء ما تلعب

الشطرنج؟ فقال: الملوك ما يصلح لهم الشطرنج حسام الدين لاجين ما قُتل إلاّ وهو يلعب الشطرنج.

وكان كثير الميل إلى اقتناء الأبقار والأغنام والإوز والبط، وما أشبه ذلك. سمعته وهو يقول لمجد الدين رزق الله أخي النشّو: والله يا رزق الله أنا أحبّ البقر أكثر من الخيل.

وكان كثيرَ الحركة سريعَ التنقُّل ما له قرارٌ على الأرض ولا لبْثٌ، وجُدّر فتغيّرت محاسنُه.

وتوفي قبل والده بما يقارب نصف سنة، ووَجِد عليه وَجْداً كثيراً وذلك في سنة أربعين وسبع مئة.

وكان رحمه الله تعالى ذا صورة تروي الأقمارُ المحاسن عنها، ويستمد النهارُ ضياءَه منها، لم ترَ عيني مثلَ حلاوة عينه المجذّبة ولا مثلَ امتداد حواجبه المقوسة - واحتجت لأجل السجع أن أقول: المحدَّبة - ولا وقع ناظري على مثله في أولاد الأتراك، ولا دارت في عصره على مثله الأفلاك، كأنّ محاجره أثَرُ ظُفر في تفاحة، ونَكْهَتَه شَذا زهرات نفّاحة، يَبْسم عن دُرٍّ صَدفُه مَرْجان، ويسيل سالفه مسكاً ضمّه من كافور خديه مَرْجان. إذا خطا قلت: هذا غصنُ بان، يميس من أردافه على كثبان، تعلوه مهابة الملك وبهاؤه، وتلوحُ عليه عظمته - على صغر سنه - وسناؤه، هذا إلى شكل قد أتم الله خَلْقَه، وزيّنه لمّا لطّف خَلقهْ.

كان جسمه من الزَّبد مجمَّد، وكمال جماله مَنْ رآه صلى على محمد، رأيته ليلةً وقد

أمر السلطان للنشّو أن يَعمَل له مولداً للنبي ﷺ ويجمعَ له الفقراء بعد الختم في جامع القلعة فصنع له ذلك وجاءت مشايخ الصوفية، وعملوا سماعاً على باب دور السلطان، والنشّو واقف، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، ووقف أقبغا عبد الواحد وألطنقش الأُستاذ دار في خدمته طول تلك الليلة، ودخل هو ورقَص، وحكاه البدرُ فزاد والبَدر نَقَص، ما خطر إلا وبانت خَجْلَةُ الأغصان، ولا تَثَنّى إلاّ وقُلتُ: هذا قضيب النقا وأوراقه القُمصان، ورقص إخوته جُملةً معه. ونظرهم الناس فقالوا: هذه كواكب السماء مجتمعة، ولم يَنَم تلك الليلة فرحاً بما رآه، ولا استقر على الأرض لِمَا فارقه من الحجر علي ونآه.

وخلَع في تلك الليلة على جماعة المغاني والذين قرؤوا القرآن والسبع المثاني، ونقّط بجمل من الذهب، وفاق الريح لما جاء ووَهَبْ، وكانت ليلة ما عهد الناس مثلها في عصرهم ولا رأوه لك الوقت في مصرهم. ولكنه تجدّر قبل موته بقليل، وتحدّر ذاك الحبّ اللؤلؤي على خدّه الأسيل. فأطلع الله النجوم على صفحة البدر، وضمّ ذاك الجوهر على وجهه وكأنه حليّ نثر في صدر، فغَيَّرتْ من محاسنه شيئاً، ونسخت من ظلها فيئاً، ولكن معالم جماله كما هِيْ، وتخاطيط وجهه للشموس والأقمار تضاهي. ولمّا توفي رحمه الله تعالى وَجد أبوه عليه وَجْداً عظيماً، وكتم حزنه وأسفه عليه حتى راح كظيماً، ونثر عليه عِقدَ دموعٍ كان في عينيه نظيماً.

وقلت أنا فيه:

مضيتَ وكنتَ للدنيا جَمالاًوجَرّعْتَ الكواكبَ فيك فَقْدَكْ
ومنْ عَجَب الليالي فيك أن لايموت أبوك يا آنوك بَعْدَكْ

وكان ذلك منّي كِهانة في حقه، ولم يكمل من السنة نصفها حتى لحقَه، وصَرَفه صَرف الزمان فيما احتاج إليه من النفقة.

أوتامِش الأمير سيف الدين الأشرفي.

كان مملوك الأشرف خليل، ولاّه الملك الناصر نيابة الكرك، وكان يَرْكَن إلى عقله ويسمّيه الحاج، وأرسله غير مرّة إلى القان بوسعيد، وتوجّه مرّة بطُلبِه وطبلخانية إلى تلك البلاد، وكان أولئك القوم يعظّمونه أيضاً ويَرْكَنون إلى عقله لأنه كان يعرف بالمغلي لساناً وكتابة، ويدْرِب آداب المُغْل ويحكم في بيت السلطان بين الخاصكية بالياسة واليسق الذي قرره جنكزخان ويعرف سترة جنكزخان ويطالعها ويراجعها، ويعرف بيوت المغل وأنسابهم وأصولهم، ويستحضر تواريخهم ووقائعهم، وكان إذا جاء من تلك البلاد كتابٌ إلى السلطان بالمغلي يكتب هو الجوابَ عنه، وإذا لم يكن حاضراً كتبه الأمير سيف الدين طاير بُغا خال السلطان.

أخبرني من أثق إليه عن الأمير سيف الدين الحاج أرقطاي - وكان يدّعي أنه

أخوه - قال: كنت ليلة أنا وهو نائمين في الفراش وإذا به قال: أرقطاي لا تتحرك، معنا عَقْرب، ولم يزل يُهِمهم بشفتيه، وقال: فقُمْنا فوجدنا العقرب قد ماتت، وكان يعرف رُقىً كثيرة منها ما يقوله على العقرب وهي سارحة فتموت، ومنها رُقيّة لوجع الرأس. وكان مُغرىً بلعب النَّرد.

أخرجه السلطان إلى صفد نائباً عن الحاج أرقطاي في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، فتوجّه إليها وأحسن إلى أهلها، ووقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام.

ولم يزل فيها على حاله إلى أن عُطلت حواسُّه، وبَطلت أنفاسُه.

وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة سبع وثلاثين وسبع مئة - فيما أظن - ودفن في تربة الحاج أرقطاي، جوار الجامع الظاهري بصفد.

وكان مشهوراً بالخير، والسكون الذي لا يرتاع معه الطير، صاحباً لصاحبه في السرّاء والضرّاء، مالكاً قلْب مَنْ يعرفه بخلائقه الزَّهراء، ولكنه كان يُنكَّد عيشُه ويثارُ طيشُه بوَجَعٍ المفاصل الذي يعتريه، وتَطول مدته حتى يقول:

آلا موتٌ يباع فأشتريه....................

وهو الذي توجّه إلى دمرتاش وأحضره من البلاد الروميّة، على ما سيأتي في ترجمته.

الأوحَد بن الزاهر: شادي، وولده الأمير صلاح الدين يوسف، وولده علي بن يوسف.

أَوْران بفتح الهمزة، وسكون الواو، وبعدها راء وألفٌ ونون، سيف الدين الحاجب بدمشق.

أنشَأه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، ثم إن الأمير سيف الدين تَنْكز أحبّه وقَرَّبه وأعطاه وإمرَةَ طبلخاناه، وجعله حاجباً بدمشق. ولم يزل عنده مكيناً إلى أن جَرى له مع قَطْلُوبغا الفخري - على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمة الفخري - فانحرف عنه وأبغضه وأبعده.

ولم يزل على ذلك إلى أن أطفأ الله مصباحه، ولم يطلع للحياة صباحه.

وتوفي رحمه الله تعالى - فيما أظنّ - سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.

وكان قد لبس للإمرة في سنة ست وعشرين وسبع مئة، وتوجّه إلى ولاية الولاة بالقبليّة.

أَوْران الأمير سيف الدين السلاح دار، أحد مقدّمي الأُلوف بدمشق.

ولم يزل على حاله إلى أن ضمّت أورمُ الأرض أَوْران، ولم يعد لمائه في الحياة فَوَران.

وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون دمشق، في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة.

أُوْلاجا بضمّ الهمزة، وسكون الواو، وبعدها لام ألف وجيم وبعدها ألف: الأمير سيف الدين.

كان هو وأخوه الأمير زين الدين قَراجا في أيام الملك الصالح إسماعيل حاجبَيْن بمصر، والنائب شمس الدين آقْسُنقر السَّلاّري المقدم ذكره، والأمير سيف الدين بَيْغَرا الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الباء، فوُشي بهم إلى السلطان، ونُسبوا إلى أنهم في الباطن مع الناصر أحمد، وربما أنهم يكاتبونه، فأُمْسِكوا جميعاً في أول سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وقضى الله أمره في النائب، وبقي البقيّة، فشفع فيهم الأمير طُقُزتمر نائب الشام، فأُفرِج عنهم في شهر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وتُرك الأمير سيف الدين، وجُهّز أُوْلاجا وأخوه إلى دمشق، فأقاما بها بطّالين إلى أن توفي الملك الصالح رحمه الله تعالى، وتولى المُلك الكامل شعبان، فأُعطي أولاجا طبلخاناه، وجُهّز إلى حمص نائباً، فأقام بها مدة، ثم نُقِل إلى نيابة غَزّة، وفي تلك الأيام بَرَّز يَلْبُغا اليحيوي نائبُ الشام إلى الجسُورة، وخرج على الكامل وحضر إليه نائبُ حمص ونائب حماه، ونائب طرابلس ونائب صفد، والأمير سيف الدين أولاجا طَلَبَهُ فلم يحضر إليه، وأقام في غزة إلى أن خُلع الكامل ووُلّي المظفر حاجّي فرُسم لأولاجا بالعَوْد إلى حمص نائباً، فأقام بها.

ولمّا خرج يلبغا ثانياً على المظفر سيّر إليه فدافعه وماطله، ولم يحضر إلى أن انفصلت القضيّة وأُمسك الأمير سيف الدين يلبغا، ورُسم للأمير سيف الدين

أرغون شاه بنيابة الشام، ورسم لأولاجا بنيابة صفد، فتوجّه إليها في أوائل شهر رجب الفرد سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان قد تعلق به وَخَم عظيم من حمص فزاد ضَعفُه بصفد، وطلب طبيباً من دمشق، فجُهّز إليه وعالجه وتماثل من الضعف، ثم إنه نقض عليه الوَخَم الحمصي، فتعلّل، ولم يزل إلى أن أُوِلج أُوْلاجا في الأرض، وسكنها إلى يوم العَرْض.

وتوفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.

وأوصى إلى ثلاثة: دوا داره، وأستاذ داره، وآخر من مماليكه، وجعل الناظرَ عليهم الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب الشام، وباشر هذه النيابات الثلاث مباشرة حَسُنَ فيها الثناءُ عليه، وأُهديت أنواع الشكر من الأنام إليه، عفافٌ وأمانة وخِبْرة تامة وديانة، وعَدْلٌ في قضاياه وصِيانة، لم يتعرض إلى أموال الرَّعايا ولم يَتَعرَّض أحداً فيُصْميه في الرمايا، وتأسف عليه أهل البلاد وودوا لو دام لهم بقاؤه ولو كانوا معه في جدالٍ وجلاد. وقَدِم على ربّه وترك أوِدَّاءه، وعَدِم شخصُه وأبقى ثناءه.

أولاق الأمير سيف الدين، كان من جملة أمراء دمشق يسكن فوق المدرسة الشامية البرانية، وكان قد تزوج ابنة الأمير سيف الدين كوكنجار ولم يدخل بها.

وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.

أَيَاز بفتح الهمزة، وبعدها ياء آخر الحروف، وبعد الألف الثانية زاي: الأمير فخر الدين السلاح دار.

أظنه كان في مصر قبل خروجه إلى الشام من بعض مُشِدَّي العمائر السلطانية، ثم إنه خرج في حياة السلطان إلى طرابلس أميرَ عشرة، ثم نُقل إلى دمشق على عشرة في أواخر أيام الأمير سيف الدين تَنكز، فأقام بها إلى أن توجّه صُحبة العساكر إلى مصر مع الفخري، فرُسم له هناك بإمرة طبلخاناه، وحضر عليها إلى دمشق. ثم إنه وَلي شدّ الدواوين بالشام عوضاً عن الأمير سيف الدين ينجي السلاح دار، وباشره جيداً بحُرمَةٍ ومهابة.

ثم إنه عُزل في أيام الأمير سيف الدين طُقُزتمر وصار حاجباً، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي الأمير سيف الدين ألِلْمِش أمير حاجب المقدّم ذكره في أيام الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فولي الحجوبيّة الكبرى وأحبّه يلبغا، وصار حظيّاً عنده لا يفارقه سَفَراً وحضراً.

ولم يزل على ذلك إلى أن طلبه الملك المظفر حاجّي إلى مصر، فتوجه إليها، ونزل عند الأمير سيف الدين أُلجيبغا الخاصكيّ المقدم ذكره، ورُسم له بنيابة صفد، فوصل إليها وأقام بها، وبعد حضوره إليها بقليل خرج يَلْبُغا على المظفر، وجرى له ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته، وهرب، فرُسم للأمير فخر الدين بأن يركب خلفه، بعسكر صفد إلى دمشق وتوجّه بهم وبعسكر دمشق إلى حمص، وأقام عليها. ولمّا أُمسك في حماة عاد بالعسكر وتوجّه إلى صفد، ورُسم له بنيابة حلب في شهر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة توجه إليها وأقام بها.

ولمّا كانت أول دولة الملك الناصر حسن حضر إليه الأمير ركن الدين عمر شاه يطلبه إلى مصر على البريد مُخِفّاً، فقابل ذلك بالطاعة، فلما كان في الليل بلغ عمر شاه أنه ربما قد عَزَم على العصيان، فأركَبَ الأمراء والعسكر الحلبي وأحاطوا بدار النيابة، فلمّا أحسّ بهم خَرَجَ إليهم وسلّم سيفه بيده إلى عمر شاه وقال: أنا مملوك السلطان وتحت طاعته الشريفة، فأمسكوه وقيّدوه واعتقلوه بقلعة حلب، وطولع السلطان بأمره، وكان ذلك في العشر الأوسط من شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وأحضره الأمير سيف الدين بِلْجِك إلى قلعة دمشق مكبّلاً بالحديد، فأقام بها معتقلاً في القلعة أياماً يسيرة، ثم إنه طُلب إلى مصر ولمّا وصلها جُهز إلى الإسكندرية.

وحكى لي من أثق به انه لمّا وصل إلى دمشق أدخله الأمير سيف الدين أرغون شاه إليه في الليل فقال له: والله يا خوند رأيت في الطريق فلاحاً يسوق حماراً أعرجَ معقوراً وهو في أنحس حاله فتمنّيت لو كنت مثله فَرقَّ له.

ولم يزل معتقلاً بالإسكندرية إلى أن أُفرِج عنه وجُهّز إلى دمشق ليتوجّه إلى طرابلس ويقيم بها بطّالاً، فوصل في خامس عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وفي أوائل جمادى الأولى أعطي طَبْلَخاناه سُنقر الجمّالي بها، ثم إنه نُقل إلى دمشق فأقام بها، وأخذت المراسلات تدور بينه وبين الأمير سيف الدين أُلجيبغا نائب طرابلس إلى أن جرى ما جرى منه ومن أُلجيبغا، على ما تقدم في ترجمة الجيبغا. وهرب من دمشق مع الجيبغا، ولمّا امسك الجيبغا فارقه أياز وانفرد عنه في ثلاثة أنفار من مماليكه، فأمسكه ناصر الدين ابن المعين وبعضَ أجناد بعلبك في قرية العاقورة

وقد لبس لبسَ الرهبان، وأحضره إلى بعلبكّ فقيّدوه ودخلوا به القلعة، ولمّا بلغ الخبر العسكر الشامي أخذوه من بعلبك وجاؤوا به إلى دمشق هو الجيبغا مكبّلين في الحديد وجرى لهما ما جرى، ووسّطوه في سوق الخيل بدمشق هو وألجيبغا على ما تقدّم في ترجمة ألجيبغا، وجزع جزعاً عظيماً وهلع وذل وخضع، وأخذ سكيناً من واحدٍ كان واقفاً إلى جانبه وأراد يذبحُ بها نفسه أو يجرح غيره فأعجلوه وضربوه بالسيف، ووسّط فخاض السيف في أحشائه واستقى نفسه من قليب قلبه برشائه، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مئة.

