تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

أحمد الكردي

أحمد بن الياس الملقب بالارجاني الصغير أو بالقاموس الماشي الشافعي الكردي الأصل الدمشقي الشاعر المفلق اللغوي الماهر كان فاضلاً محققاً فطناً بارعاً متوقد الذهن والفكر وكان والده كردياً من نواحي شهرزور قدم إلى دمشق وتولى خطابة خان قرية النبك وتزوج بامرأة من القرية المذكورة وأولدها عدة بنين وبنات ولد في ابتداء هذا القرن وقرأ على والده بعض مقدمات على مذهب الإمام الشافعي وحبب له الطلب فرحل لدمشق ونزل بمدرسة السميساطية وقرأ على المجأورين بها وأكثر على استاذه الشيخ أحمد المنيني وبه تدرب وصار طبا خافي المدرسة المرقومة غير أنه كان يناضل في الائتقاد ويساهم في الاعتقاد ولم يزل في ضنك من العيش ولم نحل حركاته من طيش وحصلت منه هفوة حمله الجمق بسببها على أنه أقربها لدى الشرع وخشى

من إقامة الحد عليه وكان ذلك بإغراء أحد أعيان دمشق فخرج منه خائفاً وقصد مدينة اسلامبول دار الملك واختص ببعض أركان الدولة وأمن من زمانه تلك الصولة فجعله في خلوته نديم مرامه واختلس برهة التيه ونسى ما كان فيه ومشى مشبة لم يكن ورثها عن أبيه فما استقام حتى نكص على عقبه لزلة قدمها ففارقها وفي النفس منها ما فيها وقدم طرابلس الشام وتزوج بها واستقام وحصل له بعض وظائف ولبث هناك برهة من الأيام ثم قصد وكنه الأصلي ولم يجعله مقره ولا سكنه ثم توجه تلقاء مصر فأحله واليها الوزير الفريد الصدر الوحيد محمد باشا الشهير بالراغب في أسنى المراتب وامتدحه بقصيدة وهي قوله

هذي مناي بلغتها لأوانهافالحمد للافلاك في دورانها
الآن قرت بالتواصل أعينطال اغتراب النوم عن أجفانها
كم بت في ليل الفراق مردداًبيتاً يسلى النفس عن أشجانها
يا ليت شعري هل أرا منشداًدهما نبذ الدرهم يوم رهانها
النيل أيتها السفين فليس ليفي فارس ارب ولا أرجانها
فترشفي من ثغر دمياط المنىلأظل ذاك الشعب من بوانها
من فوق حماء القرا نوحيةتثنى بصنعتها على سفانها
وجناء لارعى الغضا من همهايوماً ولا ورد إلا ضامن شانها
سارت فشقت من خضارة أزرقاشق الثكول السود من قمصانها
وتعسفت أمواج يم مترعكالأيم إذ تنساب من كثبانها
هندية في الماء ألقت نفسهاوالهند تلقي النفس في نيرانها
زنجية غنت لها ريح الصبافغدت تجيد الرقص في أردانها
تمشي على الدأماء فعل وليةوتطيع جهر أعابدي صلبانها
دار متى فتحت تلافي هلكهاسكانها أسرى يدي سكانها
أفتلك فتخاء الجناح تصوبتم الجو فهي تسف في طيرانها
أم عرمس هوجاء مهما راعهاصوت الرياح تجد في ذملانها
أم مومس ورهاء ليس يليقهابعل ولا تأوى إلى أوطانها
أم تلك من سرب المها وحشيةنشأت خلال الماء مع حيتانها
آلت على أن لا تقر بمرفأوالبر كل البر في أيمانها
أو تجلعن من نيل مصر ورودهاعللاً وتمضي بعد ذاك لشانها
وهناك نسلمها إلى أخواتهااللائي غدت تمشي على آسانها
فتظل بين الموجتين شوارعافي النيل سبق الخيل في ميدانها
تنفك تحدوها الشمال فإن ونتعنها ظللن يقدن في أرسانها
تسمو لتنظر قلعة الجبل التيتجلو بطلتها صدا أحزانها
وإذا أدار الصحب ذكرى راغبطارت هوى وعصت على ربانها
المشتري طيب المحامد بالبهيويرى قليلاً ذاك في أثمانها
والتارك الماضين من أسلافهخير محته الناس من أذهانها
هو كعبة الوزراء إن بصرت بهبدرت إلى التقبيل من أركانها
أزرى بإنشاآته الكتاب باللسن الثلاث فإذ عنو لبيانها
والعرب لو تر مثله لم تفتخرفي قسها يوماً ولا سحبانها
فخر الدولة آل عثمان بمنهو كالفريدة من عقود جمانها
فيمثله أنتظمت ممالك ملكهاوبرأيه وثقت عرى سلطانها
كم راغب في أن يكون كراغبوأرى المواهب في يدي منانها
والاسم في الوزراء مشترك ولكن ما عتاق الخيل مثل هجانها
فإن اغتد وأوزر النصرة دولةفهو الشباة لسيفها وسنانها
حاطت مهابته الممالك قاعداًكالبيض ترهب وهي في أجفانها
حتى تسأوى خصبها والأمن منأرض العريش لمنتهى أسوانها
من بعد ما كأنت مصاعب بفيهافي السوح منها ملقيات جرانها
وتبيغت فيها دماء فسادهادهراً فكان البرء في سيلانها
لم أدر مرهف عضبه أمضى إلىالأعداء أم يده إلى احسانها
أبد له لم أنس نائلها وهلتنسى الغيوم الغر في تهتانها
وخلائقاً مثل الرياض يزينهاصدح العلوم له على أفنانها
يا أيها الدستور والشهم الذيألقت إليه أولوا النهي بعنانها
وأخا الصوارم كالبروق كلاهمايعلو الرءوس فهن من إخوانها
لم أقصر التمداح فيك وانما البئر النزوع قصرت من أشطانها
ضمنك مصر ضم مشتاق إلىمرأى علاك وشبكت ببنانها
ولطالما سمعت بأنك واحد الدنيا فصدق حدسها بعيانها
فافخر بها أعلى المناصب انهاتخت الملوك الصيد في سلطانها
بهرام سيفك في الرقاب وأنت فيأعلى سماء العز في كيوانها

ولما آب لوطنه الثاني فائزاً من رغائب الراغب بما هو أطرب من هزج المثاني كتب بها إلى شيخه أحمد المنيني وكتب معها ما هذه صورته

ربما خطب ببال سيدي أن يسال عن عبده الأقدم وسهم كنأنته الاقوم من حطه وترحاله وتلاعب الدهر بأحواله ليجدد ربوع العهود الدوارس ويضئ ليالي تفرقنا الدوامس فأخبرها إني امتطيت الدهماء وخبطت بها الدأماء في عشري ربيع الثاني من سنة ألف ومائة وإحدى وستين حتى وردنا النيل في أواخر جمادي الأولى من هذه السنة ودخلنا القاهرة المعزية واجتمعنا بمولانا الوزير ذوي القدر الخطير راغب باشا وكنت وأنا في البحر قد بغمت بأبيات في وصف السفينة وتخلصت إلى مدحه فأنشدته إياها كما واجهته فانبسط إليها وأذن وهو بنقد أمثالها قمن والقصيدة المذكورة كتبت لكم إياها في صفحة هذا الطرس وضمخت تلك العروشة بمسك هذا النقس وإنما جلوتها عليكم وزففتها إليكم لما عساكم أن تسايلوا الركبان وتستخبروا كل نوتى وربان ما فعل تلميذنا القديم وصديقنا الحميم وهل بقي له في طرابلس شعراَ وشعور أم جرت عليه اذبالها الدهور وهل خمدت نار فهمه أو فل غرار عزمه وحزمه سيدي والقصيدة ليست تصلح للعرض عليكم ولا أن تتلى بين يديكم ولكنها لما كأنت في وصف السفينة نادرة الاسلوب معطرة بذكر راغب منها الاردان والجيوب أحببت أن أرسلها إليكم لتكون سبباً لذكرنا بعد النسيان ومفخرة لكم عند الاخوان إذ أنا قطرة من بحرك ونفثة من نفثات بيانك وسرحك ولك المثل الأعلى في الآخرة والأولى هذا ثم سيدنا قابلنا بالاكرام والأجلال والاعظام من ارسال الملابس الفاخرة والدراهم الوافره واركأبي الفرس المحلى وفوزي من تقريبه بالقدح المعلى فلما كان بين جماد ورجب رأينا كما قيل من الانقلاب العجب ونزل مولانا من القلعة وحق على من قصده بالسوء الملامة والشنعة وليست بأول عظيمة ارتكبوها وفرعونية ابتدعوها بل شنشنة من اخزم ونكزة من أرقم وقد سلمه الله تعالى من ذلك الكيد وأيده منه بقوة جنان وايد ثم رحلنا من الديار وامتطينا غارب الأسفار وخلصنا من أولئك الطغام وبعدنا من تلك الفجرة الفئام حتى توسطنا طريق البحر بعد أن بلغت الأنفس التراقي والنحر جاء بشير من طرف ذلك الدستوز الوزير بأن باشا أعطى منصب أيدين المختلف وصف أهلها

بتعصب عصاتها وأهل الدين فخلينا ذلك الفلك السيار إلى أنتحاء قطع تلك المفأوز والقفار إلى أن انخنا بأحسن مدنها المعروفة كوز الحصار وهو بلد مسور لكنه مطول غير مدور تخترق أكثر بيوته المياه كثير الفواكه والأمراض قليل الأدباء والقراض ما سمعوا بديوان أبي الطيب ولا عرفوا بكر المعاني من الثيب مع أن تلك البلدة نحو عشرين مدرسة كلها العلم الأدب مدرسه ولولا وجود مولانا لما قدرت أمكث ما مكثت ملحوظاً مؤيداً ومن وجد الاحسان قيداً تقيدا سيدي قد كتبت لكم هذه الترهات التي لا حاجة لكم بها ولكنها وسيلة إلى ذكركم إياي وسوآلكم كيف كان مثواي وها إنني استأذنت سيدنا في الصله فأجازني بها مع الاكرام والصله وجئت براً لا بحرا لما قاسيت رعباً وذعرا ويا سيدي وعيشك والحرم إنني نقشت لكم هذا الرقيم من رأس القلم فأسألكم أغماض عين السخط عن كتأبي وأسبال ذيل الودود المحأبي فأجابه بقوله

أعيذك بالقرآن العظيم والسبع المثاني يا من ليس له في عصره ثاني ولله أنت من ساحر بيان وناثر عقود جمان وناظم قلائد عقيان ومطأول سحبان ومعارض صعصعة بن صوحان فمن ذا يضاهيك وإلى النجم مراميك وشأوك يدرك وشعبك لا يسلك وها أنت قد اقتعدت النجم مصعدا واعتمت نهر المجرة موردا وسموت إلى حيث النجوم شبائك والمعالي أرائك حتى ملكت المجد بأيد وعلقته من النجدة بقيد وافترعت للمعالي هضاباً وارتشفت من ثغور الأداب رضاباً وجمعت طبع العراق إلى رقة الحجاز واقتطعت كلماتك الجوهرية جانبي الحقيقة والمجاز وملأت المهارق بياناً واريت السحر عياناً وسارت بمناقبك الركبان واعترف لك بالتفرد كل إنسان وأقر بالنزول عن درجتك كل من يزعم أنه مسأوي ونسبت إلى محاسنك محاسن أقوام فتبين أنها مسأوي وبلغت من الفضل والأدب مجمع البحرين ومن شرق البلاد وغربها ملتقى النيرين وما ظنك بمن منذ وافى وطنه لم يزل لا بد البدة الأسد قاعداً للأيام بمرصد والليالي تمنيه بكل أمنية والدهر يعده بمواهب سنيه حتى وثب وثبة الفهد ونهض نهضة النمر فخطا خطوة بلغ بها مصر القاهرة فيها من الأدب ما لو بلغ ابن نباتة لما نبت له لينة من آدابه الوافرة فحق لنا أن نطلق عليه أنه من أهل الخطوة ولا سيما خطوة نال بها عند عزيزها أسنى خطوه ولعمري إن من اهتز لسماع قوافيه عزيز مصر هزة العصفور بلله القطر وتهللت أسارير

محياه عند القيام بالبشر وطوى ذكر غيره طي السجل للكتاب ونبذ كلامه نبذ الاثم والاصر لجدير بأن يطوى له البعد ويدمث له الحزن وتراض له شماس المطالب وتخضع له أعناق المراتب ويقض شوارد العلى وتطول يده إلى السهى ويصعد حتى يظن الجهول أنه حاجة في السما

لا تيأسن إذ ما كنت ذا أدبعلى خمولك أن ترقى إلى الفلك
فبينما الذهب الابريز مطرحاً فيأرضه إذ غدا تاجاً على الملك

وأما قافيتك البحريه وعقيلة فكرك القسية فما تركب البحر الاستخراج دررها من معادنها والتقاط جواهرها من مكامن أماكنها وأبديت فيها من البدائع والعجائب ما لم يخصه قلم ولا يراع كاتب ولم تزفها بحمد الله إلا إلى راغب وكفؤ لها من غير مدافع ولا منازع ولقد تدأولها الرأوون من ذوي ولائك وابتهج بها المخلصون من أولى ودك واخائك وكأنت لديهم أحلى من عطف حبيب وارد وأشهى من رشف اللمى من ثغر عطر بارد بل أطيب من شرخ الشباب وأعذب من ماء السحاب وابتدرت إلى رقمها الاقلام وأنتشت من رحيق سلافها الاحلام لفظ كائن معاني السكر تسكنه فمن تجرع كأساً منه لم يفق وأقبل عليه أرباب الفضائل والافضال ولا إقبال الصاحب على ابن هلال ولا سيما ريحانة الفضل والأدب وماء وجه ذوي الأقدار والرتب الموليان الأجلان والسيدان الأفضلان غصنا دوحة النبوة ونيراً فلك الشهامة والفتوه من هما بدران في هالة وشمسان في طفأوة وروحان في جسد والمتحدان اسماً وصفة وإن كانا اثنين في العدد فإنها وقعت منهما موقع الاستحسان فخلداها في صحائف الاذهان بعد أن أثبتناها في جرائد الآداب تذكرة لأولي الألباب هذا وإني قد كتبت لكم هذه العجالة جواباً يعثر في أذيال الحجالة بين عجزناه وشوق آمر وفكر ساه ووجد سامر على أني لو كنت فارغ البال عن كل كرب وبلبال مطلق الأسار صقيل مرآة الأفكار لما كنت إلا معترفاً بالقصور قاضياً على طرف فكري بالكبوة والعثور فكيف والأيام قد تركن بالي كاسفاً وخطوي واقفاً وذهني كليلاً وفكري عليلاً بما فار من طوفان عجائبها وفاض وبلغ الزبى بعد أن أترع الحياض مع تخاذل القوى وهجوم شدائد الهرم والبلوى مما لا ينوء به رضوى وخيانة الحواس الظاهرة والباطنة وظهور محن كأنت أيام الشباب كامنه كما قال من أسلمه الكبر إلى ضعف السلامي

والأوصال أبتات أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك راس البعيران نفرا وإلى الله المشتكى من دهر إذا أساء أصر على إساءته فلقد جمح فأعيى الرواض ولم يبق له سهماً في الوفاض إلا وقد قرطس فيما ينويه من الأغراض ولقد ذكرت في هذا المعنى أبياتاً كنت أنشأتها وأنا في الروم زعمت أني لم أسبق إليها فإذا معناها في أبيات فارسية ومضمونها أن ما بعد الغين من لفظ عالم ألم واحد الآلام وهي

إن الزمان لأهل الفضل ذواحنيسومهم محنا كالسيل في الظلم
فهل ترى عالماً في دهرنا فتحتمن غمضها عينه الأعلى ألم
والجاهل الجاه مقرون بطالعهإن النعيم يرى في طالع النعم
فافطن لسر خفى دق مدركهيناله ذو ذكا والفهم من أمم

ولكن هذه الأبيات لا تنطبق على مثلي والأليق بحالي المطابق لامثالي قول صاحب معاهد التنصيص

أرى الدهر يمنح جهالوأوفر حظ به الجاهل
وانظر حظى به نافصاأيحسبني أنني فاضل

ونحن والسيدان المشار إليهما آنفاً نضرع إليكم أن تشرفوا وطنكم الأصلي دمشق الشام بالزيارة ولو زيارة المام عدة ابام لنبل بروياكم الأوام ومن نار البعاد لهيب الضرام والسلام وللمترجم من قصيدة

أرى قوامك من مياس املودفما لقلبك من طماء جلمود
وإن بخدك مخضر العذار بدافالموت الأحمر في أجفانك السود
يا محرقاً بهجير الهجر جسم فتىضم الضلوع على أحشاء مفؤد
ومرسلاً من جفون حشؤها سقمرواشقاً لا يقيها نسج دأود
نعطفا يا غنى الحسن في دنفلسائل الدمع منه أي ترديد
نهاره الليل إن أوحشت ناظرهما لم ير الصبح من ذيالك الجيد
يا للعجائب من ريم لواحظهترتاع من سحرها الآساد في البيد
يدر نبوأ مني القلب منزلةليت الذراع حظى منه بتوسيد

وهو من قول العناياتي حل من منزليه بالطرف والقلب فأضر لو يحل الذراعا

ذو مبسم قد حوى در تخللهماء الحياة ولكن غير مورود
وقامة كغضيب البان رنحهاماء الصبا الغض لا ماء العناقيد
ذوو جنة كجنى الورد ناضرةتزيدها نظراتي أي توريد

وفي المعنى لبعضهم

يا من يجود بموعد من خدهويصد حين أقول ابن الموعد
ويظل صباغ الحياء بخدهتعبا يعصفر تارة ويورد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «يا من يجود بموعد من حظه»

هو من قول الأبيوردي

نظرت إلى وجه الحبيب وفي الحشاتباريح وجد لا تريم ضلوعي
فطرزه بالجلنار حياؤهوطرز خدي بالشقيق دموعي

وقال آخر

خالسته نظراً وكان مورداًفاحمر حتى كاد أن يتلهبا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «كذب السلو العشق أيسر مركبا»

وقال آخر

حلو الفكاهة لا عيب ينقصهإلا الصدود واخلاف المواعيد

رجع هو من قول بعضهم

ولا عيب فيهم غيران سيوفهمبهن فلول من قراغ الكتائب

وقول الآخر

ولا عيب فيه غيران خدودهبهن احمرار من عيون المتيم

وقول الآخر

أحبب به وليالي الأنس تجمعنافي ظل عيش مع الأحباب ممدود
أزوره وعليه في الدجى مقلمن الأسنة لم تكحل بتشهيد
لا أهب البيض في بيض النحور ولامن طعنة في الخدود الحمر أخددي
حتى حسبت السها عينا بها سنةمن الكبرى وسهيلاً قلب رعديد
ويا رعى الله أيام الصبا فلكمأمسى يلذ بها عذلي وتفنبذي
فلم أرى بعدها دهر اليسر سوىزمان مفتي الورى ذي الفضل والجود

وله من قصيدة

خذ جانباً عن سهام اللحظ والحدقفدرع صبرك منها الآن ليس بقى
وإن شككت بفتك الغيد قاتلهتصيد أسد الشرى في سالك الطرق
فذا فؤادي جريح من لواحظهاوذي دموعي حكت للوابل الغدق
فتى بحب الغواني لا يزال بهضرب من السحر أو داء من القلق
من كل ماءسة الأعطاف لو رمقتمدامعي لم تصل عطفاً على رمقي
تمشي وتسحب ذيل الدل رافلةتثنى الغصن في خضر من الورق
وربما التفتت شذراً بمقلتهاللعاشقين وهم صرعى على نسق
يا جنة الخلد هلا نهلة لشجمن كوثر الثغر تطفي لاعج الحرق
أعيذ بالميل داجي الشعر منك وبالضحى المحيا وزاهي الجيد بالفلق
عجبت منك وأنت الشمس طالعةوفي خدودك تبدو حمرة الشفق
وليلة بالنجوم الزهر تحسبهاعروس زنج لها حلي من الورق
والنسر مد جناحاً ليس يقبضهكأنه حائم جوعاً على لمق
وقد تبدى السهى للعين مختفياًيحكي لانسان عين في البكا غرق
مظعتها بفتاة ظلت أشربهامن صرف ريقتها في حالك الغسق
تقول إذ مال بي سكر الهوى وغدالخصرها ساعدي كالطوق للعنق
هأورد خدي مسك الخال نقطهطوبى لملتثم منه ومنتشق
ولست أنسى لها قولاً وقد علقتأيدي النوى بعناني أي معتلق
أي البلاد تؤم اليوم مجتدباًوما بكأس الندى فضل لمغتبق
والجود قد مات من يحيه قلت لهايحيى فباب رجاه غير منغلق
فتى على البعد إن أضللت ساحتههداك باهيي سنا من وجهه الطلق

هو من قول البهاء العاملي من قصيدة

خمرة إن أضللت ساحتهافسنا نور كاسها يهديك

منها

يا من على السحب قد آلى ليلثمهاقبل يديه وإن تحنث ففي عنقي
يا من مدى الدهر لا تحصى مدائحهومن يرم حصرها بالنطق لم يطلق
من لي بدر النجوم الزهر أنظمهافغيرها بسوى علياك لم يلق
وهاكها من نبات الفكر غانيةتهدي نسيم الصبا من نشرها العبق
بكر من العرب ما قد شان بهجتهاسبى ولا سمعتها اذن مسترق

وقال مضمناً شطر للفتح النحاس الحلبي

بنفسك بادر رم بيتك واجتهدوإن لم تجد أحكامه واصطناعه
ولا تدخل العمار دارك انهممتى وجد وأخرقا أحبوا اتساعه

وله من قصيدة

قد تبدى لنا محيا الصباحواستطار الكرى نسيم الرياح
فأجلياها على بكر مدامبكرت بالسرور والافراح
كاحمرار الشقيق لوناً وإن شئتفقل لي شقيقة الارواح
شمس راح قد أشرقت في سماء الدن تختال في بروج الراح
تفضح الشاربين بالشفق الأحمر بعد الغروب أي افتضاح
نار فرس وكم سجدت إليهاوفتى الاغتباق والاصطباح
تشبه العسجد المذاب لدى المزج وفي الطعم ذائب التفاح
فاسقنيها على محياك يا بدر وجاهر بها على المصباح
يا نديمي وللهوى بفؤاديمنه سهام العيون أي جراح
كيف لي بالسلو في الحب أو منسجن هذا الغرام كيف سراحي
أشتكيك الهوى ولم أشتكي منجور عدل القوام شاكي السلاح
وجهه روضة الجمال ولكنلا يريني بالابتسام الاقاحي
لعبت خمرة الدلال بعطفيهـ فأمسى ينبه سكران صاحي
نافراً إن لمسته نفرة العاشق عند استماع قول اللاحي
يا شبيه الغصون اسكرت من احداقك النجل خمرة الاقداح
صل شهيد البدر حسنك في معترك الحب يا نبي الملاح
طال ليل المحب لم ير صبحاطالعاً من جبينك الوضاح

إلى آخرها وهي طويلة وله أيضاً

قالوا علام تركت جامع جلقشهر الصيام وليس ذاك بسائغ
قلت المبيح به لترك جماعةبرد الشتاء ورؤية ابن الصائغ

وابن الصائغ المذكور وهو رجل من الطلبة كان من مشهوراً بغلظ الطبع وللمترجم حين كان بالروم في عام أطبق شتاؤه واحتجبت بالغيوم أياماً كثيرة كواكبه وسماؤه فقال

للشمس هل تعلمون من خبرأم هل وقفتم لها على أثر
ضلت طريق المسير أم غرقتفي البحر أم أقعدت من الكبر
أم أسد النجم رام يقنصهافاستترت بالغمام من حذر
أم حسبتها السماء شمس طلافارتشفتها على سنا القمر
فلا تراها الدوام صاحيةوقد حست من مدامها العطر
يا لهف نفسي لفقد نيرةكأنت سراج العشي والبكر
فالأفق يشكو لطول غيبتهاوالجو يبكي بأدمع المطر
ويا شقائي بذا الثناء وهذاالوحل قد حل عقد مصطبري
طوفان طين لم يعتصم أحدفي البدو من لوثه أو الحضر
زركش أثوابنا ودبجهاحتى غدت تزدري على الحبر
ورب بيت غدا مشيدهيبكي بدمع للسقف منحدر
حتى الزرأبي مع نمارقةرأيتهم يسبحون في نهر
هذا دم للسحاب منسفكبسيف برق عليه مشتهر

ومما كتبه لبعض أحبابه في نحو ذلك سيدي كفيت النوائب ووقيت عوادي الغوادي ومس السحائف وتبرأت من غث عيث الأنواء ومن تراكم ركامها المفضي إلى الأقواء وننهى أنه ما خفى عنه ما أتى في هذا العام من حال الشتا ومطره الجاري كتموج البحر العجاج وسحابه المبرق الذي هو والرعد ذو امتزاج وفعلاته التي فعلها في دمشق الشام حتى تعدى النفح وبرزة والمقام فنفر ثلجه البارد طيرها السارح وغرق في لحج السرطان حوتها السابح وشرد أوانس الوحش وأخفر ذممها وألم بفنن الأطواد وشيب لممها ومر بالابذية المشيدة فهدم قوائمها وأشار إلى القصور فاندكت دعائها ولطم خدود الشقيق بأنامل كف وأبكى الكمائم بعد ضحكها من وكفه وصارت الأشجار بين يديه صرعى والنبات لا نصرة ولا مرعى وادي يومه بوقت الصباح مسا وأنسى الرجال حالهم وأبكى النسا اللهم تفويضاً لقضائك وتسليماً لأمرك واستدفا عالملا النازل بمزيد شكرك هذا بدمشق المؤملة للجنوب تصاعفت منها القوى والجنوب فليت شعري كيف بلاد الاقبال وقد مالت إلى اليمين والشمال فهل صينت منه حماة وحميت أو قاحت دملها بتلجها بعد ما دميت وهل أقام العاصي على مدافعته أو أطاع الشريعة وأجاب نهر المرافعة وهل اجتنب السحاب مسانها أو اجتلب لو ترك معرة المعرات وعم الحافل وحلب وكيف كان حال المولى النمر مع الشتاء الجموح والغيث المنهمر وبرد السحب تشقق بمدية الرعود والافق بالبرق مذهب الرايات والبنود والأيام طوت بالقصر منشور طولها واهوية نشرت القتام بمطوى هولها فهل طلعت الشمس بعد مغيبها وأرت حق اليقين لعين مريبها وهل جادت بقرصها لدى نار أو سمحت بعد وصي ثلجها بدينار وهل نسخ شباط أحكام تشرين ونشر بالبشارة ورداً أبيض ونسرين وهل هب من حزيران نافحه فأطفئ من جمر كانون لافحه وهل شممتم للربيع المريع نشر وحظيتم بحسن معدنه البديع بشرى فعطروا مجامعنا منه بنوافح الطيب وشنفو ما معنا بخبر حديثه الغريب

وانبؤنا بمنطق ورقه الصأوحة واطباره وهل كسيت بالخلل عرائيس أشجاره فبالله أسرعوا بالجواب والعجل فالعين متاسحة والقلب في وجل لا زالت قائمة بخدمتكم الأقلام والبراعة منشى في البدأ والختام

إن صفقت طور الدياجيوتسربلت سبل الدواجي
فهلا لها مثل اللجينكأنما هو فوق عاج
تلقى به سحب الشتارمت الدياجي بالدماج
ليل تخلله الحيافي صبغتي عفص وزاج
طمست معالم شمسهسحب مصدعة الزجاج
شابت نواصي نوئهوأتت معتقة الرتاج
لقح الثرى بثلوجهفغدت مقطعة النتاج
ومقت شفوف سحابهلكنها دعمت بساج
والفجر وهم في الدجىواليل مثل الطرف ساجي
والرعد قلب واجفوالجو كالرحل المداجي
والبرق نبض عرقهتحت الدجى مثل اختلاج
سقطت شأبيب الحياوجرت على كل الفجاج
عذب فرات سائغلكنه ثمل الاجاج
ثلج أقام على الربىوكأنه حلب النعاج
ملأ البسيطة فضةمبثوثة لا لاحتياج
صاغ القلائد للرباوجلا القلائد للمحاج
أتظنني في مدحهذاك المعرض للاهاج
قد لج صوت سحابهماء السحائب واللجاج
لزم الثرى فكأنهقد جاء يطلب بالخراج
فلكم رمى رجلاً بكسرثم رأسا بالشجاج
فالجرف ذو شرخ بهوالطوف منه في انفلاج
ولقد تمرد دأوهوطغى على أهل العلاج
عمت بلاياه الورىما في الورى منهن ناجي
هل في الأنام من الورىكنفي يضم إليه لاجي
من وجهه شمس الضحىوجبينه ذو الانبلاج
ليظل يطعن نحرهمنه بأطراف الزجاج
ويشيمنا برق الربيعبروضة ذات ابتهاج
نشم نشر زهورهامن بعد طي واندماج
ونسيمها يروى أحاديث المسرة بامتزاج

فلما وصل إليه كتب الجواب وأرسله وهو قوله ورد المثال الذي رفع قدراً يروي أحاديث بشر ويسند بشرى فمال العبد بالسرور جانباً وقال بشراي إذ كنت عبداً مكاتباً وكنت كثيراً أرأود نفسي المنازعة أن تجهز إلى باب سعادتكم مطالعه تنبي بما جل بحماة المحروسة وما جرى على ربوعها المأنوسة إلى أن ورد المثال البديع الذي يقصر عن مماثلته البديع أما القصيدة المزرية جواهرها بالجمان الفائقة على نظم العقود الحسان فكادت أن تستوجب قافية الجيم ومعارضها يحتاج في تحصيل القافية إلى التنجيم وإلا فمن يحصل هذه القوافي ويكون في حسن المعارضة موافي وما يقدر على نظم الجواهر إلا الملوك الصيد والأكابر الأكاسر وأما النثر فما النثرة من أمثاله ولا الجوزآء من أشكاله وحق من ملك المولى زمام الكلام وأقدره على صوغ النثر والنظام إن فضل مولانا أشرق في الأقطار واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار فلا نجد شاعراً إلا تحلى بأشعاره ولا نرى ناثراً إلا اجتلى بديع نثاره

خصصت بفضل ليس يوجد مثلهوذلك فضل الله يؤتيه من يشا

وأنهى الجناب أحوال الشتاء العام الذي ثقل على الخاص والعام فقد امتدت على البسيطة سدته وطالت على جميع العالم شدته فنصب خيمته وضرب أوتاد الثلوج وسرح مواشي الريح والبرد بالمروج ورمى الوجود ببنادق برده بشتائها وأعرب عن تراكم ثلجها وأنوائها ووصف من ذلك ما يعجز الخنساء بوصفه ويتحقق السامع منه حقيقة ضعفه فأما حماة فقد حل حماها فأذهل أهلها من المصائب ودهاها فأول الفصل كفاها الله وحماها وأفاض بسمائها أنوار الشمس وضحاها وزين الأفق بدرر الواكب وحلاها وأبدر قمرها في الليل إذا يغشاها ثم تغيرت الأنواء وتراكمت سحبها الثقال وتعاظمت حتى صارت ثقل الجبل وزادت الرعود فارتجت الأرض رجا وبرد الجو فعقد الماء ثلجاً واشتملت قضايا الأنواء على الدوام ودلت بمطابقة الثلوج دلالة التزام فترى وجه البسيطة بفضة مرشوش والجبال عليها منه كالعهن المنفوش فكم من خليل به أمسى مبرداً فاعتزى إلى الكسائي والفراء فانسج وارتدى وأنكر جبال حماه من يراها وتأبضت بالثلوج شراً فشاب قرناها وأما

العاصي فكان أمره عجباً ومنظره يقصر عن وصفه الادبا حمل العاصي فأجرى في حماة نيل مصرا فاعجبو يا قوم منه كان نهراً صار بحراً قد مد حتى جأوز الحد واشتد في حملته وما ارتد ودارت على نواعيره دوائر التلف وحل بجسوره الاقواء فأمست على شرف ودخل المساكن النهرية فارتحل أهلها من حيث طما بها عليها ونهلها فكم من جدار قد انقض وبناء مشيد قد رفض وركن بركن إليه قد سقط وحائط حيط بالدعائم قد هبط وتخوت أخذها الماء غصباً فاحتملها وسقوف اقتلعها من السقوف فانزلها ورواشن أتاها فخلخلها من القواعد وقصور عالية رماها بمنجنيق الرواعد ولطف الله تعالى بزيادة في النهار وأخبر عن حاله حفظاً للجوار ثم صحت السماء وتقشعت السحب وبدا وجه الشمس من الحجب وبشرا شباط بقرب مقدم الربيع وبسط له الفرش بالروض المربع وفاحت نسمات الصاب بنشر عبيره ولاحت أنواع الخصب بورود بشيره وصدحت الورق فرحاً بمقدمه وغنت فتحركت النفس لايام الصبا وحنت وانشرح صدر المصدور واستقر خاطره وتمتع بهذا الخبر سمعه وقر ناظره ونسى ما كان من نكد الأيام وعفا عن المبدا بحسن الختام

سفرت فاشرقت الدياجيبالنور اشراق السراج
خود إذا ابتسمت رأيت الصبح آذن بانبلاج
وجناتها تحت الشوالف وردة تحت السياج
أردافها مما ثقلنإذا مشت ذات ارتجاج
باتت تناجيني فيالله ذياك المناجي
وسعت إلى بخمرةصهباء صافية المزاج
بيضاء جلت أن يشوب وصلها انكد الزواج
صيغت من الدر البياض وطوقها المسود ساجي
بياضها وسوادهاملكت مرادي لاحتياجي
وحكت مثال جاءنيبوزوده زاد ابتهاجي
اهدى إلى مسرةوبشكره عظم ابتهاجي
فعقوده في نظمهاذات انفراد وازدواج
ألفاظه في نفسهابرق تألق بالدياجي
متضمناً أمر الشتاء وثلجه العسر العلاج
قد أوضحت من أمرهبالشام ما آذى مزاجي
فتشابهت فيه البلاد فنشره فيها مفاجي
أما حماة فإنهوافي إليها بانزعاج
وأقام فيها مدةيسطو عليها في لجاج
فكأنه وافى إليهاطالباً مال الخراج
عقدت حمائم سحبهها فوجه للجو داج
نصبت فخاخ ثلوجهللساريين على الفجاج
وأطارت الريح الثلوج كما استطارت بالعجاج
قد شاب قرناها بهاوتأبطت شراً مفاجي
ضاعت مصالح أهلهافصدورهم ذات انحراج
لوانها تصحى لهمأضحوا على عزم الهجاج
وظمى بها العاصي إلىأن صال كالليث اللهاج
كم من جواد قد تخلخلفانثنى مثل الخراج
ورواشن سقطت فهنإلى حمى العاصي لواجي
وتمازجت آلاتهابمياهه أي امتزاج
ورفارف مثل الجفونإذا علت ذات اختلاج
أخذ التخوت فأصبحتفي الماء كالسفن النواجي
ورمى النواعير التيكأنت تدور على رواج
دارت بها أفلاكهامنكوسة ذات انعواج
فتطايرت أرياشهافيها ولا ريش الدجاج
فتت مغالفها وكانت قبل مغلقة الرتاج
ولسوف ياتيك الربيعفيطرد البرد المفاجي
وتطيب أوقات الزمان فمالها في الناس هاجي
والروض بفتح وردةمن بعد طي واندماج
وترى الأزاهر قد بدتفي روضها ذات ابتهاج
وتزول كافات الشتاء بغير بحث واحتجاج
أمر الشدائد لم يزلوهمومها ذات انفراج
وأسلم ودم لا زلت فيالأيام ملجا كل راجي

وكان قدم خلب صحبة واليها الوزير الراغب المقدم ذكره فتوفي بها وكأنت وفاته يوم الاحد الثاني عشر من رجب سنة تسع وستين ومائة وألف بتقديم تاء التسعين ودفن خارج باب قنسرين بتربة الشيخ ابن أبي النمير رحمه الله تعالى

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.