من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
المنصوري الأعسر
كان من كبار الأمراء في مصر والشام، وممن تجمل به الدول والأيام، عارفاً بما يتحدث فيه، خبيراً بالكلام الذي يخرج من فيه. وكانت له في الشام صورة كبيره، وعزمة شهيره، ومباشرة للأموال مثيره.
ركب الأهوال ونكب، وسلب ماله وبين يديه سكب، ثم إنه انتصر، وشره في المباشرات وما اقتصر. وندب في المهمات مرات، وتولى الشد كرات.
ولم يزل إلى أن ثبت إعسار الأعسر من حياته، وأصبح ثمر روحه في يدي جناته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وسبع مئة.
كان مملوك الأمير عز الدين أيدمر الظاهري النائب بالشام، ودواداره، وكانت نفسه تكبر عن الدواداريه. ولما عزل مخدومه، وأرسل إلى مصر في الدولة المنصوريه، عرضت مماليكه على السلطان، فاختار منهم جماعة، منها سنقر هذا، فاشتراه وولاه نيابة الأستاذ درايه.
وفي سنة ثلاث وثمانين وست مئة أمره بالشام، ورتبه في شد الديوان والأستاذ دارية. وأقام بالشام، وله سمعة زائدة وعظمة إلى أن توفي الملك المنصور، وتولى الأشرف، فكان في خاطر الوزير شمس الدين بن السلعوس منه، فطلب إلى مصر، وعوقب وصودر، فتوصل بتزويج ابنة الوزير، وكتب صداقها بألف وخمس مئة دينار، فأعاده إلى الحالة الأولى.
ولم يزل إلى دولة الملك العادل كتبغا ووزارة الصاحب فخر الدين بن الخليلي، فقبض على الأمير شمس الدين المذكور وعلى الأمير سيف الدين أسندمر، وصودرا وأخذ من الأعسر قريباً من خمس مئة ألف درهم، وأهانه الوزير غير مرة، وعزله عن الشد بفتح الدين بن صبرة، وتوجه الأعسر صحبتهم إلى مصر.
ولما وثب حسام الدين لاجين على كتبغا في ذي الحجة سنة ست وتسعين وست مئة، ورسم للأمير سيف الدين قبجق بنيابة الشام، ولي الأعسر الوزارة وشد الدواوين في شهر رجب سنة ست وتسعين وست مئة، ثم إنه قبض عليه، ثم ولي الوزارة بعد ذلك، وعامل الناس بالجميل، وتوجه لكشف الحصون في سنة سبع مئة أو في آخرها، ورتب عوضه في مصر عز الدين أيبك البغدادي. فاستمر الأعسر أمير مئة وعشرة مقدم ألف. وحج صحبة الأمير سيف الدين سلار.
وتوفي بمصر بعد أمراض اعترته.
وغالب مماليكه تأمروا بعده.
وفيه يقول علاء الدين الوداعي لما سبق الناس والأمراء أجمعين في عمارة الميدان، ومن خطه نقلت:
لقد جاد شمس الدين بالمال والقرىفليس له في حلبة الفضّل لاحق
وأعجز في هذا البناء بسبقهوكلّ جواد في الميادين سابق
وفيه يقول لما أمره السلطان بقطع الأخشاب من وادي مربين للمجانيق، ومن خطه نقلت:
مربّين شكراً لإحسانهافقد أطربتنا بعيدانها
ولولا الولاء لما واصلتولا طاوعت بعد عصيانها
أتانا بها وهي مأسورةٌوآسرةٌ أسد غيطانها
ولم نر من قبله غائراًأتى بالدّيار وسكّانها
ولا عدمت عدله ملّةٌيدبّر دولة سلطانها
وفيه يقول الشيخ صدر الدين بن الوكيل موشحاً، وهو:
دمعي روى مسلسلا بالسّند عن بصري أحزاني
لما جفا من قد بلا بالرّمد والسّهر أجفاني
غزال أُنسٍ نافرسطت به التّمائم
وغصن بانٍ ناضرأزهاره المباسم
قلبي عليه طائرتبكي له الحمائم
إن غاب فهو حاضربالفكر لي ملازم
كم قد لوى على الولا من موعد لم يفكر في عان
وقد كفا ما قد بلى بالكمد والفكر ذا الجاني
أزرى بغزلان النّقاوبانه وحقفه
كم حلّ من عقد تقىًبطرفه وظرفه
لم أنسه لمّا سقىمن ثغره لإلفه
سلاف ريقٍ روّقافي ثغره لرشفه
قد احتوى على طلا وشهد ودرر مرجاني
قد رصّفا وكلّلا بالبرد والزّهر للجاني
أماله سكر الصّباميل الصّبا لقدّه
وفكّ أزرار القباوحلّ عقد بنده
وسّدته زهر الرّباوساعدي لسعده
وبتّ أرعى زغبامن فوق ورد خدّه
مثل الهوى هبّ على روضٍندي من طررٍ ريحاني
قد لطفا حتى غلا مورّد مزهّر نعماني
خدٌّ به خدّ البكافي صحن خدّي غدرا
وردّ لمّا أن شكاسائل دمعي نهرا
كم مغرمٍ قد تركابين البرايا عبرا
يا من إليه المشتكىالحال تغني النّظرا
زاد الهوى فانهملا دمعالصّدي كالمطر هتّان
وما انطفا واشتعلا فيكبدي كالشّرر نيراني
يا فرحة المحزونوفرحةً لمن يرى
إن صلت بالجفونوصدت من جفني الكرى
فليس لي يحمينيسوى الذي فاق الورى
شمس العلا والدينأبي سعيدٍ سنقرا
مولىً هوى كلّ علا وسؤدد من معشر فرسان
وقد صفا ثمّ حلا في المورد للمعسر والعان
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع