تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن أحمد بن عيسى

ابن رضوان القليوبي المحتد، القاضي الفاضل الأديب فتح الدين.

اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي على أبيه وعلى غيره، وتأدب. له الشعر الجيد، والنظم الذي به السمع متقيد، يلهي الندامى عن الأوتار، ويغنيهم عن معاطاة كؤوس العقار.

وكانت فطرته ذكيه، ونفسه فيها بقايا من لوذعيه، واسع الكرم والجود، لا يبقي على موجود، كثير التبذير، غزير التنديب والتنذير، واسع الخيال، زائد التوهم والاحتيال، إلا أنه تعب بخياله، وحصل له أنكاد منعته من طيف خياله.

ولم يزل بذلك في نكد، وما يهب نسيم سعوده، حتى يراه وقد ركد.

ولم يزل على حاله إلى أن انقلب القيلوبي في حفرته، وأورث أصحابه دوام حسرته.

وتوفي - رحمه الله تعالى - في ليلة ثالث عشر جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبع مئة.

ومولده في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وست مئة.

حضر هذا فتح الدين إلى صفد قاضي القضاة، بعدما عزل عنها القاضي شرف الدين محمد النهاوندي، وأقام بها قليلاً، وعاد إلى الديار المصرية. وكان كثير التخيل والتوهم، فتوهم شيئاً في قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فحصلت الوحشة بينهما، فأعرض عنه بعد الإقبال عليه، وجفاه، وأعده، وألجأته الضرورة والحاجة إلى قيام الصورة، حتى ناب القاضي عز الدين عبد العزيز بن أحمد الأشمومي بمدينة المحلة. ثم إنه حصلت بينهما نفرة من خياله، فعاد إلى القاهرة، وأقام بها مدة لطيفة، وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.

وله نوادر طريفة، منها: قال كمال الدين الأدفوي - رحمه الله تعالى -: حكى لي فتح الدين قال: كنت أجلس دائماً فوق الصدر سليمان المالكي، فجاء مرةً لمجلس قاضي القضاة ابن مخلوف المالكي، فجلس فوقي، فقلت لقاضي القضاة: قال ابن شاس: إن مالكاً ﵁ كره طول اللحية جداً، - قوله " جداً " وصف للكراهة أو للحية - وكان الصدر طويل اللحية، فقام من المجلس. وقلت له مرة: من أي بلد أنت؟ فقال: من شبرا مريق، فقلت له: بلدة مليحة هي! فقال: ما فيها أكثر من الشعير، فقلت له: لأجل ذلك أخذت في وجهك مخلاة.

وطلبوه مرة ليرسلوه إلى العراق، فجلس معي، يشكو إلي، فقلت: يا صدر الدين! ما أوقعك في هذه الحرية إلا هذه الذقن، فتوجه الصدر رسولاً، ثم حضر، فقال له فتح الدين: أي شيء غنمت في هذه السفرة؟ قال: كبرت لحيتي، قال: هذه الغنيمة الباردة.

وجمع فتح الدين من هذه الأشياء كراسة، وسماها " نتف الفضيلة في اللحية الطويلة ".

قلت: لو قال: " نتف الفضيلة في نتف اللحية الطويلة "؛ لكان ذلك حسناً، وقد ذكرت هنا ما اتفق للشيخ تاج الدين الكندي والحافظ ابن دحية، وكان الشيخ تاج الدين جالساً إلى جانب الوزير - أظنه ابن شكر -، فجاء ابن دحية، فجلس من الجانب الآخر، فأورد ابن دحية حديث الشفاعة، فلما وصل إلى قول إبراهيم ﵇: " إنما كنت خليلاً من وراء وراء "، وفتح ابن دحية الهمزتين؛ فقال الكندي: وراء وراء بضم الهمزتين، فعز ذلك على ابن دحية، وقال للوزير: من ذا الشيخ؟! فقال: هذا الشيخ تاج الدين الكندي، فتسمح ابن دحية في حقه بكلمات، فلم يسمع الكندي إلا قوله: هو من كلب قبيح. وصنف ابن دحية في ذلك مصنفاً، وسماه " الصارم الهندي في الرد على الكندي "، وبلغ ذلك تاج الدين الكندي، فعمل مصنفاً، وسماه " نتف اللحية من ابن دحية ".

قلت: قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: رأيت في " أمالي " أحمد بن يحيى ثعلب جواز الأمرين. انتهى.

قلت: قال الأخفش: يقال من وراء، فترفعه على الغاية، إذا كان غير مضاف تجعله اسماً وهو غير متمكن. كقولك: من قبل ومن بعد، وأنشد:

إذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكنلقاؤك إلا من وراء وراء

هكذا أثبته بالرفع.

رجع ما انقطع من بقية ترجمة القاضي فتح الدين القليوبي: وقال له يوماً فخر الدين الأحدب المعروف بابن القابلة: كان والدي يدعو الله تعالى أن يرزقه ولداً نجيباً، فقال فتح الدين: لا جرم أنك جئت بختياً، قال فتح الدين: كان بيني وبين الجلال الهوريني صحبة ورفقة، فولي قضاء منية بني خصيب، فأهدى إلى بسراً، فوجدت نواه كثيراً، فكتبت إليه:

أرسلت لي بسراً حقيقته نوىعار فليس لجسمه جلباب
للشاعر فتح الدين العسقلاني القاضي، من قصيدة «أرْسلت لي بسراً حَقِيقَته نوى»
ولئن تباعدت الجسوم فودناباق، ونحن على النوى أحباب

قلت: سبقه إلى هذا التضمين سراج الدين الوراق - رحمه الله تعالى -، ونقلته من خطه، قال: أهدى إلي الرشيد الماوردي قدور تمر كربس، فكتبت إليه من أبيات:

يا من غدا لي واضعاً بقدورهقدراً له فوق السماء قباب
جاءت بأنواع النوى، فمجلببأدماً، وعار ماله جلباب
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «جاءت بأنواع النوى فمجلبب»
وعلى النقير لتمرها أثر عفىفهدى إليه الحائرين ذباب
أرجيع ما لاك الحجاز بعثتهوالرزق سد فما لديه باب
أم خلت زجاجاً أخاك ومصر منشؤم النوى قفر الرحاب يباب
وإذا تباعدت الجسوم فودناباق، ونحن على النوى أحباب
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا صاحبا لي أن يغب فعهوده»

وأنشدني شيخنا العلامة أبو حيان، قال: أنشدني فتح الدين المذكور لنفسه:

تظافر الموت والغلاءهذا لعمري هو البلاء
للشاعر فتح الدين العسقلاني القاضي، من قصيدة «تظافر الْمَوْت والغلاء»
والناس في غفلة وجهللو فطن الناس ما أساؤوا
للشاعر فتح الدين العسقلاني القاضي، من قصيدة «تظافر الْمَوْت والغلاء»

وأنشدني أيضاً، قال: أنشدني لنفسه:

إني لأؤثر أن أراك، ولست أوثر أن تراني
للشاعر فتح الدين العسقلاني القاضي، من قصيدة «أَنِّي لأوثر أَن أرا ك»
علماً بأني في السماع أجل مني في العيان
للشاعر فتح الدين العسقلاني القاضي، من قصيدة «أَنِّي لأوثر أَن أرا ك»

قلت: من قول الأول:

أنا المعيدي، فاسمع بي، ولا تراني

والأصل في هذا المثل المشهور: " يسمع بالمعيدي خير من أن تراه ".

وأنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:

علقته محدثاًشرد من عيني الوسن
للشاعر فتح الدين العسقلاني القاضي، من قصيدة «علقته مُحدثا»
حديثه ووجههكلاهما عندي حسن
للشاعر فتح الدين العسقلاني القاضي، من قصيدة «علقته مُحدثا»

قلت: ذكرت هنا ما قلته أنا في محدث:

محدث ذو قوامقوامه في العوالي
وطرفه ليس يغرىإلا بجرح الرجال

وقلت فيه أيضاً:

قال حبيبي لا تحدث بأوصافي من لا عنده معرفه
فإنه لين قدي وإنحدثته عن ناظري ضعفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قال حبيبي لا تحدث بما»

وأنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني في فتح الدين لنفسه:

يا أيها المولى الوزير الذيإفضاله أوجب تفضيله
أحسنت إجمالاً ولم ترض بالإجمال إذ أرسلت تفصيله
للشاعر فتح الدين العسقلاني القاضي، من قصيدة «يَا أَيهَا الْمولى الْوَزير»

قلت: وذكرت أنا هنا قولي:

وقف القضيب لما مشىوجرت دموع العين في تحصيله
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «وقف القضيب لقده لما مشى»
رشأ كساه الحسن منه حلةًجاءت بجملتها على تفصيله
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «وقف القضيب لقده لما مشى»

قلت: ولفتح الدين المذكور موشحة مليحة أولها:

قد حدثت ألسن التجارببكل ما فيه معتبر
وأنت يا حاضراً كغائبفلست تصغي إلى الخبر
تعايش الناس منذ كانوابالمكر والحقد والحسد
وخلفوا ذكرهم وبانوالم يصلحوا منه ما فسد
إلا القليل الذين دانوابالحق في المسلك الأسد
والكل للترب في سباسبقد أودعوا ضيق الحفر
قد عوملوا بالذي يناسبمن كل خير وكل شر

وقد ذكرتها كاملة في الجزء السابع والثلاثين من " التذكرة " التي لي، وهي موشحة جيدة صنعة.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.