تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

إبراهيم القرا حصاري

إبراهيم بن عثمان بن محمد القرا حصاري القسطنطيني الحنفي شيخ الاسلام مفتي الدولة العثمانية ركن الدين المولى الفاضل الفقيه الرئيس النبيذ السيد الشريف الصدر الكبير ولد سنة ثلاث عشرة ومائة وألف وقدم إلى قسطنطينية وهو صغير ولازم ابن عمه المولى زين العابدين علي قاضي العساكر وزوجه ابنته وصاهره وقار المعقول والمنقول وأخذا الخط المعرف بالتعليق عن الصدر الرئيس المولى رفيع بن مصطفى الكتب قاضي العساكر ورئيس الأطباء في دار السلطنة ودرس بمدارس قسطنطينية ولما ولي قضاء مكة ابن عمه اصطحبه معه وحج وجأور بمكة وولاه نيابة الحكم في جدة ثم عادة إلى قسطنطينية وولى بعض المناصب والأنظار الشرعية كنظر الأوقاف وغيره ثم ولى قضاء سلانيك وبعدها سنة أربع وسبعين ومائة وألف ولي قضاء دمشق ودخلها وكان مريضاً فاستقام قاضياً على العادة وفي هذه المدة كان مفتي الحنفية بدمشق والدي رحمه الله تعالى فتصاحبا وحصلت بينهما محبة ومودة وصحب كل منهما الآخر وحضر دروس والدي الفقهية في المدرسة السليمانية وبعد مدة من السنين ولي قضاء دار السلطنة قسطنيطينية وأعيد إلى قضائها ثانياً وبعدها ولى نقابة الأشراف بدار السلطنة ثم ولي قضاء عسكر أناطولي ثم قضاء عسكر روم ايلي سنة تسعين ومائة وألف ثم أعيد ثانياً إلى المنصب المذكور مع نقابة الأشراف عليه ولما ظهر الحريق الكبير في قسطنطينية في شعبان ورمضان سنة ست وسبعين ومائة وألف واحترق به ثلثاً قسطنيطينية وأكثر جوامعها ومساجدها والخانقاهات والمدارس وحصل غم عظيم للناس واضطربت العالم ونسب ذلك لبطاءة الوزير محمد عز الدين بن حسين الصدر الأعظم واشتغاله بأمور السلطان وحده وعد ذلك منه فعزل عن الوزارة الكبرى وأبعد عن دار السلطنة وبعده بأيام قلائل عزل عن منصب الفتوى شيخ الاسلام المولى العالم شريف بن أسعد بن إسماعيل الحنفي المفتي واختير من طرف السلطان المترجم أن يكون مفتياً فولى الافتاء في شوال من السنة وأقبلت عليه رجال الدولة وكبراؤها وعظمه السلطان الأعظم أبو النصر غياث الدولة والدين عبد الحميد خان واتسعت دائرته وعظمت دولته وثروته وأقبلت الدنيا عليه من كل طرف وراجعته الكبار والصغار وعلاصيته واشتهر أمره ولما دخلت قسطنطينية اجتمعت به

وزرته في داره وسمعت من فوائده وصحبته وأخبرني أنه أدرك الجد الكبير الاستاذ فخر الدين محمد مراد بن علي البخاري الحنفي واجتمع به وبغيره من العلماء والأولياء والسادات والأدباء والأفاضل وأخذ عنهم وصحبهم وقرأ عليهم في الأقطار العربية وغيرها كالشيخ المحدث أبي عبد الرحمن محمد بن علي الكامل الشافعي الدمشقي والإمام الكبير أبي المواهب محمد بن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق والاستاذ العارف ضياء الدين عبد الغني بن إسماعيل الحنفي الدمشقي النابلسي وغيرهم وكان يعرف أحوال الدهر وأمور السياسة وله دربة وسعة عقل في نظام الملك والدولة خبير بأحوال الناس بصير بالأمور وعواقبها ملازم العبادة والطاعة حسن الخلق لطيف المعاشرة توفي وهو مفتي الدولة يوم الاثنين سابع عشر جمادى الثانية سنة سبع وتسعين ومائة وألف وصلى عليه في جامع السلطان أبي الفتح محمد خان وحضر الصلاة عليه العلماء والقضاة والرؤساء ودفن بالقرب من جامع السلطان سليم خان داخل قسطنطينية وكنت سنة تسعين ومائة وألف لما ولي قضاء عسكر روم ايلي المرة الأولى كتبت إليه أمدحه من دمشق بهذه القصيدة وهي من شعر الصبا

سقاها ربوعا هاطل المزن يحييهامعاهد أنس قد تعفت مغانيها
ولا زالت الأنواء تخصب حيهابجود على كر الدهور يحييها
بها قد تقضى لي عهود مودةنشأت بمغناها ولست بناسيها
بها كنت مغبوط المقيل منعماوأمرح في النادي بظل مجانيها
ورب ليال قد تقضت بسرعةكطيف خيال قد مضى في دياجيها
بحيث الصفا راح وافراحنا لهكؤس وندماني الغوالي غوانيها
غوان إذا ما الليل وافي كانمامكاني سماءهن فيه دراريها
غوان نضت الحاظها لي أسهماأريشت من الأهداب سبحان باريها
ألا ليت شعري هل أفوزن باللقاوهل لي بوادي الروم خود الاقيها
بلاد بها فرش الرياض جواهرومسك فتيق فائح ترب ناديها
تيسر معسوراً وتولى مكارماوتجبر مكسوراً وتسعد من فيها
وإني وإن شطت فشوقي مضاعفإليها وجل القصد تمداح حاميها
امام همام واحد صدر وقتهوكهف ذوي الحاجات ركن مواليها
هو العالم النحرير والسند الذيذرى شرف العلياء بالفضل راقيها
هو الجهبذ النقاد والحبر من غداأحاديث مجد بالتسلسل يرويها
ملاذ أولي الحاجات كعبه قاصدعماد الهدى ركن الفضائل حأويها
هو المطمح الأسنى الذي طاب ذكرهوطود المعالي والسيادة عاليها
له في الورى آيات مجد وسؤددبها تزدهي الأيام والدهر يمليها
أمولاي يا فرد الدهور وعزهاويا خير من شاد المعالي وبانيها
إلى بابك الأحمى أبث قوافيهاتنوب عن التقبيل للذيل أهديها
إليك لقد وافت بثوب خجالةنسيجة فكر تزدهي فيكم تيها
تهنيك فيما نلت من رتب العلامنازلها شمس الضحى ليس تحكيها
فأنت بدار الملك قطب مدارهاوأنت بها غوث العفاة لأهليها
واعذار عبد أثقل الدهر ظهرهبجم خطوب ليس يحصى تواليها
ودم راقيا أوج المعالي مؤيداوذكرك في داني الديار وقاصيها
بعز واقبال وسعد ورفعةإلى رتبة فوق الشر يا معاليها
مدى الدهر ما غنت سويجعة الرباواطرب بالإنشاء للنوق حاديها

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.