تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن عبد الله بن محمد الأموي المروي

الشيخ الأديب محب الدين أبو عبد الله المغربي المعروف بابن الصائغ.

رأيته بالقاهرة مرات، واجتمعت به في دروس شيخنا العلامة أثير الدين وغيرها. وسمعت أنا وهو " صحيح " البخاري بقراءة الشيخ شهاب الدين بن المرحل النحوي على الشيخ فتح الدين وأخيه بالقاهرة أبي القاسم بالظاهرية بين القصرين، فكان هذا الشيخ محب الدين يأتي بفرائد في أثناء السماع مما يتعلق بالعربية الغريبة واللغة.

وكان يعرف العروض معرفة تامه، ويجيد الكلام على غوامضها الخاصة والعامه.

وأما العربية فكان عنده لبابها، ولديه تجتمع أبوابها، ذهنه الخارق فيها كالنار إذا توقدت، وحلها بيده إذا تعقدت.

وشعره فائق جزل، يسلك به طريق الجد لا الهزل، أنشدني منه كثيرا، وحباني منه لؤلؤاً نظيماً ونثيرا. وكان يعاني اللعب بالعود، ويطيب وقته بالأماني والوعود.

ولم يزل على حاله إلى أن سكت المحب فما نبس، وصح عنده من أمر الموت ما التبس.

وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.

وكان قد كتب إلي وأنا بالقاهرة:

صلاح الدين يا رب المقالويا ترب المعاني والمعالي
تصدق لي بصرف زكاة جاهففيها إن أردت صلاح حالي

فكتبت جوابه مع شيء أهديته إليه:

محب الدين في الآداب شيخنوى لي أن يعرض بالنوال
إذا ما الجاه لم أك فيه وجهاًفما لي لا أجود بفضل مالي

وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح القاضي نجم الدين محمد بن محمد الطبري قاضي مكة، وقد أنشده القاضي خمسة أبيات على هذا الوزن والروي، وستأتي في ترجمة المذكور إن شاء الله تعالى:

شرع الهوى هوني لعزة جاهكفارثي لذلة موقفي بجاهك
رقي لجسم رق من دنف الهوىوشفاه ما تحويه حو شفاهك
لا تعجبي إن ذبت شوقاً واعجبيأن ليس إلا سقم طرفك ناهك
وسن نفى وسني فنمت ولم أنمما ليلة الساهي كليل الساهك
بطحاء وادي الأثل لولا تيههاونفارها ما حمت في أتياهك
ولما وخدت بها شوازب ضمراًأوردتها عشراً ثغاب مياهك
بدلت سدرك بالسدير وما حوىونفائح النسرين فيح عضاهك
وهجرت طيب كرى وواصلت السرىبمشقة التهجير في إدماهك
أدعوا بسعدى أين يمن سراي إذأكرهتم وعففت عن إكراهك
نصبوا علي رحاضهم لكنهمشاهت وجوههم لصولة شاهك
جبت الشعاب وآل شعبة عندماسدل الظلام رداءه برداهك
أعشو إلى حلي الترائب خفيةًإذا غمض الأتراب عن أفكاهك
ادني اللجين لعسجدي شاحبصدئ الإهاب بما اكتساه ساهك
اسقي عهاد الدمع عهداً باللوىأنسيته لشفاي لا لشفاهك
زمناً أردد آهة المشغوف منحرقي فيحيكيني ترجع آهك
أنضارتي اشتعل المشيب فأنضبتشعل الحشا ما راق من أمواهك
ينهى وينهكني مشيب صنتهولما عرفت بصون ناه ناهك
حللك المفارق قد تنفس صبحهيا نفس هبي من كرى استعماهك
يستبد هونك للنسيب فشرفيبشريف مكة منتج استبداهك
قاضي الشريعة والمقيم منارهاحيث المقام وحيث بيت إلهك
بلدت في جوب البلاد ومدحهيشفي فينفي تهمة استبلاهك
لولاه أوشكت الخمول فلازمنيشكر الذي سنى لقاه لقاهك
يا خير أرض الله قد رضي النوىرجل ثوى فأوى إلى أواهك
القطب نجم الدين إشراق الدنامعنى العلا أسنى وجوه وجاهك
من إن تشابهت الوجوه أقل لهامن بعد هذا الذهن لاستشباهك
إن يخف معناك السقيم فعاملبصحيح حكمته على أفقاهك
روى الحديث فرويت ساحاتهايا سحب إذا حلت عرا أفواهك
غيثاً أغاثك يا حجاز بدرهوجلا هوامد أغبرت بجلاهك
فاخضر مرعاك المبارك ممرعاًوالتفت البهمى بغض شباهك
جودي سماء يمن دعوة من سمارتبا يقل لها انتعال جباهك
يا نفس إنك قد نقهت من الغنىولقد غنيت اليوم في استنقاهك
هذا الجواد لما حوى يمناه فيإفقار كيس المال أم إرفاهك
يسخو بما يوعى ويطبي ما يعيكم بين كنز نفيسة ونفاهك
دارت رحى الأيام تبغي جارهفأجاره من كل داء داهك
أم القرى قد جار من أم القرىبفناء بدنك كلها وشاهك
ناسبت غرته وبيت نسيبهفأعدت ليس البدر من أشباهك
يا همةً عن كل هم نزهتإلا العلا دومي على استنزاهك
لسموت حين سمهت في شأو العلاأفردت فالأسماء في أسماهك
يا فكرة بدهت بأبدع ملحةما أقرب الإبداع من إبداهك
عرضتها لمعارض لم يحكهاأنى وقد لزمت قوافيها هك

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.