تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

علي بن إبراهيم بن علي

ابن معتوق بن عبد المجيد بن وفا، علاء الدين أبو الحسن الواسطي الأصل البغدادي المنشأ، الواعظ المعروف بابن الثردة، بالثاء المثلثة والراء والدال.

قدم إلى دمشق مرات ووعظ بها، وأخذ من فضتها وذهبها، ولكنه في المرة الأخيرة تغيرت حاله، وتغبت سماء عقله وغزاله، فالتحق بعقلاء المجانين، وسلك من الهذر في أفانين، وكان يثوب إليه عقله في بعض الأوقات، وتكون منادمته ألذ من الأقوات، فينشد الأشعار الرائقة له ولغيره، ويبذر الحب لسقوط طيره، ثم يعاود الاختلال والاختلاط، وينخل، إذ ينخل من الرباط. رأيته في هذه الحالة وهو

يجاري القاضي شهاب الدين بن فضل الله بيتاً فبيتاً، ويسبق إلى نظم البيت حتى إخاله كميتاً.

وابتدأ بعمل كارة صغيرة يحملها تحت إبطه، ويجتهد عليها بكل جهده وضبطه. وهو يزيدها في كل يوم مما يراه مطرحاً في الطرق، إما خيطاً أو حبلاً ويديره عليها كالنطق، وتلك في كل يوم تنمو وتزيد، وهو يقاسي من حملها العذاب الشديد، حتى إنه يكون في الطهارة وهو يكابد حملها، وما ينكر حملها. ولما كان آخر وقت ضعف عن حملها فألقاها، وعجز عن ضمها ومعالجة شقاها.

وأصبح ابن الثردة طعام الدود، وشخصه المنتصب وهو تحت الأرض ممدود.

وتوفي رحمه الله تعالى بالبيمارستان النوري في أول شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مئة.

وسألته عن مولده، فقال: في ثاني عشري شعبان سنة سبع وتسعين وست مئة.

وكان في هذا الاختلاط يدعي أنه كانت له ببغداد كتب تقدير الألفي مجلد، وأن جماعة من التجار الذين قدموا إلى دمشق اغتصبوها وأخذوها منه، ولم يلق من يساعده على ذلك.

وكان ذلك من مخيلة السوداء، فساءت حاله وأضرت به، وأخذه الولع الزائد في هذه الكارة، ويطلبها الناس منه فيقول: لو دفع لي فيها ألف دينار ما أبعتها. وكان قد أتى إلى بعض الحكام وادعى عنده، وهو في هذه الحالة، على التجار الذين

أخذوا كتبه، فقال له القاضي: يا شيخ علاء الدين، قولك دعوى، ألك بينة تشهد بذلك؟ فقال له: كيف يكون لي بينة، وقد صفعوك منها بمئتي مجلد، يعني دفعوها برطيلاً، فضحك القاضي والحاضرون منه.

وعلق عني أشياء من نظمي، وعلقت عنه. وقال لي يوماً: أنشدني هذين البيتين اللذين لك في الجناس، وأنا قد حفظتهما، ولكن أشتهي أسمعهما منك لأرويهما بالسماع. فأنشدته لنفسي:

أتاني كتاب فيه أن محبتيتلاشت كما قيل أي تلاشي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أتاني كتاب فيه أن محبتي»
فيا قبح ما قد ضم جانب طرسهفضائح واش في فضاء حواشي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أتاني كتاب فيه أن محبتي»

وكان إذا دفع إليه أحد شيئاً من دراهم أو غيرها يقول: من أنت؟ أظن عندك شيء من كتبي، فأنت تبرطلني على ذلك. ولا يقبل لأحد شيئاً.

وكنت أراه فأتألم لحاله، وأتوجع لما أصابه. وكنت أخضع له وأتذلل وأعطيه شيئاً قليلاً من الدراهم، فيقول: يا مولانا، والله لا أريد شيئاً من مالك. فأقسم عليه وأقول: لا بد من ذلك، فأنا محبك وراوية شعرك. فيأخذ من عرض ذلك درهماً واحداً، ولا يزيد على ذلك. فعله مرات.

وكتب، وهو في هذه الحالة، قصة للأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي نظماً، نقلت ذلك من خطه، وهي:

يا نائب السلطان لا تك غافلاًعن قتل قوم للظواهر زوقوا
قوم لهم وقع وذكر في الورىويرى عليهم في المهابة رونق
وإذا رأوا شيئاً عليه تحيلوافي أخذه وتأولوا وتملقوا
ما هم تجار بل لصوص كلهمفأمر بهم أن يقتلوا أو يشنقوا
المين دأبهم إذا ما حدثواما فيهم من في كلام يصدق
مرقوا من الدين الحنيف بأسرهمكالسهم ظل من الرمية يمرق
كم أستغيث وكم أضج وأشتكيمنهم إليك وكم لقلبي أحرقوا
سدوا علي الطرق بغياً منهمأني اتجهت وللأعادي أذلقوا
وأتوا بمالي من لآمة طبعهمنحو الشآم وبينهم قد مزقوا
وأراك لا تجدي إليك شكايةإلا كأنك حائط لا ينطق
ماذا جوابك حين تسأل في غدعنهم ورأسيك من حيائك مطرق
ما أنت راع والأنام رعيةوإذا ركبت، لك الملوك تطرق؟
كن منصف المظلوم من غرمائهفالبغي مصرعة وفعل موبق
واكشف ظلامة من شكا من خصمهفالحق حق واضح هو مشرق
لا تعف عن قوم سعوا لفسادهمفي الأرض بغيا منهم وتجوقوا
وانصب لهم شرك الردى إن أنجدواأو أتهموا أو أشأموا أو أعرقوا
لا تنبرق منهم وإن هم أسرجواأو ألجموا أو أرعدوا أو أبرقوا
ومتى ظفرت بمفسد لا تبقهفبقاؤه للناس ضر مقلق
واكفف أكف الظالمين عن الورىليكف عنك الله شراً يطرق
لا زلت سيفاً للأعادي قاطعاًورؤوسهم مهما حييت تحلق
وبقيت في مجد رفيع لا يهيوبنود نصرك عاليات تخفق

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.