من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
جنغاي
بضم الجيم وسكون النون وبعدها غين معجمة وألف ممدودة وبعدها ياء آخر الحروف: سيف الدين مملوك الأمير سيف الدين تنكز.
كان رقيقاً أهيف، حلو الوجه أوطف، نحيلاً مصفرا، ضئيلاً بالسعادة مظفرا، لا يزال به قرحه، تنغص عليه من العيش كل فرحه، وتبدل كل مسرة بترحه، لأنه كان ينفث منها الدم والقيح، ويجد الألم مما لها من الفيح، ولأجل ذلك أفسح له أستاذه في استعمال القليل من الراح، والمداواة منها بما يصلح مزاجه لا بما يرتاض به ويرتاح، ولم نره كان عند أستاذه أعز منه ولا أقرب، وما كان يدعه في الخلوة يقف قدامه.
أخبرني القاضي علم الدين ناظر الجيوش، وكان مستوفي ديوان تنكز أولاً، قال: كان الأمير قد رسم لنا بأنه يطلق من الخزانة العشرة آلاف فما دونها، ويمضي أمره فيها ولا يشاور عليه. قال: ولم نعلم أنه مضى يوم من الأيام ولم ينعم عليه بشيء إلا فيما ندر. انتهى.
وكنا نراه في الصيد إذا خرج، يركب أستاذه ناحية، ويركب هو ناحية في
طلب آخر بازدارية، وكلابزيه، وأناس في خدمته، ويكون معه في الصيد مئتا عليقة، ويكون على السيباله خمس ست حويص ذهباً.
وعلى الجملة فما نعلم أن أحداً رزق حظوته عنده، كان يقال: إنه ذو قرابته، والظاهر أن ها هو الصحيح، لأن هذا جنغاي ما كان في مقام من يعشق، لأنه لم يكن أمرد ولا مليح الوجه. والله أعلم. ولم يكن له عنده وظيفة ليتوسط فيها بينه وبين الناس، بل أظنه كان ساقياً.
وفي آخ الأمر أرجف بأنه هو وطغاي أمير آخور تنكز، قد حسنا لأستاذهما التوجه إلى بلاد التتار، فطلبهما السلطان منه، فلم يجهزهما، ولما أمسك تنكز قبض عليهما، وأودعا في قلعة دمشق، فلما حضر بشتاك إلى دمشق أحضرهما قدامه، وسلمهما إلى برسبغا، فضربهما بالمقارع ضرباً عظيماً إلى الغاية في الليل والنهار، واستخرج ودائعهما، وقررهما على مال أستاذهما، ثم بعد جمعة ركب بشتاك، ووقف في الموكب بسوق الخيل وأحضرهما، ووسطهما بحضور أمراء مصر والشام، وذلك في العشر الأول من شهر الله المحرم سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، ووسط معهما أوزان تنكز.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع