تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

المحمدون (٢)

الصفحة ١ من ٢

محمد المشهدي: محمد بن أبي بكر، الشيخ الإمام الفاضل، المسند الصوفي بدر الدين ابن الشيخ العلامة المسند بهاء الدين المشهدي المصري الشافعي، ولد في سنة اثنتين وستين وثمانمائة، وسمع على المسند أبي الخير الملتوتي مسند الطيالسي عن أبي الفرح عبد الرحمن بن المبارك الغزي ببلده، وسمع على عدة من أصحاب ابن الكويك، وابن الجزري، منهم والده، وعلى بعض أصحاب الشهاب الواسطي، وعلى قاضي القضاة بدمشق، القطب الخيضري، وأخذ عن الشهاب الحجازي الشاعر والرضى الأوجاقي، وعن غيرهم، وأجاز له ابن بلال المؤذن في آخرين من حلب، وسمع على جماعة من أصحاب شيخ الإسلام ابن حجر، وابن عمه شعبان، وغيرهما، ودرس وأسمع قليلاً، ناب في مشيخة سعيد السعدا الصلاحية عن ابن نسيبة، وكان عاقلاً، دمث الأخلاق ديناً صيناً، غير أنه كان ممسكاً حتى عن نفسه وفي مرض موته، كما قال العلائي، وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: كان عالماً صالحاً، كثير العبادة، محباً للخمول، إن رأى أحداً يقرأ عليه فتح له، وإلا أغلق باب داره، قال: فقلت له يوماً: ما أصبرك يا سيدي على الوحدة فقال: من كان مجالساً لله فما ثم وحدة؟! وقد جاوزت الأربعين سنة، وما بقي يناسبنا إلا الجد والاجتهاد وعدم الغفلة عن الله تعالى، ثم قال لي: هكنا أدركنا الأشياخ خلاف ما عليه أهل هذ (االزمان، يتعلم أحدهم مسائل، فيود أن لو عرف جميع أهل الأرض، قال: وكانيقول مدح الناس للعبد قبل مجاوزته الصراط كله غرور انتهى.

وممن أخذ عنه الشيخ نجم الدين الغيطي، سمع عليه الموطأ برواية أبي مصعب، وقطعة من مسند الطيالسي، وأخذ عنه النخبة لابن حجر، وغير ذلك، وهو الذي تخرجت به، وانتفعت في فن الحديث، قال: وكانت وفاته سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة انتهى.

وما ذكره من وفاته تقريب وتحرير وفاته، كما قرأت بخط العلائي يوم الاثنين سابع القعدة سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ثم دفن يوم الثلاثاء بعد الصلاة عليه في جماعة قليلة بباب النصر، في تربة الصلاحية على أبيه، وتوفر له حظه من إيثار الخمول على الشهرة حياً وميتاً رحمه الله تعالى - وقال: وهو آخر ذرية ابن خلكان فيما يعلم، ولم يعقب رحمه الله تعالى.

محمد بن الصعيدي: محمد بن أبي بكر، الشيخ الصالح المعتقد بدر الدين ابن الشيخ أبي بكر المصري الأحمدي، المعروف بابن الصعيدي، شيخ السادة الأحمدية. كان

الناس يتبركون به، ولهم فيه مزيد اعتقاد، وكان تحمل إليه الهدايا والإدرارات خصوصاً إذا شرع في التوجه إلى مولد سيدي أحمد البدوي - رضي الله تعالى عنه -، وكان مقبول الشفاعة، في الدولتين، مسموع الكلمة عند ملك الأمراء، فمن دونه، وكان إذا دخل على نائب مصر انتصب له قائماً، وانفرد به وقضى حوائجه، وقبل شفاعته، واعتبر كلامه، وأظهر ذلك بين خواصه وجماعته، وجعله أباً له، وكان يقطع خصومات، وينفذ أموراً لا يقدر عليها غيره، وكان يستخلص من القتل، وكان عليه السكينة والدهابة، وظهرت عليه خوارق وهابه الناس، وأقبلت عليه الدنيا، وكثرت مزارعه ومواشيه، وزوجه الأعيان ببناتهم، وبنيت له الزوايا، وعمرت له العمائر، وبقي على مكانته إلى أن توفي يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الثانية سنة ثمان وعشرين وتسعمائة. ولما بلغ ملك الأمراء موته تأسف عليه، وأجلس أولاده في حجره، ورسم لهم بإمضاء جميع جهاتهم، وأبقاهم على ما كان بيده رحمه الله تعالى.

محمد بن ظهيرة: محمد بن أبي السعود بن إبراهيم، الشيخ الإمام العلامة، قاضي قضاة مكة المشرفة صلاح الدين بن ظهيرة المكي الشافعي. جرت له محنة في أيام الجراكسة، وهي أن السلطان الغوري حبسه بمصر من غير جرم ولا ذنب. بل للطمع في مال يأخذه منه على عادته، ولما خرج بعساكره من مصر لقتال السلطان سليم بن عثمان. أطلق كل من في حبسه من أرباب الجرائم وغيرهم، ولم يطلق صاحب الترجمة. بل أبقاه في الحبس، وسافر، فقتل في مرج دابق، فلما وصل الخبر بقتله، وكسر عسكر الجراكسة إلى مصر، وتسلطن طومان باي. توجه السلطان طومان باي إلى الحبس، وأطلق القاضي صلاح الدين، ثم لما وصل السلطان سليم خان إلى مصر جاء إليه القاضي صلاح الدين، فاكرمه وعظمه وخلع عليه وجهزه إلى مكة معزوزاً مكرماً مع الإحسان إليه، وكان بمصر جماعة من الحجازيين، فأحسن السلطان سليم إليهم كلهم، وكان القاضي صلاح الدين هو المشار إليه في تفرقة الصدقات السليمية في تلك السنة، وخطب عام إذ في الموقف الشريف خطبة عرفة، وبقي بمكة إلى أن توفي رحمه الله تعالى - في أواخر سنة ست أو أوائل سنة سبع وعشرين وتسعمائة. وصلي عليه غائباً بالجامع الأموي بدمشق يوم الجمعة سابع عشري ربيع الأول سنة وعشرين وتسعمائة.

محمد المقري: محمد بن أبي عبيد، الشيخ الإمام العالم العلامة، شمس الدين المقري الشافعي خليفة الحكم العزيز بالقاهرة. قال الحمصي: وكان فاضلاً ذكياً مفنناً. توفي بالقاهرة يوم الجمعة ثالث عشري رمضان سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وصلي عليه بجامع الحاكم، وكانت جنازته حافلة.

محمد ابن أبي الحمائل: محمد بن أيي الحمائل، الشيخ الصالح، ولي الله تعالى، العارف به شمس الدين السروي المصري، الشهير بابن أبي الحمائل، ذكره شيخ الإسلام الجد فيمن صحبهم من أولياء الله تعالى، وكان رضي الله تعالى عنه أحد الرجال المشهورين بالهمة والعبادة، وكان إذا غلب عليه الحال تكلم بالعبرانية والسريانية والعجمية وغير ذلك من الألسن، وكان لا يتكلم بشيء، والحال غلب عليه إلآ نفذ، وكان يطير في الهواء والناس يشاهدونه، وقال عن نفسه: بينما أنا في منارة فارس كور ليلة إذ مز علي جماعة طيارة، فدعوني إلى مكة شرفها الله تعالى، فطرت معهم بقبقابي، فحصل عندي عجب بحالي، فسقطت في بحر دمياط، فلولا أني كنت قريباً من البر غرقت، وساروا وتركوني، وشكى إليه مرة أهل بلد من كثرة الفار في مقاتيهم، فقال لبعض جماعة: اذهب فناد في الغيط حسبما رسم محمد ابن أبي الحمائل أن ترحلوا أجمعون، فنادى الرجل لهم كما قال الشيخ، فخرج الفار كله من ذلك الوقت، فلم ير هناك واحدة منها، وقيل: أمره أن ينادي معاشر الفيران حسبما رسم محمد بن أبي الحمائل إنكم ترحلون من هذا الغيط، وكل من قعد منكم بعد الليلة شنق بلا معاودة، فخرجت الفار كلها إلا سبعاً فوجدت مشنوقة في عيدان العصفر، وقد استقصى بعض أحواله الشيخ عبد الوهاب الشعراوي في طبقاته، وكانت وفاته بمصر في سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، وصلي عليه بالجامع الأزهر، ودفن بزاويته بخط بين الصورين، وقبره بها ظاهر يزار.

محمد التونسي: محمد بن أحمد، الشيخ الإمام، المدقق الصالح. أبو المواهب التونسي الشاذلي نزيل مصر، وهو الذي كان متصدراً في قبالة رواق المغاربة بالجامع الأزهر، وكان صاحب أوراد وأحوال، توفي في أوائل القرن العاشر رحمه الله تعالى.

محمد بن خطيب حمام الورد: محمد بن أحمد بن محمد القاضي، كمال الدين الدمشقي الشهير بابن خطيب حمام الورد، ولد سابع عشر رجب سنة ست وأربعين وثمانمائة، وتوفي في جمادى سنة ثلاث وتسعمائة - رحمه الله تعالى.

محمد أبي الفضل: محمد بن أحمد بن محمد بن أيوب، الشيخ العلامة، المفنن محب الدين الشهير بأبي الفضل الدمشقي الشافعي. مولده في ثالث عشر شعبان سنة أربعين وثمانمائة. أخذ عن الشيخ زين الدين الشاوي وغيره، وألف كتباً في الفقه وغيره. منها شرح على المنهاج وشرح على المنفرجة وتخميسها وغير ذلك، وعني بحل الزايرجه السبتية، وتوفي يوم الاثنين تاسع عشر المحرم سنة خمس وتسعمائة، ودفن من الغد بمقبرة الفراديس شمالي شباك الخانقاه النحاسية غربي الذهبية عند شيخه ابن الشاوي، ومن شعره قوله ملمحاً بحديث المسلسل بالأولية رواه عنه ابن طولون ومن خطة نقلت:

إن رمتم فوزاً لدى رب السماوأن تنالوا في الجنان أنعما
فأهل الأرض أوسعوهم رحمةلعل أن يرحمكم من في السما

محمد العمري: محمد بن أحمد محمد سيدي الشيخ، العارف بالله تعالى، الولي الورع، الزاهد المجذوب، شمس الدين محمد ابن سيدي الشيخ العارف بالله تعالى أبي العباس بن شمس الدين العمري، الواسطي، المصري. قال الحمصي: كان له كرامات ظاهرة، وكشف صحيح، وكانت وفاته بالقاهرة يوم الأربعاء، في سادس عشري جمادىالآخرة سنة عشرة وتسعمائة. ودفن بجامعه بالقاهرة بقرب والده.

محمد الكوكاجي الحنبلي: محمد بن أحمد أقضى القضاة عز الدين ابن القاضي شهاب الدين الكوكاجي الحموي، ثم الدمشقي الحنبلي، ولد بعد الأربعين وثمانمائة، وتوفي عشية الثلاثاء تاسع عشر في القعدة سنة سبع عشرة وتسعمائة. وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن بالروضة من سفح قاسيون - رحمه الله تعالى.

محمد بن شكم: محمد بن أحمد الشيخ الإمام العلامة نجم الدين ابن الشيخ

العلامة شهاب الدين الشهير بابن شكم الدمشقي الشافعي، قال الحمصي: كان عالماً صالحاً زاهداً. وذكر ابن طولون في تاريخه أنه كتب على أربعين مسألة بالشامية. كتبها له وسأله عنها مدرسها شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون، فكتب عليها، وعرضها عليه يوم الأربعاء سادس عشري ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة عند ضريح الواقفة، فأسفر عن استحضار، حسن، وفضيلة تامة، وكانت وفاته في خامس عشر شوال يوم الاثنين سنة تسع عشر وتسعمائة بتقديم التاء، ودفن بصالحية دمشق رحمه الله تعالى.

محمد بن البهوتي: محمد بن أحمد القاضي بدر الدين بن أبي العباس البهوتي المصري الشافعي من أعيان المباشرين بمصر، وكان ذا ثروة ووجاهة زائدة، حتىهابه بنو الجيعان وغيرهم من أرباب الديوان، وكان قد عرض بعض الكتب في حياة والده على الشرف المناوي، والجلال البكري، والمحب ابن الشحنة، والسراج العبادي وغيرهم، وكان ملازماً للشيخ محمد البكري النازل بالحسينية، وله فيه اعتقاد زائد، ولما دخل السلطان سليم بن عثمان مصر القاهرة، وتطلب العثمانيون الجراكسة ببيوت مصر وجهاتها، حشى القاضي بدر الدين البهوتي على نفسه وعياله، فحسن عنده أن يتوجه بهم إلى مصره عند صهره نور الدين البكري، فأنزلهم في الشختور، ثم أتى مسرعاً لينزل معهم، فوضع قدمه على حافة الشختور، فاختلت به، فسقط في النيل فغرق، فاضطربوا لغرقه، فانحدر الشختور إلى الوطاف العثماني، فظنوا أنهم من الجراكسة المتشبهين بالنساء، فأحاطوا بهم وسلبوهم ما معهم بعد التفتيش، فبينما هم على ذلك إذ أتى زوجة القاضي بدر الدين المخاض، فرحمها شخص بقرب قنطرة قديدار، فوضعت ولداً ذكراً في منزله، وكان القاضي بدر الدين يتمنى ذلك، وينذر عليه النذور، فلم يحصل إلا على هذا الوجه، وأحيط بماله وما جمعه، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وكان ذلك في أواخر سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة.

محمد بن العجمي الحنبلي: محمد بن أحمد بن علي بن إبراهيم أقضى القضاة، السيد الشريف ناصر الدين أبو عبد الله العجمي الأصل، الحلبي المولد، الإردبيلي الخرقة الحسيني الحنبلي، المعروف بالمهمازي. توفي بحلب سنة ست وعشرين وتسعمائة.

محمد بن الشماخي: محمد بن أحمد الشيخ، الصالح الناسك السالك. بل العارف بالله تعالى، المربي المسلك المعمر، كمال الدين ابن الشيخ غياث الدين ابن الشيخ

كمال الدين الشماخي الأصل والمولد، وشماخي أم المدائن بولاية شروان. أخذ عن السيد يحيى ابن السيد بهاء الدين الشرواني الشماخي المولد، ثم الباكوي الوطن، وباكو بلدة من ولاية شروان أيضاً وبها توفي السيد يحيى - إلى رحمة الله تعالى - في سنة ثمان أو تسع وستين وثمانمائة، وكان السيد يحيى هذا جليل المقدار انتشرت خلفاؤه إلى أطراف الممالك، وترجمه صاحب الشقائق النعمانية. وقال: يحكى عنه أن لم يأكل طعاماً في آخر عمره مقدار ستة أشهر، فاشتهى في تلك المدة طعاماً عينه، فاهتم أكبر أولاده به، وأحضره، فلما أخذ لقمة اشتغل بتقرير المعارف الإلهية زماناً، ثم ترك اللقمة، ولم يأكلها فقيل له في ذلك، فقال: إن الحكيم لقمان تغذى برائحة شيء من الترياق عدة سنين، ولا بعد في أن أتغذى برائحة هذه اللقمة.

وأما مريده الشيخ كمال الدين صاحب الترجمة، فذكر العلائي أنه دخل القاهرة بعد فتنة الطاغية إسماعيل شاه، فلم يظهر مشيخة ولا سلوكاً، ولا تقرب من أرباب الدنيا، بل جلس في حانوت بقرب خان الخليل يشتغل فيه الأقماع والكوافي على أسلوب العجم بحسن صناعة، وجميل دربة، وإتقان صنع. قال: وكان حافظاً لعبارات كثير من المشائخ، وآدابهم، وأخلاقهم، وحسن سيرتهم مما خلا منه كثير من المتصدرين مع عدم التكثر والتبجح، وكان وفاته ليلة الاثنين ثالث ربيع الأول سنة سبع وعشرين وتسعمائة. عن نيف وتسعين سنة ووقع في كلام العلائي عن مائة وثلاث عشرة سنة رحمه الله تعالى.

محمد بن النجار الدمياطي: محمد بن أحمد بن عيسى الشيخ الإمام الأوحد العلامة. الحجة العمدة اللهامة شيخ وقته أمين الدين أبو الجود بن النجار الدمياطي، الشافعي خطيب جامع الغمري بمصر، وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام الجد مع أنه أسن منه، وأشياخ شيخ الإسلام الوالد، ووصفه الوالد " بشيخ " الإسلام، ومرة أخرى بولي الله تعالى، ولد كما قرأته بخط تلميذه الشيخ نجم الدين الغيطي سنة خمس وأربعين وثمانمائة. وممن أخذ العلم عنهم أيضاً شيخ الإسلام صالح البلقيني، والتقي الشمني، والسيدة زينب بنت الحافظ عبد الرحيم العراقي وغيرهم، وقد كان - رحمه الله تعالى - ممن جمع الله له بين العلم والعمل،

وكان في علوم الشرع إماماً، وفي علوم الحقيقة قدوة، وكان متواضعاً يخدم العميان والمساكين ليلاً ونهاراً، ويقضي حوائجهم، وحوائج الفقراء، والأرامل، ويجمع لهم من أموال الزكاة، ويفرقها عليهم، ولا يأخذ لنفسه من ذلك شيئاً، وكان يلبس الثياب الزرق، والجبب السود، ويتعمم بالقطن غير المقصور، وكان لا يترك قيام الليل صيفاً ولا شتاءً، وكان ينام بعد الوتر لحظة، ثم يقوم وينزل إلى الجامع، فيتوضأ ويصلي والباقي للفجر نحو سبعين درجة، ثم يصعد الكرسي ويتلو نحو ربع القرآن سراً، فإذا أذن الصبح قرأ جهراً قراءة تأخذ بجوامع القلوب، فمر نصراني من مباشري القلعة يوماً في السحر، فسمع قراءته فرق قلبه وأسلم على يدي الشيخ وهو على كرسته، وحسن إسلامه، وصلى معه الفجر، وبقي يصلي خلفه إلى أن مات، وكان يأتيه الناس للصلاة خلفه من بولاق، ومن نواحي الجامع الإزهر في صلاة الصبح لحسن صوته، وخشوعه، وكثرة بكائه حتى يبكي غالب الناس خلفه، وكان سيدي أبو العباس الغمري يقول عن جامعه: الجامع جثة، والشيخ أمين الدين روحها، وكان يقري ويضيف كل وارد، وكان يخدم نفسه، ويحمل الخبز على رأسه إلى الفرن، ويحمل حوائجه من السوق، ولا يمكن أحداً من حمل ذلك، وكان مع هذا له هيبة عظيمة يكاد من يعرفه يرعد من هيبته، وكان قد انتهت إليه الرئاسة بمصر في علوم السنة بالكتب الستة وغيرها، وكان يقرأ الأربع عشرة رواية، ومناقبه كثيرة.

وله كرامات منها ما أحكاه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي - رحمه الله تعالى - أنه رآه مرة

أقسم على خشبة، فزحفت حتى وصلت إلى ركبتيه، ونقل ابن طولون عن الشيخ الفضل بن أبي اللطف أنه كان من أهل العلم. قال: وجرت له محنة في أيام السلطان قانصوه الغوري، وهي أن بعض التجار أودع عنده مالاً له صورة، وقال له: إذا بلغ ولدي بعد موتي، فادفعه إليه، فجاء الولد إليه، وهو دون البلوغ يطلب منه المال، فقال له: حتى تبلغ، فذهب إلى السلطان، فاشتكى عليه، فطلبه السلطان وطالبه بالوديعة، فأنكرها وحلف عليها، ثم لما بلغ الولد أقر بها، ودفعها إليه، فعلم السلطان بذلك، فطلبه فقال له: كيف تحلف ما عندك وديعة والآن قد أقررت بها؟ فقال له: إن فقهاء الشافعية كالنووي في الروضة قالوا: إن الظالم إذا طلب الوديعة من الوديع، وخاف منه عليها له أن ينكرها، ويحلف على ذلك وأنت ظالم، فرسم عليه السلطان، ثم شفع فيه، فأطلقه وأخبرنا شيخ الإسلام الوالد إجازة إن لم يكن سماعاً أن والده شيخ الإسلام رضي الدين الجد نظم قصيدة في نحو مائة بيت في معنى سأله في نظمه تلميذه شيخ المسلمين أمين الدين ابن النجار صاحب الترجمة، فأجابه إلى سؤاله، وكتب إليه من القصيدة بهذه القطعة:

إلهي سيدي ربي أغثنيوخذ بيدي ومن بعدي أجرني
إلهي قد جنيت وأي عبدضعيف الخلق مثلي ليس يجني
إلهي ليس أجدر بالخطاياوبالتقصير والزلات مني
إلهي لو أتيت بكل ذنبفلا أولى بعفو عنك عني
إلهي أنت ذو صفح جميلوجود واسع وعظيم من
إلهي ما عصيت بغير علمولا أبداً أطعت بغير إذن
إلهي إن أطع فبمحض فضلوإن أعص فمن نقص ووهن
إلهي ما لعبد حجة فيتحمله الجناية والتجني
إلهي إن حجتك التي قد علابرهانها من غير طعن
إلهي ليتني لوكنت عبداًبلا خطأ وهل يجدي التمني
إلهي ليتني لا كنت إذ لمأطعك وليت أمي لم تلدني
إلهي إن خوفي زاد لولارجائي مت من هم وحزن
إلهي من يناقش في حسابيعذب منه يا رب أقلني
إلهي أنت قهار حليمبحقك منك يا ذخري أعذني
إلهي ليس إلا أنت ربيفلا أبداً بغيرك تمتحني
إلهي إن أسأت بغير علمفإني فيك قد أحسنت ظني
إلهي أنت قد حققت فقريإليك وليس شيء عنك يغني
إلهي إنني أخشى وأرجوأماناً منك فامنن لي بأمن
إلهي غير بابك في أموريإذا ما ضقت ذرعاً لم يسعني
إلهي قد رجعت إليك عماسواك فلا إلى غير تكلني
إلهي مثل ما أحسنت بدءاًففي العقبي بحقك لا تسئني
إلهي من يعين على وصوليإلى ما يرتضى إن لم تعني
إلهي من سواك يزيل هميومن أدعوه مضطراً يجبني
إلهي لست أحصي ما به قدمنحت من العطاء بلا تعني

كانت وفاة الشيخ أمين صاحب صاحب الترجمة - رحمه الله تعالى - ليلة السبت السابع والعشرين من شهر القعدة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، وقال الشعراوي سنة تسع

وعشرين، وهو تقريب منه على عادته الغالبة في طبقاته، والأول أصح، حرره الحمصي في تاريخه، ويؤيده ما ذكره ابن طولون أنه صلي عليه غائبة بالجامع الأموي بدمشق يوم الجمعة ثاني عشري صفر سنة تسع وعشرين وتسعمائة، قال الشعراوي: ودفن بتربة خارج باب النصر، بالقرب من زاوية سيدي الحصري رضي الله تعالى عنهما.

محمد بن الكنجي: محمد بن أحمد، الشيخ الإمام العالم أبو عبد الله شمس الدين ابن الشيخ الصالح شهاب الدين الكنجي الدمشقي الشافعي، ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة، وقرأ العربية على الشيخ موسى التونسي المغربي، ثم قدم دمشق وصار من أصحاب شيخ الإسلام الجد، وشيخ الإسلام الوالد، وقرأ عليهما قال الشيخ الوالد: لزمني كثيراًوقرأ علي جانباً كبيراً، نحو الثلث من كتاب المصابيح للبغوي، ومن شرحي على منظومة والدي شيخ الإسلام، مختصر جمع الجوامع في الأصول، من أوله إلى مسألة ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، فهو واجب، وغير ذلك، قال: وحضر تقاسيدي للمنهاج والتنبيه وهو عمي من الرضاع، وكان - رحمه الله تعالى - له يد في النحو والحساب والميقات، حافظاً للقرآن، مجوداً، وولي، مشيخه الكلاسة، مات يوم الجمعة خامس عشر ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ودفن بباب الصغير، وكان ينشد كثيراًفي معنى الحديث:

والناس أكيس من أن يمدحوا رجلاًحتى يروا عنده آثار إحسان

محمد بن الفيوفي: محمد بن أحمد، الشيخ العلامة بدر الدين الفيومي الصوفي، كان من أصحاب شيخ الإسلام الوالد، سمع عليه مجلسين من صحيح مسلم، بقراءة صاحبه الشيخ برهان الدين البقاعي، وحضر مجالسه في غير ذلك، وتوفي، بحلب سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.

محمد بن الموقع: محمد بن إسماعيل القاضي محمد بن عماد الدين الموقع، قال الحمصي: كان مباركاً، توفي في دمشق في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وتسعمائة.

محمد بن جمعة: محمد بن جمعة، الشيخ الإمام العلامة بدر الدين الفيومي الحنفي المعروف بابن جمعة، من أعيان العلماء الفضلاء بمصر ومشاهيرهم بها، ولي، مشيخة القبة بتربة بشبك بالمطرية، ودخل إلى الروم مرتين، ودخل فيهما دمشق، الأولى صحبة قاصد السلطان قايتباي، فعاد إلى دمشق منها في جمادى الأولى سنة ست وتسعمائة، والثانية في سنة

سبع وتسعمائة، بتقديم السين فيهما، وكتب فيها بدمشق عند جوازه بها قاصداً لملك الروم السلطان أبي يزيد بن عثمان، في نصف شهر صفر من السنة المذكورة إلى شيخ الإسلام رضي الدين الغزي جدي لغزاً صورته:

يا من له أدب وفضل لا يحدومحاسن فوق الحساب فلا تعد
ويحل إن نفث البليغ معانياًفي مبهمات اللفظ فهي لها عقد
ما اسم تركب من حروف مثل ماقد قامت الأركان منا بالجسد
فأعجب لها من أربع قد ركبتفردين مع زوجين في اللفظ انعقد
فرد وزوج أولان اتصلاكأن ذا وذاك روح وجسد
وآخران انفصلا بعدهماكعاشق معشوقه عنه انفرد
فبين فردين أتى زوج كذاما بين زوجين لنا فرد ورد
والأول النصف لثان عدهوالثالث النصف لرابع العدد
والثالث الثلث لأول كمارابعه ثلث لثانيه يعد
وعد حرف منه ساوى عدد الباقي لمن قابل ذا بذا وعد
حرف له نصف وحرف ثلثوحرف السدس حساباً لن يرد
ذاك ثلاثة وهذا إثنان والآخر إن تطلبه واحد أحد
يقلى الذي يلقاه أبو لم يلقهجوى بقلب واجب طول الأبد
قد بان ما قد بان من لغز يرىطرداً وعكساً في نظام اطرد
فهاك لغزي إن ترد جوابهتجده دونه بدا يا ذا الرشد
فأت به مبيناً مفصلاًوحل مافي النظم حل وانعقد

فأجاب عنه شيخ الإسلام الجد بقوله رضي الله تعالى عنه:

يا سيداً حاز الفضائل وانفردبمعارف قد جد فيها واجتهد
مازلت تبدي كل حين تحفةبعجائب من بحر عرفان تمد
أرسلت لي لغزاً بديعاً وصفهعقدته بنوادر لا تنتقد
في اسم تركب من حروف أربعمعلومة مثل الطبائع في العدد
فردين مع زوجين فيها ركباًمن أول مع آخر أيضاً ورد
مع ما ذكرت به من الألغاز فينظم ببحر كامل منه استمد
وطلبت فيه جواب ما ألغزتهمني بتفصيل يحلل ما انعقد
وجواب لغزك بين أوضحتهبصريح لفظ فيه بالمعنى اتحد
النصف منه الربع أو إن شئت قلنصف وربع نصفه من غير رد
والربع نصف ربعه أو ضعفهمن طرده أو عكسه حيث اطرد
والربع نصف سدسه أو سدسههندسة ما ثم من لها جحد
والقلب واجباً إذا انتدبتهكذا وليس خافياً على أحد
وهو الصواب إن حذفت أولاًعوضته بسورة بلا فند
وهو الجواب بحذف آخر وإنيبدل بدال فجواد ذو مدد
وإنه المسؤول عنه ظاهراًفدم بجنة الرضى إلى الأبد

توفي الشيخ بدر الدين بن جمعة صاحب الترجمة في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وتسعمائة.

محمد بن المزلق: محمد بن حسن، قاضي القضاة شمس الدين أبو البقاء بن المقر بدر الدين ابن الخواجا شمس الدين الشهير بابن المزلق الدمشقي الشافعي، ولد بالقدس الشريف سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وتوفي مقتولاً شهيداً بدمشق، ليلة الخميس تاسع عشر رجب سنة اثنتين وتسعمائة، ودفن بتربتهم شرقي مسجد الدبان، قيل: عاملت جاريتاه عليه ثلاثة مماليك من مماليك الحاجب الكبير تمريغا - رحمه الله تعالى -.

محمد بن القلفاط: محمد بن حسن، القاضي ولي الدين ابن القاضي بدر الدين بن القلفاط الشافعي، خليفة الحكم العزيز بالقاهرة، حكم بين خصمين في بناء جدار، وحكم القاضي شمس الدين الخطيب المصري الحنفي بخلافه، فترافع الخصمان إلى السلطان الغوري فطلب القاضيين، ونهر صاحب الترجمة منهما، فعاد إلى بيته واستمر ضعيفاً أياماً، إلى أن مات يوم الاثنين ثاني عشر القعدة سنة إحدى عشرة وتسعمائة ببولاق - رحمه الله تعالى -.

محمد بن الشاوي: محمد بن حسن، الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله

شمس الدين ابن الشيخ بدر الدين الشاوقي الشافعي، توفي يوم الجمعة سابع عشر شعبان سنة اثتتي عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد بن الساموني: محمد بن حسن بن عبد الصمد، العالم العامل الزاهد المولى محيي الدين الساموني الروفي الحنفي، قرأ على والده، وعلى المولى علاء الدين العربي، ثم ولي التدريس، وترقى فيه، ثم صار قاضي أدرنة من قبل السلطان سليم، وتوفي وهو قاض بها. قال صاحب الشقائق النعمانية: كان مشتغلاً بالعلم غاية الاشتغال، بحيث لا ينفك عن حل الدقائق ليلاً ونهاراً، وكان معرضاً عن مزخرفات الدنيا، وكان يؤثر الفقراء على نفسه، حتى يختار لأجلهم الجوع والعري، وكان راضياً من العيش بالقليل، وكان له محبة صادقة للصوفية، وله حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف، وحواش على حاشية التجريد للسيد أيضاً، وحواش على التلويح للعلامة التفتازاني، وكانت وفاته سنة تسع عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد بن البابي الحلبي البيلوني: محمد بن حسن بن محمد بن أبي بكر، الشيخ العالم العامل الصالح، شمس الدين أبو عبد الله ابن الشيخ الصالح المقري بدر الدين البابي المولد، الحلبي المنشأ، الشافعي، المعروف بابن البيلوني، لازم الشيخ بدر الدين بن السيوفي، وحدث عنه، وقرأ على الكمال محمد بن الناسخ الطرابلسي، وهو نزيل حلب في شعبان سنة خمس وتسعمائة، من أول صحيح البخاري إلى أول تفسير سورة مريم، وأجازه ولمن معه، وأجازه جماعة آخرون منهم الحافظ شمس الدين السخاوي، وألبسه الطاقية، وصافحه وأسمعه الحديث المسلسل بالمصافحة، ومنهم الكمال والبرهان ابنا أبي شريف الشافعيان المقدسيان، وذلك عن اجتماع بهما وقراءة عليهما، وحدث بجامع حلب على الكرسي بصحيح البخاري وغيره، وولي إمامة السفاحية والحجازية بجامع حلب دهراً، وكان متقشفاً متورعاً عن فاخر الثياب، وأثوابه إلى أنصاف ساقيه عملاً بالسنة، متواضعاً يعبر عن نفسه بلفظ عبيدكم كثيراً، وكان ربما قال لغيره، كيف وليدكم وعبيدكم؟ فناقشه بعضهم في ذلك، فأجاب بأنه يقصد بالتصغير التعظيم كما هو مذهب الكوفيين، وكانت وفاته بحلب يوم السبت ثاني عشري القعدة سنة تسع عشرة وتسعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع