من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)
حرف العين المهملة
الصفحة ٢ من ٢
الجامعة، النافعة المتقنة، المحررة، المعتبرة نيفت عدتها على خمسمائة مؤلف، وقد استقصاها الداوودي في ترجمة وشهرتها تغنينا عن ذكرها هنا، وقد اتفقت روايتنا لها عن شيخ الإسلام الوالد عنه بحق إجازته له، وأذن له بروايتها عنه، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في البلاد الحجازية، والشامية، والحلبية، وبلاد الروم، والمغرب، والتكرور، والهند، واليمن، وكان في سرعة الكتابة والتأليف آية كبرى من آيات الله تعالى. قال تلميذه الشمس الداوودي: عاينت الشيخ، وقد كتب في ويومالجامعة، النافعة المتقنة، المحررة، المعتبرة نيفت عدتها على خمسمائة مؤلف، وقد استقصاها الداوودي في ترجمة وشهرتها تغنينا عن ذكرها هنا، وقد اتفقت روايتنا لها عن شيخ الإسلام الوالد عنه بحق إجازته له، وأذن له بروايتها عنه، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في البلاد الحجازية، والشامية، والحلبية، وبلاد الروم، والمغرب، والتكرور، والهند، واليمن، وكان في سرعة الكتابة والتأليف آية كبرى من آيات الله تعالى. قال تلميذه الشمس الداوودي: عاينت الشيخ، وقد كتب في ويوم
واحد ثلاثة كراريس تأليفاً وتحريراً، وكان مع ذلك يملي الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، ورجاله، وغريبه، واستنباط الأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مئتي ألف حديث. قال: ولو وجدت أكثر لحفظته. قال: ولعله لا يوجد على وجه الأرض الان أكثر من ذلك، ولما بلغ أربعين سنة من عمره أخذ في التجرد للعبادة والإنقطاع إلى الله تعالى، والإشتغال به صرفاً، والإعراض عن الدنيا وأهلها كانه لم يعرف أحداً منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلف ألفه في ذلك وسماه " بالتنفيس " وأقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات لم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه، وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته، ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها، وأهدى إليه الغوري خصياً وألف دينار، فرد الألف، وأخذ الخصي فاعتقه وجعله خادماً في الحجرة النبوية، وقال لقاصد السلطان: لا تعد تأتينا قط بهدية، فإن الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك، وكان لا يتردد إلى السلطان، ولا إلى غيره، وطلبه مراراً فلم يحضر إليه، وقيل له: إن بعض الأولياء كان يتردد إلى الملوك والأمراء في حوائج الناس، فقال: أتباع السلف في عدم ترددهم أسلم لدين المسلم.
وألف كتاباً سماه " ما رواه الأساطين، في عم التردد إلى السلاطين "، قلت: وقد نظمت
هذا الكتاب في منظومة لطيفة حافلة، وزدت على ما ذكره زيادات شريفة، ورؤي النبي ﷺ في المنام، والشيخ السيوطي يسأله عن بعض الأحاديث، والنبي ﷺ. يقول له: هات يا شيخ السنة، ورأى هو بنفسه هذه الرؤيا، والنبي ﷺ. يقول له: هات يا شيخ السنة، وذكر الشيخ عبد القادر الشاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول: رأيت النبي ﷺ يقظة. فقال لي: يا شيخ الحديث، فقلت له: يا رسول الله أمن أهل الجنة أنا؟ قال: نعم، فقلت: من غير عذاب يسبق؟ فقال ﷺ: لك ذلك، وألف في ذلك كتاب " تنوير الحلك، في إمكان رؤية النبي والملك "، وقال له الشيخ عبد القادر، قلت له يا سيدي: كم رأيت النبي ﷺ يقظة؟ فقال: بضعاً وسبعين مرة، وذكر خادم الشيخ السيوطي محمد بن علي الحباك أن الشيخ قال له يوماً وقت القيلولة وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر بالقرافة: نريد أن نصلي العصر في مكة بشرط أن تكتم ذلك علي حتى أموت. قال: فقلت: نعم. قال: فأخذ بيدي، وقال: غمض عينيك، فغمضتها فرمل في نحو سبع وعشرين خطوة، ثم قال لي: إفتح عينيك، فإذا نحن بباب المعلى، فزرنا أمنا خديجة، والفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة وغيرهم، ودخلت الحرم، فطفنا وشربنا من ماء زمزم، وجلسنا خلف المقام حتى صلينا العصر، وطفنا وشربنا من زمزم، ثم قال لي: يا فلان ليس العجب من طيئ الأرض لنا، وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا، ثم قال لي: إن شئت تمضي معي، وإن شئت تقم حتى يأتي الحاج.
قال: فقلت: بل إذهب مع سيدي، فمشينا إلى باب المعلا، وقال لي: غمض عينيك، فغمضتها، فهرول بي سبع خطوات، ثم قال لي: إفتح عينيك، فإذا نحن بالقرب من الجيوشي، فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض، ثم ركب الشيخ حمارته، وذهبنا إلى بيته في جامع طولون.
وذكر الشعراوي، عن الشيخ أمين الدين النجار إمام جامع الغمري أن الشيخ أخبره بدخول ابن عثمان مصر قبل أن يموت، وأن يدخلها في افتتاح سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وأخبره أيضاً بأمور أخرى تتفق في أوقات عينها، وكان الأمر كما قال - رضي الله تعالى عنه - ومحاسنه ومناقبه لا تحصى كثرة، ولو لم يكن له من الكرامات إلا كثرة المؤلفات مع تحريرها وتحقيقها لكفي ذلك شاهداً لمن يؤمن بالقدر، وله شعر كثير كثره متوسط، وجيده كثير، وغالبه في الفوائد العلمية، والأحكام الشرعية، فمن شعره وأجاد فيه:
فوض أحاديث الصفاتولا تشبه أو تعطل
إن رمت إلا الخوض فيتحقيق معضله فأول
إن المفوض سالممما يكلفه المؤول
وقال رضي الله تعالى عنه:
حدثنا شيخنا الكنانيعن أية صاحب الخطابة
أسرع أخا العلم في ثلاثالأكل والمشي والكتابة
وقال في الشافعي - رضي الله تعالى عنه - مضمناً مكتفياً:
إن ابن إدريس حقاًبالعلم أولى وأحرى
لأنه من قريشوصاحب البيت أدرى
وقال مقتبساً - رضي الله تعالى عنه.
أيها السائل قوماًما لهم في الخير مذهب
أترك الناس جميعاًوإلى ربك فارغب
وقال مقتبساً أيضاً:
عاب الإملاء للحديث رجالقد سعوا في الضلال سعياً حثيثا
إنما ينكر الأمالي قوملا يكادون يفقهون حديثاً
وقال مقتبساً:
لا تقابل الجهلابالذي أتوا تفلح
إن ترد أن تسوءهمفاعف عنهم واصفح
أعبد الله ودع عنك التواني بالهجود
ومن الليل فسبحه وإدبار السجود
وقال:
إني عزمت وما عزم بمنخرمما لم يساعده تقدير من الباري
أن لا أصاحب إلا من خبرتهمدهراً مقيماً، وأزماناً بأسفار
ولا أجالس إلا عالماً فطناًأو صالحاً أو صديقاً لا بإكثار
ولا أسائل شخصاً حاجة أبداًإلا استعارة أجزاء وأسفار
ولا أذيع، ولا للعالم الفطن الصديق ما يحتوي مكنون أسراري
ولا أصاحب عامياً، وإن شهدوابأنه صالح معدوم أنظار
ولست أحدث فعلاً غير مفترضأو مستحب، ولم يدخل بانكار
ما لم أقم مستخير الله متكلاًوتابعاً ما أتى فيها من آثار
وقال متشكياً:
طوبى لمن مات فاستراحاونال من ربه فلاحا
ما نحن إلا في قوم سوءأذاهم قد بدا ولاحا
وكانت وفاته - رضي الله تعالى عنه - في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وتسعمائة في منزله بروضة المقياس بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر، وقد استكمل من العمر إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوماً، وكان له مشهد عظيم، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة، وصلي عليه غائبة بدمشق
بالجامع الأموي يوم الجمعة ثامن رجب سنة إحدى عشرة المذكورة. قيل: أخذ الغاسل قميصه وقبعه فاشترى بعض الناس قميصه من الغاسل بخمسة دنانير للتبرك به، وباع قبعه بثلاثة دنانير لذلك أيضاً، ورثاه عبد الباسط بن خليل الحنفي بقوله:
مات جلال الدين غيث الورىمجتهد العصر إمام الوجود
وحافظ السنة مهدي الهدىومرشد الضال بنقع يعود
فيا عوني انهملي بعدهويا قلوب انفطري بالوقود
واظلمي يا دنيا إذ حق ذابل حق إن ترعد فيك الرعود
وحق للضوء بأن ينطفيوحق للقائم فيك القعود
وحق للنور بأن يختفيولليالي البيض إن تبق سود
وحق للناس بأن يحزنوابل حق أن كل بنفس يجود
وحق للأجبال خر وإنتطوى السما طيا كيوم الوعود
وأن يغور الماء والأرض أنتميد إذ عم المصاب الوجود
مصيبة حلت فحفت بناوأورثت نار اشتعال الكبود
صبرنا الله عليها وأولاهنعيماً حل دار الخلود
وعمه منه بوبل الرضىوالغيث بالرحمة بين اللحود
ولعله رثي بالمراثي الحافلة، ولم أقف إلا على هذه القصيدة في تاريخ ابن طولون. ذكر أنه استملاها من بعض من قدم عليهم دمشق من القادمين، فكتبها هذا من خطه لئلا تخلوا الترجمة من مرثية ما رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن المقدسي: عبد الرحمن ابن الشيخ العلامة زين الدين بن جماعة المقدسي الشافعي شيخ الصلاحية بالقدس الشريف توفي بالقدس سنة أربع وعشرين وتسعمائة وصلي عليه وعلى الشيخ عبد القادر الدشطوطي غائبة بجامع بني أمية بدمشق يوم الجمعة ثاني عشر رمضان منها رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن عبد الله: عبد الرحمن بن عبد الله الفكيكي المغربي المالكي نزيل دمشق قرأ على شيخ الإسلام الوالد في الجرومية وغيرها ومات مطعوناً بدمشق سنة ثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن علي الأماسي: عبد الرحمن بن علي العالم العلامة المحقق الفهامة، المولى عبد الرحمن بن المؤيد الأماسي الرومي الحنفي، ولد بأماسية في صفر سنة ستين وثمانمائة واشتغل في العلم ببلده ولما بلغ سن الشباب صحب السلطان أبا يزيد، خان حين كان أميرا بأماسية فوشى به المفسدون إلى السلطان محمد خان والد السلطان أبي يزيد فأمر بقتله فبلغ السلطان أبا يزيد ذلك قبل وصول أمر والده فاعطاه عشرة آلاف درهم وخيلاً وسائر أهبة السفر وأخرجه ليلاً من أماسية ووجهه إلى بلاد حلب وكانت إذ ذاك في أيد الجراكسة فدخلها سنة ثمان وثمانين وثمانمائة فأقام هناك مدة واشتغل بها في النحو فقرأ على بعض أهلها في المفصل ثم أشار عليه بعض تجار العجم أن يذهب إلى المولى جلال الدين الدواني ببلدة شيراز ووصف له بعض فضائله فخرج مع تجار العجم في تلك السنة وقصد المنلا المذكور فقرأ عليه زماناً كثيراًوحصل عنده من العلوم العقلية والعربية والتفسير والحديث وأجازه وشهد له بالفضل التام بعد أن أقام عنده سبع سنين فلما بلغه جلوس السلطان أبي يزيد خان على تخت السلطنة سافر من بلاد العجم إلى الروم فصحب موالي الروم وتكلم معهم فشهدوا بفضله وعرضوه على السلطان فأعطاه مدرسة قلندر خانه بالقسطنطينية ثم إحدى الثماني ثم قضاء القسطنطينية ثم أدرنة ثم قضاء العسكر بولاية أناطولي ثم بولاية روم إيلي ثم عزل وجرت له محنة ثم لما تولى السلطان سليم خان أعاده إلى قضاء العسكر في سنة تسع عشرة وتسعه وسافر معه إلى بلاد العجم وكان معه في محاربة الشاه إسماعيل ثم عزل عن قضاء العسكر بسبب اختلال حصل له في عقله في شعبان سنة عشرين وتسعمائة وعين له كل يوم مئتي درهم ورجع إلى القسطنطينية معزولاً وكان قبل اختلاله بالغاً الغاية القصوى في العلوم العقلية والعربية ماهراً في التفسير مهيباً حسن الخط جداً ينظم الشعر بالفارسية والعربية وله مؤلفات بقي أكثرها في المسودات منها رسالة لطيفة في المواضع المشكلة من علم الكلام وكانت وفاته بالقسطنطينية ليلة الجمعة خامس عشر شعبان سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وقيل في تاريخ وفاته:
نفسي الفداء لحبر حل حين قضىفي روضة وهو في الجنات محبور
مقامه في علا الفردوس مسكنهأنيسه في الثرى الولدان والحور
قل للذي يبتغي تاريخ رحلتهنجل المؤيد مرحوم ومغفور
عبد الرحمن بن موسى المغربي: عبد الرحمن بن موسى المغربي التادلي
المالكي نزيل دمشق كان رجلاً فاضلاً صالحاً اختص بصحبة شيخ الإسلام الوالد وجعل نفسه كالنقيب لدرسه وحضر كثيراًمن دروسه وقرأ عليه في مختصر الشيخ خليل على مذهب الإمام مالك وقرأ عليه في الجرومية وفي منظومته نظم الجرومية ثم سافر إلى الحجاز فمات في الطريق سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع