تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم

شيخ الإمامية وعالمهم شمس الدين الهمداني الدمشقي السكاكيني الشيعي.

قال شيخنا الذهبي، رحمه الله تعالى: حفظ القرآن بالسبع، وتفقه وتأدب، وسمع في حداثته من الرشيد بن مسلمة، والرشيد العراقي، ومكي بن علان وجماعة، وخرج له ابن الفخر عنهم.

وربي يتيماً فأقعد في صناعة السكاكين عند شيخين رافضيين، فأفسداه، وأخذ عن أبي صالح الحلبي، وصاحب الشريف محيي الدين بن عدنان.

وله نظم وفضائل، ورد على التلمساني في الاتحاد. وأم بقرية جسرين مدة، ثم

أخرج منها. وأم بالسامرية، ثم إنه أخذه منصور بن جماز الحسيني معه إلى المدينة، لأنه صاحبها، واحترمه. وأقام بالحجاز سبعة أعوام، ثم رجع.

وهو شيعي عاقل، لم يحفظ عنه سب، بل نظم في فضائل الصحابة.

وكان حلو المجالسة، ذكياً عالماً فيه اعتزال، وينطوي على دين وإسلام، وتعبد، على بدعته، وترفض به ناس من أهل القرى.

قال الشيخ تقي الدين بن تيمية، رحمه الله تعالى: هو ممن يتشيع به السني، ويتسنن به الرافضي. وكان يجتمع به كثيراً وقيل: إنه رجع آخر عمره عن أشياء.

نسخ " صحيح " البخاري، وكان ينكر الجبر ويناظر على القدر.

وتوفي في سادس عشري صفر سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.

ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.

قلت: لما كان يوم الاثنين حادي عشري ذي الحجة سنة خمسين وسبع مئة، أحضر صلاح الدين محمد بن شاكر الكبتي بدمشق إلى شيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى كتاباً في عشرين كراساً قطع البلدي في ورق جيد، وخط مليح سماه مصنفه " الطرائف في معرفة الطوائف " افتتحه بالحمد لله وشهادة أن لا إله إلا الله فقط. وقال بعد ذلك: " أما بعد فإنني رجل من أهل الذمة ولي على الإسلام حرمة، فلا تعجلوا بسفك دمي قبل سماع ما عندي، ثم أخذ في نقض عرا الدين عروة بعد عروة، وأورد أحاديث وتكلم على متونها، وتكلم في جرح الرجال وطعن عليهم،

كلام محدث عارف بما يقول، وذكر أموراً دلت على زندقته وتشيعه، وختم ذلك بأن قال: ولله القائل:

فإن كنت أرضى ملةً غير ملتيفما أنا إلا مسلم أتشيع

وشهد صلاح الدين المذكور وآخر من أهل الحديث المعروفين بأن هذا خط شمس الدين السكاكيني، فظهر من ذلك أنه تصنيفه، لأنه قال في فهرست الكتاب المذكور: تصنيف عبد المحمود بن داود المصري، وقال شيخنا عماد الدين بن كثير: الأبيات التي كتبت للشيخ تقي الدين، أولها:

أيا معشر الإسلام ذمي دينكم...........................

وقد ذكرتها أنا في ترجمة الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي كاملة لهذا السكاكيني. فقطع شيخنا قاضي القضاة هذا الكتاب الملعون وغسله وحرقه، قال - رحمه الله تعالى: أخذته معي إلى بستان لأنظر فيه ونويت تقطيعه وغسله، ثم إنني انتبهت في الليل وقلت لنفسي: لعلك يا علي لا تصبح غداً، فقمت في الليل وقطعته وغسلته، قلت: والله أعلم لحقيقة حال هذا الرجل.

ولكن الذي ظهر لنا أنه كان متزندقاً، غير مسلم.

وقالوا: إن قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم رجع من جنازته.

ونقلت من خط شيخنا علم الدين البرزالي، قال أنشدني لنفسه:

أجزت لهم ما يسألون بشرطهأثابهم ربي ثواب أولي العلم
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «أجزت لَهُم مَا يسْأَلُون بِشَرْطِهِ»
ووفقهم أن يعملوا بالذي رووافعال أولي الإخلاص والجد والعزم
وكاتبها العبد الفقير محمدهو ابن أبي بكر بن قاسم العجم
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «أجزت لَهُم مَا يسْأَلُون بِشَرْطِهِ»
ومولده في عام خمس وبعدهاثلاثون والست المئون لدى النجم
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «أجزت لَهُم مَا يسْأَلُون بِشَرْطِهِ»

ونقلت منه أيضاً ما خاطب به صاحب المدينة منصور ورميثة صاحب مكة:

ألا يا ذوي الألباب أصغوا لناطقبحق وباغي الحق من ذا يدفعه
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «أَلا يَا ذوى الْأَلْبَاب اصغوا لناطق»
إذا لم نسل النبي محمدنتابعه في الدين من ذا نتابعه
فإن كان مسبوقاً وذو البعد سابقاًإلى المصطفى والدين من ذا يمانعه
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «أَلا يَا ذوى الْأَلْبَاب اصغوا لناطق»
فكم من بعيد للشريف معلمطرائق آباء له وهو سامعه
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «أَلا يَا ذوى الْأَلْبَاب اصغوا لناطق»
وهذا بديع في الزمان وأهلهوما زال الدهر جم بدائعه
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «أَلا يَا ذوى الْأَلْبَاب اصغوا لناطق»

ونقلت من خط الشيخ شهاب الدين بن غانم، قال أنشدني الشيخ شمس الدين السكاكيني لنفسه:

هي النفس بين العقل والطبع والهوىوما العقل إلا كالعقال يصونها
فداعي الهوى يدعو إلى ما يشينهاوداعي النهى يدعو إلى ما يزينها
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «هِيَ النَّفس بَين الْعقل الطَّبْع والهوى»
فإن أطلقت من غير قيد توثبتعلى حظها الأدنى وزاد جنونها
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «هِيَ النَّفس بَين الْعقل الطَّبْع والهوى»
وإن نظرت بالعقل ينبوع نورهأضاءت لها الظلمات طاب معينها
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «هِيَ النَّفس بَين الْعقل الطَّبْع والهوى»
وحنت إلى الذكر الحكيم تدبراًرياض معانيه وذاك يعينها
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «هِيَ النَّفس بَين الْعقل الطَّبْع والهوى»
وفزت به منه إليه محققاًوعادت إلى الأكوان تزكو فنونها
فأكرم بها نفساً زكت مطمئنةًبمحبوبها قرت لديه عيونها
للشاعر شمس الدّين السكاكيني، من قصيدة «هِيَ النَّفس بَين الْعقل الطَّبْع والهوى»
فياذا الذي ضيعت نفسك في الهوىتروم لها عزاً وأنت تهينها

أجب إذا دعاك الحق طوعاً لأمره بطيب رضا نفس قوي يقينها

ولا تبخلن بالنفس إذ هي ملكهإليه بها فارجع فأنت أمينها

قال شيخنا علم الدين البرزالي: حدثني قاضي القضاة شمس الدين محمد بن مسلم الحنبلي، قال: كنت بالجامع بعد الجمعة وقد أحضرت جنازته، فقمت وصليت عليه ومشيت مع الجنازة إلى قريب المدرسة الركنية، فأخبرت أنها جنازته، فرجعت من هناك، ولم أشهد دفنه، وذلك لأنه كان رافضياً داعية إلى الرفض، أقام بعدة قرى فرفض أهلها وأخرج من الصالحية لهذا السبب.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.