من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)
عبد اللطيف بن أبي كثير
عبد اللطيف بن سليمان الشيخ الفاضل العلامة زين الدين بن علم الدين بن أبي كثير، المكي قدم دمشق، وأقام بها مدة، وقرأ الشفاء على الشيخ شمس الدين ابن طولون الصالحي، في مجلسين في رجب سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة، ثم سافر إلى السلطان سليمان حين كان ببغداد، فولاه قضاء مكة عن البرهان بن ظهيرة وأضيف إليه قضاء جده، ونظر الحرم الشريف، ثم رجع إلى دمشق فدخلها يوم الأربعاء سابع عشري رمضان سنة إحدى وأربعين وتسعمائة، وصار بينه وبين شيخ الإسلام الوالد صحبة ومودة، وكان له شعر حسن منه الموشح المشهور في القهوة:
قهوة البن مرهم الحزنوشفا الأنفس
فهي تكسو شقائق الحسنمن لها يحتسي
شاذلي المحا لها أمسقطب الزمان
ولها العيد روس قد كيسوابن ناصر أعان
والمناوي في المطهر الأقدساجتلاها عيان
وفحول اليمن أولو اليمنكفها تحتسى
قال فيها ما قال في زمزمشيخنا العالم
ولذي الباسور والهمنفعها حاسم
فقل لأمري لها حرمأيها الواهم
أنت تفتي بمقتضى الظنلك لا تاتسي
شربها بالقياس والاجماعمستحل مباح
فهي تنفيالأشباع ... والكرب والرياح
وتنيل الحواس والأسماعطرباً وارتياح
فأدرها على ذوي الفنسخنة الملمس
قل لمن شربها له ملهأن يروم الصواب
فاجتل كأسها على اسم اللهوأتل أم الكتاب
ثم صل على رسول اللهواحتسبها تثاب
ثم صفق إن شئت أو غنوافت أو درس
وقد عارض الشيخ أبو الفتح المالكي المغربي، هذا بموشح على وزنه، وقافيته وقال شيخ الإسلام الوالد: أخبرني الزيني عبد اللطيف بن أبي كثير عن بعض من ينسب لحمق أنه أرسل يراجعه في مسألة مع صبي مهمل حساً ومعنى، فشرع يقرر له المسألة ويريه الروضة وغيرها، ثم أرسل إليه مع الصبي المذكور، ورقة صورة ما فيها.
مولاي هذا الذي يراهوشكله الجامد المبرد
تلميذك الخبيث أضحىينبيك عن ذوقه المبدد
في لحظة نال منه فضلاصيره في العلوم مفرد
فحقق الفقه والمعانيوالنحو والصرف جود
بالأمس أرسلته إليهفخاله في الظلام أمرد
فسله عما قد صار منهينبيك لكن ذاك يجحد
ثم كتب تحتها سجعاً مضمونه التلميح لأمر ما، فكتب إليه من رأس القلم:
العفو مولاي منك أولىوالعفو خير والستر أجود
وليس قول الذي ذكرتميقبل فيما إليه أسند
وليس نصغي إليه حتىيقول في خصمه سيجحد
فشكله ذو الجمود أضحىأسلم من ريبة وأبعد
فإنه بارد ولكنقد يوجد الريق منه أبرد
وإن يكن قد أصاب منهرشفاً به قلبه تبرد
فوازع العين مانع منتحقيق ما عنده تردد
قلت ما بين كلاميهما كما بين مقاميهما، فإن تحسين الظن بالمسلمين أولى من إساءة الظن بهم خصوصاً في مثل ذلك، سافر صاحب الترجمة مع الحاج هو والشيخ أبو الفتح المالكي إلى مكة في شوال سنة إحدى وأربعين وتسعمائة وتوفي في حدود الخمسين وتسعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع