من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن فضل الله بن أبي نصر
ابن أبي الرضا السديد المعروف بابن كاتب المرج.
قرأ النحو والأدب والأصول على نجم الدين بن الطوفي البغدادي الحنبلي بقوص، ثم قرأ التقريب على مؤلفه الشيخ العلامة أثير الدين، وتأدّب على تاج الدين أبي الفتح محمد بن الدّشناوي، والأمير مجير الدين عمر بن اللّمطي، وشرف الدين محمد النصيبي بقوص، وغيرهم.
أديب كامل، ولبيبٌ لأنواع اللطف شامل، كأنما خلق من نسمات السحر، أو تكوّن من شمائل أغيد إن نطق سلب، وإن رنا سحر. حسن الصورة، عليه ملامح الجمال مقصورة، مع فصاحة لسان وسماحة بنان، وحسن كتابة، وكثرة وقوع على الإصابة، وصدق لهجة، وسير سيرة سلك فيها أوضح محجة، ونظم ما للسراج معه إضاءة، ولا للجزار به لحاق، ولو قطع أعضاءه، ولا للبوصيري ولو صار في سكّر دانه
صيرا، ولا للنصير الحمّامي ولو كان ابن النقيب له نصيراً، وهيهات، هذا في علوّ ورفعة، يضيء وأين النجم ممن يحاوله.
ولم يزل في بلاد الصعيد يتنقل، ويقرع هضبات الولايات ويتوقّل، الى أن فُتح سدّ المنايا على ابن السّديد، وأصبح في الصعيد من تحت الصعيد.
وتوفي رحمه الله تعالى في ...
وتقلب في الولايات السلطانية، وهو في كلها محمود السيرة. وتولى وكالة بيت المال بقوص، وجلس بالورّاقين بقوص.
وقال الفاضل كمال الدين الأفودي: كان والده قد أعطى في سعة العطاء ما يعزّ الآن وجوده، فجازاه الله بما أسلف من خير، إسلام أبنائه أجمعين، وهداهم الى اتّباع سيد المرسلين، وانتقلوا من شريعة عيسى الى شريعة محمد المختار " وربُّك يخلقُ ما يشاءُ ويختار ".
وله مشاركة في النحو والأصول والحكمة والطب وغير ذلك، وجرى على مذهب أهل الآداب في أنهم يستجلون محاسن الشباب، ويستحلّون التشبب في الشراب ووصف الحباب. انتهى.
أنشدني من لفظه القاضي صدر الدين سليمان بن داود بن عبد الحق قال: أنشدني من لفظه القاضي سديد الدين ابن كاتب المسرج:
تحاول عيني جهدَها أن تراكمُوكيف وفيها للدموع تراكم؟
أيا جيرة الوادي ولم أدر طيبهأمِن شجرات فيه أم شذاكم
فبالمسك مالي حاجة إن أتيتكمولا لكم إن طيبُ ذكري أتاكم
وما بي فقرٌ إن وقفت بأرضكملأن ثرائي وقفة في ثراكم
أسير إليكم والسقام مسايريفإما حمامي دونكم أو حماكم
وإن فات تفديكم من السوء مهجتيوما مهجتي حتى تكون فداكم؟
هويتكم والناس طرّا فما الذيخُصصت به حتى ولاء هواكم
وفيم يعاديني الأنام عليكمُوكلهم أحبابكم لا عداكم
كفاني إليكم أن مالي وسيلةولو شئتم أن تحسنوا لكفاكم
وكان شبابي إن غضبتم تجنّباًشفيعاً الى ما أرتضي من رضاكم
وكنت أظن الشيب ينهى عن الهوىفلم ينهني عنكم، ولكن نهاكم
قلت: البيت الأول مأخوذ من قول شمس الدين محمد بن العفيف:
في دمع عيني تراكملعلها أن تراكم
وبه قال: أنشدني لنفسه:
وقالوا: لم صحبت شرار قومولاموني ولومهم حماقهْ
وكيف أميّز الشرير منهمولم أعرفه إلا بالصداقه
قلت: أبو الطيب كان أحكم بقوله:
أخالط نفسَ المرء من قبل جسمهوأعوفها من فعله والتكلم
وبه قال: أنشدني لنفسه:
ولي في الهوى العذريّ عذرٌ وإنماعذار الذي أهواه لي فيه أعذارُ
أيحسن أن أسلو وخدّاه جنةوقد كنت لا أسلوهما وهما نارُ
قلت: وقد لهج الناس بهذا المعنى كثيراً، ومن أحسن قوله وبه قال: أنشدني لنفسه:
أوصيكَ يا مُرتَحلاًبقَلب مَن قَد ودّعَك
إن عاش أو ماتَ فلاتُفِض عليه أدمُعَك
وارْدُدْه ليَ مُصَبّراًفالقلبُ والصّبرُ معَك
ومن شعر ابن كاتب المَرج:
إذا حملتْ طيبَ الشّذا نسمةُ الصَّبافذاكَ سلامي والنّسيمُ فمِنْ رُسْلي
وإن طلعت شمسُ النهار ذكرتُكمبصالحةٍ والشيُ يُذكرُ بالمثلِ
قلت يريد: طيب الشذا: سلامَه، والنسيم نفسه رسول، فلا يُتوهّم أن الاثنين واحد، والثاني والأول مأخوذ من قول:
إذا طلعت شمسُ النهار فسلّميفآيةُ تَسليمي عليكِ طلوعُها
وقوله: والشيء يذكر بالمثل أصلُ المَثَل: والشيخ بالشيء يُذكرُ. ولو قال: والمثلُ يُذكر بالمثل لكان أحسن.
ومنه:
أقولُ لجُنح الليل لا تَحكِ شعر مَنهويت وهذا القولُ من جهتي نُصحُ
فقد رامَ ضوءُ الصّبحِ يَحكي جبينَهمِراراً فما حاكاهُ وافتضحَ الصّبحُ
ومنه:
برقٌ بَدا من دار عَلوهْأو قلبُ صَبٍّ صار جذوه
فيها قلوبُ العاشقينَ تضرّمتْ صدّاً وجَفوه
إني اجتهدتُ فصرتُ في العُشاقِ قُدوة كل قُدوه
لو أنّ قَيساً مُدركيلمشى على نهجي وعُروه
لا عيشَ من بعدِ الصّبايَحلو سوى بجنون صَبوه
بمُهَفْهَف يسبي العقولَ كأنّ في جَفْنَيه قهوه
أبداً قضيبُ القدّ منهـ يميلُ من لينٍ ونَشوه
قد أسْكَرَتْ رشَفاتُهلكنها كالشّهدِ حُلوه
ومنه:
ورد الكاسَ فهي نارٌ إذا كانَ ولابدّ من دخول النارِ
وتحدّ الذين لم يردوهابضُروبٍ من معجزاتِ الكبار
فاجْلُ في الليلِ من سَناها شموساًوأدِرْ في النّهارِ منها الدَّراري
وأرِ الدّرّ مَن يغوصُ عليهعائماً من حبابها في النّضارِ
إنما لذّةُ المُدامةِ مِلكٌلكَ فاشْرَبْ وما سواها عَواري
قلت: قوله: وأدِرْ في النهار منها الدّراري استعمل هذا المعنى مجير الدين بن تميم أحسن من هذا، ومن خطه نقلت:
أمولاي أشكو إليكَ الخُمّاروما فعَلته كؤوسُ العُقار
وجَور السُّقاة التي لم تزلتريني الكواكبَ وسطَ النهار
ومن شعر ابن كاتب المَرج:
لمَن أشتكي البرغوثَ يا قومِ إنهأراق دمي ظُلماً وأرّق أجفاني
ومازال بي كالليث في وَثباتهالى أن رَماني كالقتيل وعرّاني
إذا هو آذاني صبرتُ تجلّداًويخرُج عقلي حين يدخلُ آذاني
قلت: ذكر أصحاب الخواص أن البرغوث إذا دخل في أذن أحد ووضع الإنسان يده على سرّته أو أصبعه في سرته وقال: سبقْتك فإن البرغوث يخرج منها.
وقال علاء الدين الوداعي في البَراغيث، ومن خطّه نقلتُ:
براغيثُنا فيهم جَراءَةفبالأسرِ والقتل لا يَرجِعونا
كَثيرو الأساةِ مع أنهمقليلاً من الليلِ ما يَهجَعونا
ونقلت من خطّه له مضمّناً:
براغيث تَسري في الظّلام كأنّهاحراميّة من بيضها يُسفكُ الدّمُ
قوارضُ تأتيني فيحتقرونهاوقد يملأ القَطرُ الإناءَ فيُفعَمُ
ونقلتُ منه أيضاً له:
براغيث فيها كثرة فكأنهاعلينا من الآكامِ يحتفرونها
تقولون لي صِفْها فقلتُ أُعينكمقوارض تأتيني فيحتقرونها
وما أحسن قول الصّاحب جمال الدين بن مطروح:
رُبّ برغوث ليلة بتُّ منهوفؤادي في قبضة التسعين
أمكنتْ قبضة الثّلاثين منهفسقتُه الحِمامَ في سبعين
وقال آخر:
للبراغيث صارَ جسمي مَقيلاًففؤادي من شرّهم في عَذاب
طفَح السُّكر والشّراب عليهمفتقايَوا دَمي على أثوابي
ومن شعر ابن كاتب المرج:
أما وطيب عشيّات وأسحارِمن بعدِها أفَلَتْ شمسي وأقماري
بها أذكّرُ دهري كي يَجودَ بهافلا يَجودُ ولا يأتي بأعذار
لو أن تلك من الأيّام عُدْتُ بهاأو الليالي ولم تَحْتجْ لتِذْكارِ
لله ليلاتها البيض القِصار فكمسطَوتُ منها على دهري ببتّار
أنكرتُ إفْشاءَ سرٍّ كنتُ أكتُمُهفيها ولكنني أنكرتُ إنكاري
يا للعجائب ليل ما هجَعْتُ بهلنوره كيفَ تُخفى فيه أسراري
إن الضنى عن جميعِ الناس ميّزنيفكان علّة إخفائي وإظهاري
فلا تقولوا إذا اسْتبطأتُم خَبَريأما النّسيمُ عليه سائر ساري
فلو يمرُّ نسيمٌ بي لَسارَ الىمغناكُم بي كما يَسْري بإخباري
ومن نظم ابن كاتب المَرج موشح كتب به الى كما الدين الأدفوي:
لي مَربعٌ قد خلامن أهله في السَّبْسَبعمران
فإنْ يكُن أمَحَلافمَدْمَعي كالسّحبهتّانُ
سَرَوا فَطابَ النّسيمْوكل وادٍ عاطرُ
ولي فؤادٌ يَهيمْبالعِشْقِ وهو شاعِرُ
حكَوْ ظِباءَ الصّريمْلو صِيد منهم نافرُ
حذِرتُ أن لا يريمْفَرامَ ما أُحاذرُ
فإن سرى في بَهيمْليل فبدرٌ سافرُ
وإن يَسْرِ عَجِلافالظّبي عند الهربعجلان
أو حلّ وسط الفلافقومه من عَربٍغزلان
يقول خلِّ انطِلاقْالدّمع قَصد السُمعةِ
فما لأهلِ النِّفاقْووجنةٍ كالجنّةِ
فقلتُ دمعٌ يُراقْهل ردُّهُ في الحيلةِ
كُلِّفْتُ ما لا يُطاقْفي شرعةِ المحبّةِ
ولا وعدتُ العناقوقهوة الرّيق التي
من حاسديها الطّلاوحسن نظم الحَبَبِخَجْلان
لا لَغوَ فيها ولايحرسُها من شَنبرضوان
ليست كراحٍ يُطافْبها حَراماً لا حلال
تدقّ عند اختِطافْعُقولَ قومٍ كالجبالِ
كم أمّنتْ من يخافإما بحقٍ أو مُحال
وهوّنتْ من تَلافِعرضٍ ودينٍ بعدَ مالِ
فدَعْ كؤوسَ السُلافواستَجْلِ أوصافَ الكمال
فإنما يُجتلىعلى الكِرام النُجُبِإحسان
مَن عنده بالغَلايُستعبَد الحرّ الأبيإيمان
أثنَت عليه العِداوعدّدت مآثرَه
مَركز بذلِ الجدىومَن سِواهُ الدائره
بلا حُروف النّدالبّت لَهاهُ الغامره
أسلفَ كلاً يَداحتى السّحابَ الهامرَه
وقد مَلا بالنّداكلَّ بقاع القاهره
حتى رأينا المَلالفَضله والأدبقد دانوا
إذ هم رعايا العُلاوجعفَر بنُ تَغلبسلطان
منه يُفادُ الكلامْفما يقولُ الناظمْ
في العلم حَبْر إماموفي السّخاءِ حاتِمْ
فيا أبا الفضلِ دامْلي ببقاكَ العالمْ
فأنت عينُ الأنامْيَقْظى وكلٌ نائم
بك الجدودُ الكِرامْتسرُّ حتى آدم
أنت لمن قَد تَلاعلى صميم النسبعنوان
يا آخِراً وأولاًكأنه في الكتبِقُرآن
وغادةٌ تنجليفينجلي القلب الحزينْ
بها تُحلّى الحُليويُسحَر السحر المبينْ
قلت لها والخليلم يَدرِ ما الدّاءُ الدّفينْ
بالله مَنْ ينطليعليك أو تألَفينْ
ابنَ علي بَعليقالت نعم يا مُسلمين
لولا عليَّ انطَلاتركتُ أمي وأبيمن شانو
كفاية الله البلايَبيت سوى ذا الصبيفي أحضانو
ومن موشحاته أيضاً:
أفتِكْ بنا في السّقموالهمّ كل فَتكِ
بخمرة كالعنْدَمِأو مَرشَف بن تُركي
فلونُها لونُ الدّمِوالريح ريحُ المِسْكِ
كم صيّرت ذا ألممن كَدَرٍ وضَنكِ
والعيش منه يَصفووالطّيش يُستخفُّوللسرور زَحْف
منه الهموم تهربُولو أتَتْفي ألْفِ
ومنه في الخرجة:
يا مَرحباً بالغائِبِإذ جاء في العِذارِ
يَزري بكلِّ كاعِبِتزورُ في الإزارِ
فلم أكُن بخائِبِعليه في انتظارِ
ولم أقلْ كالعاتِبِأبطأتَ في مَزاري
إلا التفتْ لَخَلْفووقال يُشير بكفّووحاجبُو لردفو
هذا الثقيل حقاً اعتبواعلى انقطاعوخلفي
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع