تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عيسى بن المحب

شرف الدين النابلسي المعروف بالناسخ في القاهرة.

كتب الخط المنسوب، وأتى به وهو في عداد الرياض محسوب، وجود النسخ وأتقنه، ونمقه وحسنه، فعرف بالناسخ لذلك، واشتهر به اشتهار النجم في الليل الحالك.

وكان ينظم الشعر، ويتعاطى فيه مغالاة السعر.

لبث في السجن بضع سنين، وكان اللطف بأذاه ضنين، ثم إنه خرج من غيابة جبه، ولكنه حصد بذر حبه، فشعشعت له النار رحيقاً، ومات فيها حريقاً.

وتوفي رحمه الله تعالى في سنة اثنتين وثلاثين أو ثلاثين وسبع مئة بالقاهرة.

وكان قد جود واجتهد إلى أن حاكى خط القاضي علاء الدين بن الأثير وكان يوقع على هوامش القصص بما يريد ويتوجه صاحب القصة بها إلى بعض الموقعين، فيكتب بما سأله وهو لا يشك أن ذلك خط ابن الأثير، ويأخذ صاحب القصة الكتاب ويتوجه به إلى الدوادار فيرى خطاً معروفاً فيدخل به في فوطة العلامة ويعلم له السلطان ويخرج الكتاب، والكل صحيح، وما يرى أحد خط السلطان إلا ويكتب عليه علامته والاعتماد، ومشت بذلك أحوال، وحار الناس في ذلك ولا يعلم أحد ممن أتى عليه أصل الفساد من أين، إلى أن أمسك شرف الدين هذا فأخذه القاضي علاء الدين ودخل به إلى السلطان الملك الناصر محمد وحكى له الصورة، فقال له: أنا هذا ما زور علي، فإنما زور عليك فأمره إليك، فأودعه في سجن القلعة، فلبث قريباً من سبع سنين. ولما جرى للقاضي علاء الدين ما جرى من الفالج حدث في أمره فأفرج عنه،

وكان القاضي بعد إطلاعه على أمره لا يمكن أحداً من الموقعين يكتب على قصة حتى يكتب هو اسم من يوقع عليها، ومن ذلك التاريخ صار ذلك رسماً لكاتب السر يكتب على القصص اسم الموقع.

وبلغني عن هذا شرف الدين أنه كان في السجن يزور أشياء في الوصولات وغيرها ومكث بعد خلاصه من السجن مدة قريباً من أربع سنين. ثم إنه نام ليلة ونسي روحه والطوافة في يده تقد، فاحترق اللحاف الذي عليه وتعذر خلاصه فأصبح في بيته ميتاً محترقاً.

وكان قد كتب إلي من السجن وأنا بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة:

يعز على عيسى وجود خليلهبمصر وعيسى بات في قبضة السجن
فيا نار أشواقي تلظت بها الحشاولم يطفها من مقلتي واكف المزن
ويا حسرتا لو فزت يوماً برؤية ال؟محيا الذي أزرى على البدر في الدجن
أمولاي إني قد سمعت فضائلاًظهرت بها في مصر في غاية الحسن
فسارت بها الركبان في ساحة الفلاوغنى بها الملاح إذ صار في السفن
لقد فقت فرسان البلاغة كلهموما أحداً عن ذاك في مصر أستثني
عسى نفثة من در شعر نظمتهأحلي بها جيدي إذا شنفت أذني

فكتبت أنا إليه:

خليل أتى مصراً وعيسى محجبمن الدهر في سجن فلا كان من كن
لئن كان في سجن فكل مهندإذا ادخروه للردى بات في جفن
فيا زهر روض حجبته كمامهعسى تتفرى عنه في ذروة الغصن
حنانيك إني فيك من شدة الأسىنقمت الرضى حتى على ضاحك المزن
فصبراً على ما قد منيت كأنماالزمان على الأحرار مثلك ذو ضغن
فقد يخرج الإصباح من ظلمة الدجىوقد تطلق الصبهاء من حرج الدن
كأني بذاك الوجه يبدي نضارةوقد برقعته بالحيا راحة الحسن
وقالت له الأيام وهي جديرةبكل قبيح أن تخون وأن تجني
أعيسى لقد شاركت في الحسن يوسفاًفشاركه أيضاً في الدخول إلى السجن

وأنشدته يوماً لنفسي بعدما خرج من السجن:

يا قلب إن رق خد ال؟حبيب أو لان عطفه
فشعره كم تجافىوكم تثاقل ردفه

فأنشدني هو لنفسه:

شكوت الذي ألقى سهاداً وعبرةفوكل جفني أنه قط لا يغفو
فلانت لي الأعطاف والخصر رق ليولكن تجافى الشعر واثاقل الردف
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «شكوت إلى ذاك الجمال صبابة»

قلت: في البيت الأول نظر، وهو أنه لا يقال إلا أغفى يغفي، ولم يسمع في فصيح الكلام يغفو، وفي البيت الثاني نظر.

ثم إنني بعد ذلك قلت في هذه المادة:

في القلب من هاجري لوعةبغير تلافيه ما تندمل
فيا شعره بعض هذا الجفاويا ردفه أنت ما تنحمل

والأصل في ذلك كله قول شمس الدين محمد بن التلمساني:

يا خصره كم جفاتبدي وأنت نحيل
يا ردفه نح عنهما أنت إلا ثقيل

وقوله أيضاً:

يا ردفه جرت على خصرهكم تعتدي ما أنت إلا ثقيل

وقوله أيضاً:

كأن الشعر يطلبني بدينفكم يجفو علي ويستطيل
للشاعر سيف الدين المشد، اقرأ القصيدة

وكنت قد قلت أنا قديماً:

يا ظالماً حل في ضميريوألزم القلب أن تحول
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ظالما حل في ضميري»
تعلم الشعر منك لمارأى غرامي جفا وطول
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ظالما حل في ضميري»

وقلت أيضاً:

وبي رشأ معاطفه رشاقوكم رشقت لواحظه نبالا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «وبي رشأ معاطفه رشاق»
له شعر حكاه في التجنيعلى ضعفي تجافى واستطالا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «وبي رشأ معاطفه رشاق»

؟؟

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.