وقلت فيه:

لما أنار أيَازُ في أفْق العُلاَخَمَدت سريعاً لامعات علوّه
بالأمس أصبح نعمة لصديقهواليوم أمسى رحمة لعدوّه

وكان رحمه الله تعالى جيداً في حق أصحابه، مثابراً على تقدمهم فَرِحاً بهم في رحابه يبذل مهجته دونهم قبل ماله، ويجتهد في حق كل منهم حتى يصل إلى بلوغ آماله. وأحبّه أهل حلب كثيراً ووجدوا به فرشَ أيامه وثيراً، لأنه عاملهم بلطفٍ زائد ولين جانب وخضوع قرنه بجودٍ لم يُردّ أحد منهم وهو خائب، إلا أنه تحامل على أرغون شاه وزاد، وغدر به وكاد، وبعض من اطّلع على باطن أمره بَسَط عُذره، والله تعالى يتولّى ظاهر أمره وسرّه.

أياس الأمير فخر الدين الشمسي مملوك الأمير شمس الدين سُنفر الأعسر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه.

كانت له معرفة ودُرْبَه، وقوة نفسٍ يعدّ بها أن الناس من رجُلٍ والأرضَ من

تربه، وحزم يؤدّيه إلى أن الإنسان كيفما كان فهو في دار غربه، فلهذا عمل شدّ الدواوين وما حَل، وفعل فيه ما حَرُم وما حَلّ. ثم إنه عُزل وتوجه إلى طرابلس، وكان فيها مَصرعه، وترك من دمشق مَرْبعه.

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.

وكان نائباً بقلعة الروم، ثم نقل منها إلى حَماة، ثم إنه رُسم له بشدّ الدواوين بدمشق، فوصل إليها وباشر ذلك عوضاً عن الأمير زين الدين كَتْبغا في شهر رمضان سنة عشر وسبع مئة، وصلى الجمعة بالخلعة مع نائب دمشق في المقصورة، ولم يزل به إلى أن عُزل الأمير سيف الدين طوغان.

جاء من القاهرة في ثالث عشر صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وفي ذي الحجة توجه الأمير فخر الدين أياس المذكور من دمشق إلى طرابلس ليكون مقيماً في جملة الأمراء، وعزل من شدّ الدواوين بدمشق.

أَيان بفتح الهمزة، والياء آخر الحرف، وبعد الألف نون: الأمير سيف الدين الساقي الناصري.

كان أميراً بمصر يَسكن حِكْرَ جَوْهَر النوبي، اشترى دار الأمير شرف الدين حسين بن جُنْدُربك، ولمّا عاد أمير حسين إلى القاهرة أراد ارتجاعها، فدخل أيان على الأمير سيف الدين بَكْتُمر الساقي فمنعه منها، وكان السلطان قد رسم بإعادتها، ثم

إنه أُخرج إلى دمشق أميراً، فمكث بها مدة. ثم إن قوصون طلبه إلى مصر بعد خلع المنصور، فتوجه إليها، ولمّا جرى لقوصون ما جرى عاد إلى دمشق حاجباً صغيراً، وعَظُم إلى أن توجّه إلى حمص نائباً، وأقام بها قريباً من تسعة أشهر، ثم عُزل بالأمير سيف الدين قُطْلُقْتُمر الخليلي، وتوجّه أيان الساقي إلى غزة نائباً، فتوجه إليها مكرهاً، وأقام بها مدة شهر أو أكثر، ومرض مدة اثني عشر يوماً فكان بها أيّانُ وفاة أيَان، وأصبح بعد خبراً العَيان، وحُمل إلى القدس ودفن به.

وكانت وفاته في ثالث شهر رجب سنة ست وأربعين وسبع مئة.

وكان شديد الوطأة والعَبْسة، طويل النفس في الجَلْسة، لا يراعي خليلاً، ولا يحترم مَنْ كان جليلاً.

أيبك الأمير عز الدين التركي الحمويّ نائب السلطنة بدمشق، تولاّها بعد الأمير علم الدين الشجاعي في شوال سنة إحدى وتسعين وست مئة، ثم إنه عُزل عنها في سنة خمس وتسعين وست مئة، وولّى العادلُ مكانه مملوكه أغرْلو، وأُمسك بالقاهرة في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وست مئة وجُهّز إلى قلعة صرخد.

ثم إنه وُلي نيابة حمص، فوصل إليها وأقام بها شهراً واحداً إلى أن حُمّ أمر الحموي، فقضى نحبه ولحق من الأموات صَحبه.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة في عشري شهر ربيع الآخر.

وكان معروفاً بالشهامة، موصوفاً بالحزم في الظعن والإقامة، عنده اتضاع، وسكونٌ يألفه من الرضاع، ولما توفي في حمص نقل إلى تربته التي هي شرقي عَقَبة دُمّر.

أًيْبَك الأمير عز الدين الموصلي المنصوري نائب طرابلس.

كان مهيباً ذا وقار، كأنّ مَشيبه خليط ثلج وَقار، مجاهداً في الفرنج والتتار، مباعداً ما يُكسِب الآثام والأوزار. سيرته جميلة، وثناؤه يحكي نفسُه زهْر خميلة. من خير أمراء دهره وأشرف أبناء عصره، ولم يزل إلى أن أُبعد الموصلي عن أحبابه، وانفرد عن لِدَاته وأترابه.

وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس سنة ثمان وتسعين وست مئة.

أًيْبَك الأمير عز الدين الطويل المنصوري الخزندار.

كان أميراً ديِّناً، مؤهّلاً للصلاح معيِّناً، يواظب على التبكير إلى الجمعة، ويواصل التكبير بالتهليل مع إرسال الدمعة، تأمّر على الحج غَير مرّة، ولم يظلم أحداً بعصمة الله مِثقال ذرّة، طعَنَ في سنّه، وكم طَعَن في قِرنه، ولم يزل على حاله بدمشق إلى أن مضى لربّه حميداً، وترك " مالاً ممدوداً، وبنين شهوداً ".

ووفاته رحمه الله تعالى يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الأول سنة ست وسبع مئة.

أيبك الأشكري الأمير عز الدين، أحد الحجاب بدمشق.

كان من جملة أمراء الطبلخانات بها.

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة أربع عشرة وسبع مئة.

أيبك الأمير عز الدين الزويزاني الحاجب.

تجاوز السبعين، وتوفي بقرية من قُرى الساحل في مستهل شعبان سنة تسع وتسعين أو سنة سبع مئة.

أيبك الأمير عز الدين الرحّالي، بالحاء المهملة المشددة.

كان بنابلس أظنه والياً.

توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة أربع وسبع مئة، وكان له أولاد ملاح فضلاء.

أيْبك النجيبي.

الأمير عز الدين الدوادار.

كان أحد الأمراء، وفرداً في الكبراء، ولي البَرَّ فصدق في أقواله وبَرّ، فشكِرَتْ سيرته ما سَكِرَت بل صَحَتْ، وصحّت سَريرته، ولم تطل مدة الولاية، ولا امتدت به إلى غاية، إلى أن خَمَدت جمرته، وانجلت من خمار الحياة غمرته.

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبع مئة.

أيبك الأمير عز الدين الجمالي.

تولّى نيابة قلعة دمشق عوضاً عن الأمير سيف الدين بلبان البدري في ثامن عشر جُمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ثم ورد المرسوم بأن يكون الأمير سيف الدين بُهادر الشمسي أحدَ الأمراء بدمشق نائباً بقلعة دمشق، ويكون الأمير عز الدين أيبك نائباً بالقلعة، وذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة. ثم إنه ورد المرسوم بأن يتوجه إلى نيابة الكرك في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وسبع مئة، فتوجه إليها وعُوّض عنه في نيابة دمشق بالأمير سيف الدين بهادر الشمسي.

أيبك الأمير عز الدين المعروف بكرحبي من كبار الأمراء دمشق ومقدّميهم، كان شجاعاً فارساً مقدّماً مجاهداً يحفظ أحاديث الجهاد.

توفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.

أيْبَك الأمير عز الدين المعروف بالبُدَيوي الظاهري، الجَمْدار المُشد على الأملاك الظاهرية.

كان له فهمٌ ومعرفة.

توفي بدار الحديث الظاهرية في ثاني عُشري المحرم سنة تسع وسبع مئة.

أَيْتَمُش الأمير سيف الدين المحمدي.

كان أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق، وكان سكنه بظاهر دمشق بناحية مسجد القصب، وهو والد خليل الذي يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع