من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
مغلطاي بن قليج
ابن عبد الله، الشيخ الإمام الحافظ القدوة علاء الدين البكجري - بالباء ثانية الحروف وبعد الكاف جيم وراء وياء النسبة - الحنفي مدرّس الحديث بالظاهرية بين القصرين بالقاهرة.
شيخ حديث، يعرف القديم والحديث، ويطول في معرفة الأسماء الى السماء بفرع أثيث، وينتقي بمعرفته الطيب من الخبيث، ولي الظاهرية شيخاً للحديث بها بعد
شيخنا العلامة فتح الدين بن سيد الناس، وعبث المصريون به لأجل ذلك، ونظموا الأشعار والأزجال والبلاليق والأكياس، ونفضوا ما عندهم في ذلك ولم يغادروا بقايا نفقات ولا فضلات أكياس.
وكان كثير السكون، والميل الى الموادعة والركون، جمع مجاميع حسنة، وألّف تواليف أتعب فيها أنامله، وكدّ أجفانه الوسنة.
ولم يزل على حاله الى أن ابتلعته المقابر، واستوحشت له الأقلام والمحابر.
وجاء الخبر الى دمشق بوفاته في سلخ شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
ومولده بعد التسعين وست مئة.
كان يلازم قاضي القضاة جلال الدين القزويني وانتفع بصحبته كثيراً، فلما مات الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس - رحمه الله تعالى - في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، تكلم القاضي له مع السلطان، فولاه تدريس الحديث بالظاهرية مكانه، وقام الناس وقعدوا لأجل ذلك، ولم يبال بهم.
ولما كان في سنة خمس وأربعين وسبع مئة وقف له الشيخ صلاح الدين العلائي رحمه الله تعالى على تصنيف له وضعه في العشق، وكأنه تعرّض فيه لذكر عائشة الصدّيقة ﵂، فقام في أمره وكفّره، واعتقل أياماً، فقام في حقه الأمير بدر الدين جنكلي بن الباب وخلّصه.
وكان قد حفظ الفصيح لثعلب، وكفاية المتحفظ، وسمع من علي بن عمر الوالي، ويوسف بن عمر الختني، ويوسف الدبابيسي، وغيرهم، ووضع شيئاً في المؤتلف والمختلف، وعمل سيرة مختصرة للنبي ﷺ، وقرأ النسائي بنفسه، ودرّس بجامع القلعة بالقاهرة بواسطة قاضي القضاة جلال الدين.
وكان ساكناً جامد الحركة يلازم المطالعة والكتاب والدأب، وعنده كُتب كثيرة وأصول صحيحة.
كتب إلي من القاهرة وأنا بدمشق في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة:
سلام كما ازدانت بروض أزاهرُوذكرٌ كما نامت عيونٌ سواهرُ
تحية من شطت به عنك دارهوأنت له عينٌ وسمعٌ وناظرُ
فيا سيد السادات غير مدافعويا واحد الدنيا ولا من يفاخر
لك الشرف الأسمى الذي لاح وجههكما لاح وجه الصبح والصبح سافر
لئن سهرت في المكرمات أوائللقد شرفت بالمأثرات أواخر
سجايا استوت منهن فيك بواطنٌأقامت عليهن الدليل ظواهر
يقبّل الأرض عبدٌ كتب هذه الخدمة عن ودّ لا أقول كصفو الراح، فإن فيها جُناحا ولا كسقط الزند، فربما كان شحاحاً، ولكن أصفى من ماء الغمام، وأضوا من قمر التمام، مستوحش من خدمتكم كثيراً، ومعلن بالثناء وإن كان المملوك حقيراً،
ومستعرض خدمتكم وحاجتكم ليحصل له الشرف بمناجاتكم، ويتطلب منكم الدعاء بظهر الغيب، فإنه متقبل ولاسيما منكم بلا ريب.
والمملوك أجلّ خدمتكم أن يكتب إليكم لما يقدحه خاطره، ويسفره ناظره، لكون باعه قصيراً في هذا العلم وغيره، وجبركم أوجب هذا الإدلال.
