من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن يوسف بن عبد الله
الحزري شمس الدين، يُعرف بابن الحشّاش، وبالخطيب.
قال شيخنا البرزالي: كان أبوه صيرفيّاً بالجزيرة.
وقال كمال الدين الأدفوي: كان ذا فنون، وكان محسناً الى الطلبة. قدمت من الصعيد في سنة ست وسبع مئة، فوجدته يدرّس بالمدرسة الشريفية، وتؤخذ عليه دروس كثيرة، فسألته أن يرتّب لي درساً، فاعتذر بضيق الوقت، ثم قال: ما لك شغل؟ فقلت: لا، فقال: تحضر بعد العصر، فإن اتفق أن تجدني اقرأ. ففعلت ذلك، فلم يخلُ يوماً من الخروج إليّ، فقرأت عليه قطعة من المنتخب في أصول الفقه، وخصّني بوقت مع كثرة أشغاله وانتصابه للإقراء الى نصف النهار.
وكان حسن الصورة، مليح الشكل، حلو العبارة، عالماً بفنون من الفقه على مذهب الشافعي، والأصولين، والنحو، والمنطق، والأدب، مشاركاً في هندسة وغيرها من الرياضيات. قدم قوص مجرداً، فوجد بها الشيخ شمس الدين الأصبهاني حاكماً، فقرأ عليه فنونه، ثم إنه قدم مصر، واشتغل بها، وأعاد بالمدرسة الصاحبية، وأقام بالقاهرة، وولي تدريس الشريفية، وانتصب للإقراء، فقرأ عليه المسلمون واليهود وغيرهم. وكان يلقي دروساً، وتقرأ عليه طائفة، وصحب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وارتفعت منزلته عنده مدة، ثم إنه وقع بينه وبين الشيخ نصر المنبجي فحطّ عند بيبرس من قدره، وشهد عليه بعض طلبته. وكان خطيباً بالقلعة، فعُزل عنها، وتولى الخطابة بالجامع الطولوني مدة، ثم لما عاد السلطان الملك الناصر سنة تسع وسبع مئة مشى حاله.
وتولى المدرسة المعروفة بالمعز بمصر.
وله تصانيف منها شرح التحصيل في ثلاث مجلدات، وشرح منهاج البيضاوي في مجلدة لطيفة ليست بطائل، صنّفه في آخر عمره، واعتذر في خطبته بالكِبَر، وله أجوبة على أسئلة المحصول، وشرح ألفية ابن مالك.
وكان فيه مروة وكرم أخلاق على الإطلاق، يسعى في حوائج الناس بنفسه، ويبذل جاهه لمن يقصده، ويسعفه بأربه. وله ديوان خُطب وشعر كثير.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بمصر في سادس ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وقد جاوز الثمانين.
ومن شعره:
لم أصْبُ للبرق من تيماء يأتلقإلا وللقلب من حُبّيكم عُلَقُ
يعتاض من حرّ أنفاسٍ تلهّبهثم استقل ولي في طيّه حرَقُ
يا لامع البرق إما لُحت معترضاًلا تستقرّ كقلب هزّهُ القلق
إني أخال خفوقاً منك في عجَليهدى وقلبيَ لا يهدا به الفرَق
ويا نسيم الصبا هل لَبْثة بربىنجدٍ على غفلة الواشين تتفق
وسل أُهيليه عن قلبي وما صنعوابه فإني بما ترويه لي أثق
وعُد إليّ بما ضُمّنت من خبروفي دجا الليل من ظلمائه رمق
ومل إليّ دُوين القوم مستتراًكي لا ينمّ علينا نشرُك العبق
أبثكم أن لي من بعدكم كبداًأمست إليكم بنار الشوق تحترق
أهوى المنام لمسرى طيفكم كلفاًبه عسى مقلتي بالطيف ترتمق
وهل يخوض الكرى جفناً تقسّمهكما يشاء الغرام الدمع والأرق
إن أحتكم أنا والأشواق نحوكميشهد بدعواي جفن من دمي شَرِقُ
لا تسمعوا فيّ أقوال الوشاة ولاتُصغوا سماعاً بما قالوه واختلقوا
قالوا: نَبَتْه الليالي في تقلّبهاعن حبكم، فتناساكم وما صدقوا
ومنه:
يعيذك من نار حوتها ضلوعهمشوق أحاديث البُعاد تروعه
بعدت فلما يعرف النوم جفنهولم يدر هل كان السكون يريعه
وكيف يلذ العيش بعدك مَن غدامن العمر في محل وأنت ربيعه
وها نَبْت فوديه يلوح مصوّحاويبدو كمبيّض الهشيم فروعه
أقول وقد حمّلت بثّي إليكمنسيماً وظني أنه لا يضيعه
لعل النسيم الحاجريّ إذا قضىرسائله يُقضى إليّ رجوعه
ومستخبر عن حال قلبي وما الذيسرى منه لما بنت، قلت: جميعه
ويسألني عن ناظري ما الذي ترىتأخر عندي منه، قلت: دموعه
منها:
وإني متى ما ضم شملي وشملكمويدعو بنا داعي الهوى لا أطيعه
فما كل حين لي دموع أريقهاولا كل وقت لي فؤاد تريعه
ومن شعره:
سل عن أحاديث أشواقي إذا خطرترسلَ النسيم فقد أودعتها لُمعا
واستوضح البارق النجديّ عن نفسيبعد النوى فسيحكيه إذا لمعا
واستحك من طير غصن البان بث جوىأمليته فسيُمليه إذا سجعا
ومذ رمتنا النوى والله ما هدأتأشجان قلبي وطرفي قطّ ما هجعا
وليس يمسك من بعد النوى رمقيإلا أماني قلبي أن نعود معا
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع