تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

محمد أبو الفتح المالكي

محمد بن محمد بن عبد السلام بن أحمد الشيخ الإمام العلامة، المفنن المدقق الفهامة، القاضي أبو الفتح الربعي التونسي الخروبي لإقامته بإقليم الخروب بدمشق المالكي، نزل دمشق قرأت بخط شيخ الإسلام والدي أن الشيخ أبا الفتح أخبره أن مولده كما وجد بخط أبيه مراراً، وقرأه مراراً ليلة الإثنين غرة شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعمائة، وذكر الشيخ إبراهيم بن كسبائي صاحبنا في بعض إجازاته لبعض من قرأ عليه أن مولد الشيخ أبي الفتح سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وهو خطأ بلا شك، ولعله قربه تقريباً، والصواب ما تقدم. دخل دمشق قديماً وهو شاب، وكان يتردد كثيراً إلى ضريح الشيخ محيي الدين بن العربي، وبلغني عن شيخ الإسلام شهاب الدين الطيبي إنه لما دخل دمشق دخل في صورة متصوف متدين، ثم تغيرت أحواله، وصدق عليه قول القائل:

أطعت الهوى عكس القضية ليتنيخلقت كبيراً وانقلبت إلى الصغر
للشاعر ابن حموية، من قصيدة «عصيت هوى نفسي صغيراً فعندما»

وذكره شيخ الإسلام الوالد في فهرست طلبته، وقال: قرأ علي في منهاج البيضاوي وشرح الألفية لابن عقيل، ثم تلون، وتقلب، وظهرت منه أشياء منكرة. قال: وغلب عليه الحمق، والسخف، وقلة العقل، ولكن ثم من طيشه على غير طائل من علم، أودين قال: وامتدحني بقصيدة طويلة انتهى.

قلت: وحقيقة الشيخ أبي الفتح كما تلقينا ممن لقيناه، واشتهر عنه أنه كان فقيهاً أصولياً يفتي الناس على مذهبه، وفتاويه مقبولة، وله حرمة باسطة، ووجاهة ظاهرة، وكان علامة في النحو والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع والعروض، والمنطق، وأكثر العلوم العقليه والنقلية، وكان له الباع الطويل في الأدب، ونقد الشعر وشعره في غاية الحسن إلا أنه كان

متكيفاً يأكل البرش والأفيون كثيراً لا يكاد يصحو منه، وربما قرأ الناس عليه في علوم شتى، وهو يشرد، فإذا فرغ القارىء من قراءته المقالة فتح عينيه، وقرر العبارة أحسن تقرير، وكان على مذهب الشعراء من التظاهر بمحبة الأشكال، والصور الحسنة حتى رمي، واتهم، وكان لا يتحاشى عن مخالطة المراد الحسان، وكان هجاء تتفق له النكات في هجائه، وفي شعره، ولو على نفسه، وكان مغالياً في نصرة القهوة المتخذة من البن غير منكر له وله فيها مقاطيع مشهورة، ولطائف غير منكورة، وربما كان يراجع الطلقات الثلاث، وكان يقع في حق العلماء، والأكابر، وإذا وصل إليه نوال من أحدهم مدحه، أو أثنى عليه، وكانوا يخافون من لسانه، ولي نيابة القضاء بالمحكمة الكبرى زماناً طويلاً مع الوظائف الدينية، وحمل عنه الناس العلم وانتفعوا به وأنبل من تخرج به في الشعر، والعربية العلامة درويش بن طالوا مفتي الحنفية بدمشق ومدرس السليمانية بها، وسلك طريقته فيما هو فيه، وكان الشيخ أبو الفتح المالكي حجته في كل ما يأتيه، وذكره ابن الحنبلي في تاريخه، وقال: قدم حلب سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، واتفقت بيننا، وبينه جمعية بجامعها، وشهدنا له محاضرة جيدة في فنون شتى قال وكان قد سألني يومئذ سؤالاً نحوياً رمزت إلى جوابه في المجلس، ثم أوضحته في هذه الأبيات وبعثت بها إليه:

أيا من له التحقيق في كل ما فنومن شأنه الإتحاف من غير ما من
جوابك لي قد مر رمز جوابهلديك، وقد شوهدت متقد الذهن
سألت عن التنوين في جمع حاجةأليس لتمكين على القطع لا الظن
وهل منع حاجات عن الصرف واقعليمنع تمكيناً به صاحب الفن
وقد مر في المغني لنا غير مرةجوابك منقولاً وناهيك بالمغني
ومحصوله أنا وجدناه ثانياًوقد صير اسماً ذلك الجمع ياخدني
ولكنني مولاي مستشكل لهوما لي صريح من جواب ولا مكني
أفقدك للتنوين من بعد موجبلمنعكه من قبل يا من له نعني
وهل مانع من أن يكون مقابلاًوتنوين تمكين معاً عند ذي ذهن
وهل مثبت التنكير في رجل لهمحيد عن التمكين كالسبب الحزن
كما أنه لا منع من جمع ذاكذافلا منع فيما نحن فيه فقس وابن
وجد لي بشعر من قريضك ألقهعزيز عزيز المثل يا مقتدي معن

قلت: أنا أستحيي عن ابن الحنبلي في مقابلة الشيخ أبي الفتح المالكي، بمثل هذا الشعر وأبو الفتح يومئذ حائز قصبات السبق في الشعر الذي بلغ ببلاغته فيه النهايات، وزاحم فيه مثل، أبي تمام، والبحتري، والمتنبي، وأبي العلاء، وابن قلاقس، وأبن نباتة وغيرهم طبقة بعد طبقة، كيف؟ وقد أورد له ابن الحنبلي الأبيات الآتية، فسبحان من قسم الأذواق كما قسم الأرزاق. قال ابن الحنبلي: ثم قدم حلب سنة إحدى وستين، والمقام الشريف السلطاني بها، فتولى تدريس دار الحديث الأشرفية بدمشق، وعيب عليه ذلك لكونها شرط الواقف للشافعية قال: وهكذا عيب عليه ما انطوى عليه من شرب الخمر فما دونه، وتسليط الحشيشة على عقله والاختلاط بمنهي الغلمان جهراً من غير مبالاة بذلك نسأل الله تعالى العافية، وأورد له في مليح اسمه محمد بن حسام:

كم باسم والده على عشاقهيسطو فيا حزناه من أحداقه
ظبي ظبى ألحاظه قد جردتللفتك بالشاكين حول وطاقه
رشأ كحيل الطرف معسول اللماعذب المراشف آخذ بعناقه
يفتر. عن نظم الثريا ثغرهوينوء بالجوزاء تحت نطاقه

إلى أن قال:

قسماً بصبح جبينه لو زار فيجنح الدجى وسعى إلى مشتاقه
لفرشت خذي في الطريق مقبلاًبفم الجفون مواطن استطراقه
ووهبت ما ملكت يدي لمبشريبلقاء حضرة منعم بوفاقه

وللشيخ أبي الفتح مؤرخاً عمارة الحمام الذي بناه مصطفى باشا تحت قلعة دمشق:

لما كملت عمارة الحماموأزداد به حسن دمشق الشام
قالت طرباً وأرخت منشدةحمامك أصل راحة الأجسام

وله موالياً موجهاً بأسماء الكواكب السبعة: لك صدغ عقرب على مريخ خدك دب وقوس حاجبك دايم مشتريه الصب وكم أسد شمس حسنك يا قمر قد حب والعاذل الثور في زهرة جمالك سب

وقال حاكياً للسان حال الجامع الأموي:

يقول على ما قيل جامع جلقألم يك قاضي الشام عني مسؤولاً
تسلم للأعجام وقفي لأكلهويروى لهم عني كتاب ابن مأكولا
أبعد فتى السبكي أعطى لسيبكوبعد الأمام الزنكلو لزنكولا
أقاموه لي قرداً بشباك مشهدوضموا له قرداً على الرفض مجبولا
يثمل كل أكل مالي بأسرهفلا بلغ الله الأعاجم مأمولا

وقال في جامع يلبغا وكان ملازماً للتردد إليه للتنزه:

كم نزهة في يلبغا تبتغيومدرج لم يخل من دارج
يا حسنه من جامع جامعفاق على الزوراء من عالج
يموج في بركته ماؤهاتحت منار ليس بالمايج
مأذنه قامت على بابهتشهد للداخل والخارج

وقال فيه:

إلى يلبغا فارق أعلى الدرجبشرقيه تلق باب الفرج
وخذ يمنة منه نحو الشمالتصادف هنالك باب الفرج
ومل مسرعاً نحو غربيهتجد باب عرف نسيم الأرج
ومن حوله عصبة لم تزللها تحت سرحته مفترج
تقضي نفائس أوقاتهابأخبار من قد مضى أو درج
فإن كنت عن حالهم سائلاًفليس على مثلهم من حرج

ولما وقف الشيخ أبو الفتح على قول القائل:

هذه القهوة هذيهذه المنهي عنها
للشاعر جعفر الشرقي، اقرأ القصيدة
كيف تدعى بحراموأنا أشرب منها
للشاعر جعفر الشرقي، اقرأ القصيدة

فقال:

أقول لقوم قهوة البن حرموامقالة معلوم المقام فقيه
فلو وصفت شرعاً بأدنى كراهةلما شربت في مجلس أنا فيه

ومن لطائفه أنه سئل عن قائل هذا البيت:

لا ضر أحبابي ولا روعواغبنا فما زاروا ولا ودعوا

فأخبر بقائله ثم أنشد على الوزن والقافية ارتجالاً:

يا من لصب بين أطلالهميهيم لا يرقى له مدمع
ترحلوا فالدار من بعدهملبعدهم أطلالالها بلقع
لا واخذ الرحمن من ضيعواعهدي وإن خانوا وإن ضيعوا
نذرت أن عادوا لهم مهجتيهيهات ما في عودهم مطمع

وقال:

ألا لعن الله الخصاصة والفقرافإن سواد الوجه بينهما يطرا
وما الذل إلا فيهما وعليهماوما العز إلا بالغنى وهو بي أحرى
ومن يك في الدنيا فقيراً ومعدمايجد من بينها المقت والصد والهجرا
فلا تك عن كسب الحطام بغافللتبلغ في الدنيا السعادة والفخرا

وقال سائلاً:

يا أيها الفاضل أوضح لناقضية صحت بلا مين
في رجل فاه بقذف امرىءفرتب الحد على اثنين

فأجاب عنه بقوله:

هذا فتى أغرى سدي عبدهبقذف شخص طاهر العين
فالحد للسيد والعبد فيقول صحيح عند عدلين

وقال وقرأت بخط العلامة درويش بن طالوا أنه قال في مرض موته:

مرحباً بالحمام ساعة يطراولو ابتز من مدى العمر شطرا
حبذا الارتحال من دار سوءنحن فيها في قبضة القهر أسرى
وإذا ما ارتحلت يا صاح عنهالا سقى الله بعدي الأرض قطرا

مات رحمه الله تعالى في سنة خمس وسبعين وتسعمائة ودفن في الفراديس وقال ماماي مؤرخاً وفاته:

مذ عالم الدنيا قضى نحبهمنتقلاً نحو جوار الإله
قد أغلق الفضل به بابهمؤرخاً مات أبو الفتح آه

وللشيخ ناصر الدين بن الكشك المعروف بابن أبي الحيل:

مات أبو الفتح إمام الورىيا ويح أهل الشام من بعده
ما زال قبل الموت يقري إلىأن ساقه الموت إلى لحده
مشتغلاً في العلم مستغرقاًأوقاته فيه وفي سرده

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.