تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن جنكلي

الأمير ناصر الدين ابن الأمير بدر الدين جنكلي ابن البابا الحنبلي.

تقدم ذكر والده في حرف الجيم مكانه.

كان جمال المواكب، وثمال الكواكب، أحسن خلق الله وجهاً وقواما، كأنه غصن بان ركب الله في أعلاه قمراً تماما، مع أخلاق ما للنسيم لطفها، ولا لأزاهر الرياض اليانعة عرفها، ولا للغصون الناعمة لينها ولا عطفها، وسماح يتعلم السحاب سحه، ويظهر من البحر شحه، وكتابة إن وصفتها بالخمائل أخملتها، وإن قلت: هي كالعقود، فقد نقصت من قدرها وأهملتها، تصبح بها السطور وقد توشت، والعيون وقد تردت بالمحاسن وتغشت، وفقه ما لابن حزم حزمه، ولا لابن عبد البر نقله ولا جزمه، وحديث ما ترقى الخطيب درجه، ولا ألم به ابن عساكر ولا خرجه، وأسماء رجال يغرق فيها ابن نقطه، ويتحقق سامعه أنه ما عند السمعاني بعدها غبطه، وأدب ما وصل الحصري إلى أنماطه، ولا صاحب " الذخيرة " إلى التقاطه، ولا صاحب " القلائد " إلى تيجانه وأقراطه، وشعر راق نسجه، ولاق نهجه:

شخص الأنام إلى جمالك فاستعذمن شر أعينهم بعيب واحد
للشاعر كشاجم، من قصيدة «يا كامل الآداب منفرد العلا»

ولم يزل على حاله إلى أن حل بحماه الحمام، وأبكى عليه حتى الحمام.

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.

ومولده سنة سبع وتسعين وست مئة.

كان أولاً قد اشتغل بمذهب أبي حنيفة، ثم إنه تمذهب للإمام أحمد بن حنبل

وأنشدني من لفظه لنفسه غير مرة:

بك استجار الحنبليمحمد بن جنكلي
فاغفر له ذنوبهفأنت ذو التفضل

وكتب طبقة واشتغل في غير ما فن، ولم يزل مواظباً على سماع الحديث، واختلط بشيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس وبه تخرج، وعنه أخذ معرفة الناس وأيامهم وطبقاتهم وأسماء الرجال.

وكان آية في معرفة فقه السلف ونقل مذاهبهم وأقوال الصحابة والتابعين، وهذا أجود ما عرفه، مع مشاركة جيدة في العربية والطب والموسيقا.

وكان في النظم متوسط الطبقة وربما تعذر عليه حيناً، لكن له ذوق في الأدب، يفهم لطائف المعاني ويدركها ويهتز للفظ السهل، ويطرب لنكت الشعراء المتأخرين كأبي الحسين الجزار والوراق وابن النقيب وابن دانيال وابن العفيف ومن جرى مجراهم، ويستحضر من مجون ابن حجاج جملة.

وكان يلعب الشطرنج والنرد، وقل أن رأيت مجموعه في أحد.

رأيته غير مرة واجتمعت به كثيراً، وقد شاركته في بعض سماعاته، وسمع بقراءتي على شيخنا الحافظ أبي الفتح كثيراً، ورد علي يوماً بعض الأسماء صحفته أنا ذهولاً مني، ولما فرغنا أنشدته:

يرد علينا ما نقول أميرنالئلا يرانا في النهى دون حدسه
ويختار منا أن نكون كمثلهويطلب عند الناس ما عند نفسه

فأعجبه هذا التضمين وطرب له.

وكان فيه بر وإيثار لأهل العلم والفقراء، ويخير مجالسة أهل العلم على مجالسة الأمراء والأتراك، وكان كثير الميل إلى من يهواه، لا يزال متيماً، هائماً، يذوب صبابة

ويفنى وجداً، ويستحضر في هذه الحالة ما يناسبها من شعر الشريف الرضي ومهيار وابن المعلم، ومتيمي العرب جملة يترنم بها ويراسل بذلك، ويعاتب.

وخرج له شهاب الدين أحمد الدمياطي أربعين حديثاً، وحدث بها قبل موته، وأثنى عليه الفاضل كمال الدين الأدفوني في تاريخه: " البدر السافر " ثناء كثيراً.

ولما بلغتني وفاته - رحمه الله تعالى - وأنا بدمشق قلت أرثيه، وضمنت القصيدة أعجاز أبيات قصيدة أبي الطيب:

هي الأيام ليس لها ذماموليس لها على عهد دوام
نصبنا للردى غرضاً فأصمتحشانا من رزاياه السهام
وما بعد الرضاع وذاك حقتبين عندنا إلا الفطام
نسير على مطايا للمناياوفي كف الزمان لها زمام
إذا متنا تنبهنا لهولنرى أن الحياة هي المنام
ألم تر كيف عاث الدهر فيناوأودى ناصر الدين الهمام
فشق الرعد جيب السحب لماتلهب برقها وبكى الغمام
فيا أسفاً لوجه كان يبدوفيستحيي له القمر التمام
وبالشمائل كم هام فيهافؤاد ما يسليه المدام
ويا لخلائق كالروض لماتفتح عن أزاهره الكمام
ويا لفضائل قلنا لديهاأفدنا أيها الحبر الإمام
ويا لكتابة كالدر لمايؤلفه على النحر انتظام
وكان يرام في بذل العطاياوأما في الجدال فما يرام
ولم نر في الزمان له شبيهاًوإن كثر التجمل والكلام
أيا من في الرقاب له أيادهي الأطواق والناس الحمام
لئن عمت مصيبتك البراياوصار بها على الدنيا ظلام
فكم حسنت بك الأوقات حتىكأنك في فم الدنيا ابتسام
ستندبك المواكب كل يومويبكيك المثقف والحسام
لأنك ما شهدت الحرب إلاتعالى الجيش وانحط القتام
فلو تفدى بذلنا كل نفسلأن حلال بقيانا حرام
ولو رد الردى حرب لشبتوكان وقودها جثث وهام
وكف الخطب عنك كفاة أهلهم في الروع أمجاد كرام
أب وأخ هما ليثا عرينإذا ما كان للحرب اصطلام
يعز عليهما أن بت فرداًوجالت في محاسنك الهوام
وما تركاك رهن الترب عنداولكن معدن الذهب الرغام
فنم فلو افتقرت لفعل برلأعطوك الذي صلوا وصاموا
وما تحتاج عند الله قربىمواهبه لنا أبداً جسام
فللرحمن لطف واعتناءبمن بالعلم كان له اعتصام
فكم أذريت خوف الله دمعاًغمائمه إذا انهلت سجام
قضيتك بالوفا حقاً أكيداًلأن بصحبة يجب الذمام
سأجعل طيب ذكرك لي سميراًومن يعشق يلذ له الغرام
وأرجو الله أن يوليك رحمىومن إحدى عطاياه الدوام
فلا تبعد فنحن عليك وفدوغايتنا لهذا والسلام

وأورد الكمال الأدفوي في آخر ترجمة الأمير ناصر الدين، وأظن ذلك في نظم كمال الدين المذكور فيه:

أبكي عليك بدمعة كتبت علىصفحات خد للكئيب سطورا
تجري من العين التي أنشأتهاما زال من إحسانه مسرورا
سالت عقيقاً فاستحالت عندماشابت فصارت لؤلؤاً منثورا

قلت: العين وإنسانها لا يوصفان بسرور البتة، وإنما السرور من صفات القلب.

وأنشدني من لفظه لنفسه - رحمه الله تعالى - لما أخرج السلطان الملك الناصر محمد خليل بن بلغدار إلى الشام بسببه، وكان له إليه ميل عظيم:

ومن حيثما غيبت عني ظاهراًوسرت على رغمي وفارقتني قسرا
أقمت ولكني وعيشك آيسمن الروح بعد الخل أن تسكن الصدرا
فكم عبرة للعين أجريتها دماًوكم حرق في القلب أذكيتها جمرا
لعل الذي أضحى له الأمر كلهعلى طول ما ألقاه يحدث لي أمرا

وأنشدني من لفظه لنفسه في المذكور، اهتدم قول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةوحولي ... إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مناهل جلقويبدو لعيني شامة وخليل

وقال كمال الدين الأدفوني نقلت من خطه له:

وإذا اعتبرت سني عمرك في الهوىومرورها في أعصر الخسران
وعلمت أن المرء منها راحلسقراً به للسخط أو رضوان
أيقنت أن الفوز فيها للتقىولمن يقوم بمحكم القرآن
فاجهد لنفسك يا أخي مخلصاًفلقد نصحتك في جميل بيان

وكتبت له وأنا بالقاهرة منشوراً بإمرة أحد وأربعين رمحاً في أيام السلطان الملك الناصر محمد سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة وهو: " الحمد لله الذي نصر هذا الدين بمحمده، وجعل مفارق العدا من أغماد مهنده، وأطفأ بوبل نبله حر الوغى إذا زاد في توقده وجمع له بين فضل السيف والقلم، فكان هذا الجمع من مزايا تفرده.

نحمده على نعم التي منحت دولتنا القاهرة ولياً تعقد عليه الخناصر، وخصت أيامنا الزاهرة بماجد طابت منه الأصول، كما طابت العناصر، وزانت مواكبنا الوافرة بفارس يصبح النجم عن مداه وهو قاص والبرق قاصر، واعتزت جيوشنا الباهرة منه ببطل من لم يكن له وسمه واسمه " فماله من قوة ولا ناصر ".

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترغم معاطس الكفر والضلال ونعلي بها كلمة الإيمان بصدور البيض البتر وكعوب السمر الطوال، ونطلع بها في ليل العجاج المظلم أسنة الذوابل تتقد كالذبال، وننال بإخلاصها النصر إذا تبت يد الكافر يوم الفتح في القتال.

ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده ونصر الدين الحنيف بأنواع أعوانه وأجياد جياده وأتعب السيوف في راحته حتى لقي الشرك وألوفه بالتوحيد وآحاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين دعاهم إلى هداهم فثنوا إليه الأعنة ورأوا أفعاله فرووا عنه السنة وجالدوا عداه، فرووا منهم الأسنة واستبشروا ببيعهم الذي بايعهم بأن لهم الجنة، صلاة تتبلج بها نجوم الظلم، وتتأرج بها نسمات الضال والسلم ما خفقت عذبات علم وثل الإيمان عرش البهتان وثلم، وسلم تسليماً كبيراً إلى يوم الدين.

وبعد: فإن أحق الأولياء بموالاة النعم ومغالاة القيم ومضاعفة الآلاء عليه حتى تخجل الديم، من تزاحم النجوم علياه بالمناكب، ويغدو بدر الجيوش في هالة المواكب، ويمتشق الصوارم بيمناه ويركب من شوق إلى كل راكب، ويعتقل الذوابل فتلج في علو " كأنما تحاول ثأراً عند بعض الكواكب ".

وكان المجلس السامي الأميري وألقابه الناصري ونعوته محمد بن الجناب العالي الأميري البدري محمد بن جنكلي بن البابا الناصري من قوم ندعوهم فيلبون إلى طاعتنا مسرعين، ونرجو لفتاهم كمال المئة، فإنه قد تجاوز حد الأربعين، فهم أبطال تفرق الأسود الغلب من وثباتها وثباتها، وفرسان قوائم خيلهم صوالج تلعب من رؤوس

العدى بكراتها في كراتها، وشجعان ألفوا مقاعد الخيل فكأنهم ولدوا على صهواتها، وأمراء زانوا مواكبنا السعيدة التي لا تخرج الأقمار عن هالاتها، قد احتكم إلى يمينه السيف والقلم، وانطوى على نشر العلم والعلم، ونقص عند أقوامه زيد الخيل، وشاب من شجاعته عامر بن الطفيل، وعجز ابن عساكر عن حفظه، وغرق ابن نقطة في بحر لفظه، فهو من المناضلة إلى المفاصلة، ومن تدبير العوالي إلى تسطير الأمالي، ومن جلاد الفوارس إلى جدال المدارس، ومن ظهور السابقة العراب، إلى بطون الناطقة بالصواب عملاً بقول القائل:

أعز مكان في الدنا سرج سابحوخير جليس في الزمان كتاب

لأنه نجل والده الذي ما رفعنا راية رأيه في أمر ففسد، وفرع أصله الذي نشأ في خدمتنا الشريفة، والشبل في المخبر مثل الأسد، كم لوالده من يوم حرب أذكر الناس بيوم بدر، وكم له من ليلة علا فيها قدره " وما أدراك ما ليلة القدر ".

وقد اقتضت آراؤنا الشريفة تغيير إقطاعه ليقوى حزبه على الحرب وينتقي من يكون أمامه من أبناء الطعن والضرب، وتمرح به كمت الجياد في الأرسان وتشاهد في مقامات حربه مقاتل الفرسان وينظم في صفاته " صحاح " الجوهري إذا نثر من الدماء " قلائد العقيان "، فالفتوح تيسر للدين القيم بالحتوف، والجنة كمال قال ﷺ تحت ظلال السيوف:

وليس لله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد

يفوق الألوف فلذلك خرج الأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أعلاه الله تعالى وشرفه أن يجرى في إقطاعه.

فلما جهز المنشور إليه كتب هو إلي قرين تشريف جهزه والده رحمهما الله تعالى إلي: " يا مولانا ما هذا منشور إن هذا إلا لؤلؤ منثور، كل سطر منه جنة قد حفت بالثمار، وكل شطر من سطره لو يباع اشتري بألف دينار، تلعب فيه قلم مولانا بالعقول، وأدار بكلامه على الأسماع كأس الشمول، فعلم كل بليغ ما يقول، وتصدق على المملوك بأوصاف استعارها له بيانه، ورصع جواهرها بنانه، وقد وقف عليه محبكم الوالد وقال: بمثل هذا الفضل يحيى الذكر الخالد، وقد سير إليكم شيئاً من تمام الإحسان قبوله، وهو يعتذر بما إذا حضر المملوك يذكره ويقوله، والله تعالى يعلي لمولانا المكانة، ويديم لهذه الدولة الشريفة بيانه بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.

وكنت قد كتبت أنا إليه وأنا بالقاهرة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة:

لي في الجوانح من حزني حراراتكما لبرد اللمى فيها حرارات
وللبوارق إن لاحت أو اعترضتفي الضوء من ثغرك الضاحي إشارات
وللغصون إذا ورق الحمام تلتأيات عطفيك في الأسحار سجدات
أشكو ظلام ذؤابات دجت فغدتوما لها غير نور الفرق مشكاة
خيالك البدر في جو السماء إذانظرت فيها لأن الأفق مرآة
ومن يسق نفسه للوجد فيك ففيلعب الغرام على خديك شامات
يا بدر حسن له دون البرية فيأهلة اللثم لا في السحب هالات
دينار خدك واف في الجمال فلمزيدت به من سواد القلب حبات
لولا تجنيك لم يعذب جناك ولاطابت عليك لذات الصب لذات
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا بدر تم له دون البرية في»
لم لا سمعت دعاوى الصب فيك علىهواك إن دعاويه صحيحات
وأنت يا من أداجيه على شغفيبه وهيهات أن تخفى الصبابات
لا تقبلن شهادات الدموع ومنتعديل عطفيه في جفني جراحات
حلبت شطري زماني وارتضيت بهالي وحشة عن أنيس فيه إعنات
فكم مجالس لهو خمرها غزليوشمعتي فكرة فيها شرارات
وليس لي طرب إلا إذا تليتعن ناصر الدين أخبار وآيات
فتى إذا فكرتي صاغت له مدحاًشنت على الوصف في علياه غارات
وسابق اللفظ في نظمي مدائحهالدر والزهر والزهر المنيرات
حوى الفضائل من سيف ومن قلمفليس عند الورى إلا فضالات
له محاريب حرب كلما ركعتسيوفه سجدت إذ ذاك هامات
فالأرض طرس وغى والخيل أسطرهوالسمهري ألف واللام لامات
وكم أدار كؤوس الموت حين شد الحسام وارتقصت للسمر قامات
ليث فرائسه الفرسان يوم وغىوما البراثن إلا المشرفيات
إن أظلم الجو من جون العجاج فمنخرصان ذبله فيه ذبالات
وإن دجا البحث في تحقيق مسألةجلت حنادسه منه الدلالات
وأوضح الحق بالبرهان وازدحمتفيما يرى نصره منه العبارات
وإن أتاك بنقل فالبحور طمتويعضد الرأي ما تهدي الروايات
وإن تمسك في قول بظاهرهتخضع له الشهبات الفلسفيات
نقول إلا إذا ما كان حاضرنافهو الخطيب ومنا نحن إنصات
وإن أدار على قرطاسه قلماًفباطن الطرس أنهار وجنات
عن كل همز سما في سطره ألفاًفقل غصون بأعلاها حمامات
يكاد من عبارات يسطرهاتبدو لها من حمام الهمز رنات
نظم يروق ومعناه يرق لنافاللفظ كأس له المعنى سلافات
يا شاكي الزمن الجاني استجر كرماًبه فللدهر من نعماه ردات
وسوف يغفر للأيام زلتهاوتنجلي ظلمات أو ظلامات
فما سمي النبي الهاشمي لهبدع إذا انكشفت عنك الغيابات
لقد سما والورى من دون رتبتهولم تزل تفضل الأرض السماوات
خلائق مثل أنفاس الرياض إذامرت بأزهارها ليلاً نسيمات
وجود كف كأن الفقر قفر فلاًتهمي على عطش منه غمامات
من معشر قد سها طرف السهى لهمعليه من مجدهم ترخى الذؤابات
لا زال في نعم أنفاس لذتهافي كل ناد لها بالند نفحات

فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:

أوراق نظمك للأبصار روضاتفيها لغر المعاني منك زهرات
يا ناظماً نزلت زهر السماء لهكانت بروجاً فأضحت وهي أبيات
وفاضلاً لا يفض الله خالقناله فما منه للدنيا كمالات

ترجلت لك فرسان القريض وولوا منك خوفاً كأن القوم أموات

كل بفضلك أمسى وهو معترفوليس يقوى لعصف الريح نسمات
يروي الأنام حديث الفضل عنك وقدعلت لهم منك في ذاك الإجازات
ومن يعاند فيما رحت أذكرهعما حويت من العليا فقل هاتوا

وكتبت أنا إليه أهنئه بقدومه من الحجاز في شهر الله المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة:

قدمت قدوم البدر والليل قد دجافأشرقت الآفاق من سائر الأرجا
وكانت ربا مصر رياضياً تصوحتفجئت إليها كالغمام إذا ثجا
إذا النوق أعياها المسير فإنهابطيب الثنا والذكر عنك غدت تزجى
أيا من سرى والأنجم الزهر في الدجىليهدى بها في القفر قد علقت سرجا
وأمسى هلال الأفق كوراً لنجبهوإلا على ظهر الجياد له سرجا
قطعت الفيافي نحو مكة محرماولم تتخذ إلا التقى والفلا منجا
وجردت من ثوب مخيط ولم تزلبرود الندى والبأس تحكمها نسجا
ولبيت لباك الإله لأنهرأى خير من لبى بركبك أو عجا
وطفت ببيت لم تر الباب مرتجاًمتى جئته تدعو ولا الركن مرتجا
ترى الحجر المسود أحسن موقعاًبقلبك من خال على وجنة بلجا
فتوسعه لثماً بأبيض واضحإذا قال قلنا السحر من لفظه مجا
وفي عرفات كان عرفك ذائعاًتضوع عرفاً نشره ملأ الفجا
وحلقت حتى لا تكون مقصراًوذلك أنجى في العبادات بل أرجى
وسقت مطايا الهدي تنحر كومهاوقد نضجت أكبادها بالسرى نضجا
فبخلت حتى السحب في جود وبلهاوزدت إلى أن كدت أن تغرق اللجا
وجئت إلى قبر حوى خير مرسلومن حبه الذخر المؤمل والملجا
تجادل عنه أو تجالد من غدايعالج منه المسلمون فتىً علجا
إذا أنت رفعت الرماح مراوداًتشق بها من نقعه مقلةً دعجا
وإن ظمئت يوم الوغى أنفس العداسللت لها في الروع بيض الظبا خلجا
أيا من غدت أعلامه وعلومهتنير لنا مثل الشهاب إذا أجا
قطعت الورى بحثاً وطفت بمكةفأصبحت في الحالين أفضل من حجا
بقيت مليكاً في الفضائل والعلامتى هاج خطب والتفت له هجا
ولا زلت محروس الجناب من العدايسل لها غمد الدجا فجره نمجا

وكتب هو إلي من القاهرة بعد خروجي منها إلى صفد في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد:

يا راحلاً وجميل الصبر يتبعههل من سبيل إلى لقياك يتفق
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه»
ما أنصفتك دموعي وهي داميةولا وفى لك قلبي وهو يحترق
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «بدر تبارك باري الخلق مبدعه»

يا مولانا تذكر قوله ﷺ: ما قضى الله لامرئ مؤمن من قضاء إلا وكان الخيرة له فيما قضى من ذلك، إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وليس إلا للمؤمن. وفي الأثر: المؤمن ملقى، وفي حديث سويد الأزدي وقومه حين قدومهم على سيد البشر أنه فسر إيمانهم بخمس عشرة خصلة وعد منها الصبر عند البلاء، والرضا بمواقع القضاء. وبالجملة الحمد والشكر لله أولاً وآخراً، والله معك حيث كنت، والسلام:

أوحشت مصراً فادلهم ربعهاشوقاً إلى ذلك المحيا الزاهر
أفضت من فضائلها فضائلاًمن بحر علم قد حويت زاخر

نثر إذا نظرته كأنه المنثور لاح وسط روض ناضر

ونظم شعر راق في تأليفهفأخجل العقود في الجواهر
وحسن خط قد جعلت طرسهمدبجاً كالروض بالأزاهر
يا فخر دهر أنت من كتابهتخجل كل ناظم وناشر
وعز ملك كنت في ديوانهتنشئ ما يلعب بالضمائر
إذا ترسلت إلى أعدائهأغنيته عن الحسام الباتر
يا فاضلاً أخنى عليه دهرهلا تخضعن لنكبة في الظاهر
فاصبر ولا تقلق لأهوال الردىفإن ثبت نلت أجر الصابر
أرجو لك العود لمصر سرعةًمظفراً كما يظن خاطري

فكتبت أنا الجواب إليه، رحمه اللهتعالى:

يا برق هل ترثي لصب ساهروهل ترى لكسره من جابر
وهل لما قد نابه من راحمأو لم يكن فهل له من عاذر
أبيت لا أنيس لي إلا الذييدور من شكواي في ضمائري
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أبيت لا أنيس لي إلا الذي»
أخرجني كالسهم من كنانةحكم زمان في القضاء جائر
وابتزني صبري وما أرى الورىعلى الذي قد نالني من صابر
فأضلعي تحنى على جمر الفضىوما الشرار غير قلبي الطائر
ومن غدا باطنه مشتعلاًلم يفنه تجلد في الظاهر
ومقلتي تعثرت دموعهالأنها تجري على محاجري
والنوم لا أعرف منه سنةفي سنة إلا بحكم النادر
يا دهر قد رميتني بنكبةعدمت فيها قوتي وناصري
القاتل المحل يجود كفهوصاحب الإبداع في المفاخر
كم حدثتني راحتاه عن عطاوكم روى إحسانه عن جابر
يا قاطع البيد إلى أبوابهظفرت من جدواه بالجواهر
لا تشك في القفر ظماً فكفهأطبقها على الخضم الزاخر
ويا مجاريه لغايات العلاقف واسترح من هذه الخواطر
كم قد جرى البرق على آثارهفلم يفز إلا بجد عاثر
ويا مناوي بأسه إلى الوغىجهلت ما تبغي فلا تخاطر
أما ترى ما حاز من فضائلفاقت على قطر الغمام الماطر
والسيف واليراع في بنانهما اجتمعا إلا على المآثر
سيادة في بيته مشهورةيعدها في كابر عن كابر
آه على ما فات من نوالهوفضله وجبره لخاطري
ولطفه ذاك الذي إذا بداتعرفه في كل روض زاهر
أبعدني دهري عن أبوابهيا ويح دهر بالفراق ضائري
وربما يسمح لي بعودةفيغفر الأول عند الآخر

وكنت كتبت إليه من الرحبة سنة تسع وعشرين وسبع مئة:

لي حالة بعد الأمير ناصر الدين لها كل الأنام عاذر
ضنيت بالبعد فما لي قوةوغاب عن عيني فما لي ناصر

وكتبت أيضاً إليه:

يا غائباً عني بحكم النوىوذكره ما زال في خاطري
قد جار في الحكم زماني ولابدع إذا اشتقت إلى ناصري

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.