فكتبت أنا الجواب إليه في ورق أحمر وهو:
سطورٌ تبدّت أم رياض نواضرُتحار لها مما حوته النواظرُ
أتينا فخلناها أزاهر روضةٍوما هي إلا في السماء زواهر
وما شاهدت عيني سواها رسالةًيغازلني منها حسانٌ سواحر
يحقق ما فيها من الحسن باطناًلأهل المعالي زخرفٌ وهو ظاهر
صناعة من تمسي البلاغة فوق مايحاوله من نظمه وهو قادر
وما كل من عانى الترسّل ناثرٌولا كل من يعزى له النظم شاعر
أيا حافظاً قد ضاع عرْفُ حديثهوما ضاع بل قد أحرزته الدفاتر
تفضّلت بدأً بالتحية عالماًبأني عن غايات فضلك قاصر
وباعك قد أمسى مديداً على العلاوبحركَ في النّظم المنقّح وافر
إذا افتقر المنشي الى بعض فقرةٍفعندك من حُرّ الكلام ذخائر
وما شئت إلا أن فضلك بعدماترحلت يرويه عطاءٌ وجابر
فلا تلزمني بالجواب وبالجوىلبعدك يكفيني الحنين المسامر
وشوقي الى ما فاتني من فضائللها تقصت عندي البحور الزواخر
وإني إذا ما غنّت الوُرق نادبوإني إذا نام الخليّون ساهر
فلا زالت العلياء حاليةَ الطُّلىبألفاظك الحسنى فهنّ جواهر
يقبّل الأرض التي تضع الملائكة بها الأجنحة، ويدّخر بها من بركات الدعاء نفائس الأسلحة، تقبيل من عدم أنسه، وفقد من السرور فصله ونوعه وجنسه، وعلم أن بهجته من الزمن كانت عارية فاستردّها، وكذلك العواري. وتبيّن أن الفراق جعل القلب مملوك الجوى والعبرات جواري، وتحقق أن الدهر ناقد فأعدم كل مسلم للنوى شرط البخاري.
وكنا كما نهوى فيا دهرُ قُلْ لناأفي الوَسعِ يوماً أن نعود كما كنّا
على أن المملوك يصبّر نفسه على فراق مولانا ويتجلد، ويعلل قلبه باجتماع الشمل فإنه ألِف العَود وتعوّد، ويحمل الأمر في هذا البين على الظاهر ولا يتأوّل، ويتمسّك في بُعده بما قاله الأول:
أأحباب قلبي والذين بذكرهموترداده طولَ الزمان تعلّقي
لئن غاب عن عيني بديعُ جمالكموحار على الأبدان حكمُ التفرّق
فما ضرّنا بُعدُ المسافة بينناسرائرُنا تسري إليكم فنلتقي
وينهي ورود المشرفة الشريفة، لا بل كنز الفصاحة التي لو أنفق البليغ مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّها ولا نصيفه، بل كعبة الحسن التي لا تزال الألباب بها طائفة،
والعيون مطيفة، لا بل الغادة الحسناء التي تقرر بها الاستحسان في مذهب أبي حنيفة، فوجد مقام الجواب عنها ضنكاً، ووقف لها واستوقف وبكى واستبكى وقال:
لك الفضل سبّاقاً به كلَّ غايةٍوما لك فيه من شبيهٍ ولا مثلِ
وقد كنتُ مسعوداً لو أني سابقبكبْتي عن شوقي ولكن بكت قبلي
وقد شجع المملوك نفسه وأرسل الجواب في هذا الورق الأحمر لأمر يرجو فيه خيراً، ولأن الحمرة دليل الخجل إذا نشرت بين يدي مولانا الذي حمد البيان عند صباحه سُرىً وسيراً، ولأنها متى أوردت حديث بديع قال لها حفظ مولانا ونقده: لا يصح حديث جاء فيه ذكر الحُميرا، ولمولانا علوّ الرأي في الإتحاف بهذه الفوائد، والمحاسن التي لا تزال غصون رياضها للمتطفلين على الآداب موائد، والله تعالى يخرق ببقاء مولانا العوائد بمنّه وكرمه.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع