تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

أسعد البكري

أسعد بن أحمد بن كمال الدين وتقدم ذكر والده الصديقي الحنفي الدمشقي الرئيس الفاضل الهمام المقدام الكامل البارع الألمعي كان صدر أعيان دمشق وواحدهم ممن تسامى وعلا واشتهر ذكره وشاع صيته من ذوي المفاخر والمحامد الرؤساء الأجلاء مقبول الشفاعة عند الحكام معتبراً موقراً لدى الخاص والعام وبالجملة ففضائله ومحامده تكاثرت واشتهرت في وقته مع الجاه العريض والرفعة والشان والسمو للمعالي ولد بدمشق تقريباً في سنة ثلاث وستين وألف وبها نشأ وترقى ومهر وتفوق وابتهجت به الأوقات وازدان به الدهر وأينع روض سعوده وبسق غصنا يترنح في خميلة السيادة والسعادة تؤمن الوفود وتقصده الأفاضل والمداح

وتولى نيابة الحكم في محكمة الباب وفي المحكمة الكبرى والقسمة مراراً وأعطى رتبة قضاء القدس وكأنت عليه وظائف وتوالي كثيرة وتملك العقارات والأملاك الوافرة وبنى الدار والجنينة في قرية جرمانا خارج دمشق وأتقن بناءها وجاءت نزهة وبهجة وصار يذهب إلى هناك ويدعو الأعيان والأحباب وكأنت في وقتها أحسن مكان يوجد في القرى وارتحل للروم والي مصر وحج إلى بيت الله الحرام وفي سنة ثمان عشرة ومائة وألف في يوم السبت ثاني وعشرين ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة توجه إلى جهة صيداً هو والمولى عبد الرحمن بن أحمد القاري والمولى سليمان بن إسماعيل المحاسني الخطيب بالجامع الأموي والأمام بأمر سلطاني على طريق الأجلاء والنفي وكان ذلك باشارة والي دمشق الوزير سليمان باشا البلطجي وصنعه وكان السبب أنه أراد أخذ قرض من التجار وأحداث بعض مظالم فمنعه المذكورون فعرض للدولة بخلاف ذلك ثم استقاموا في صيدا إلى خامس عشر ربيع الأول سنة تسع عشرة ومائة وألف ففيه ورد الأمر السلطاني ثانياً باطلاقهم والعفو عنهم بأمر من السلطان أحمد خان وعند وصولهم إلى دمشق خرجت الناس خاصة وعامة كباراً وصغاراً إلى ملاقاتهم وصار لهم الكرام الوافر ولما وصلوا إلى عند الوزير المذكور خلع عليهم الملابس الفاخرة واستعفى منهم واعتذر لديهم غاية الاعتذار وممن امتدح المترجم الشيخ عبد الرحمن البهلول بقصيدة مطلعها

من عذيري في حب ظبي مصونذي قوام يزري بهيف الغصون
وعيون ترمي الحشا بسهامذقت من رشقهن ريب المنون

وهي طويلة ومنهم الأديب عبد الحي الحال فمن مدائحه فيه قوله هذه القصيدة التي مطلعها

قادنا في الشباب والعنفوانقائد الغي للوجوه الحسان
فأطعناه برهة وعصيتالائماً نصحه من الهذيان
وعكفنا على العروس جهاراًحين زفت من دنها للقناني
وطويت الحشا على الشرب حتىخلت ان المدام فيه طواني
بين غيد وتمرد وغديروغياض وغلمة كالغواني
كل ظبي إذا بدا وتثنىستر البدر منه بالأغصان

منها

يا ليالي السعود والبسط والقصف ونيلي لصادقات الأماني
كم خلعت العذار في ساعة اللهومطيعاً أوامر الشيطان
غير أني رعيت أمر معاديوطرحت المخل في ايماني
ثم أني أحسنت ظني باللهلعلمي بواسع الغفران
وبحب الرسول والآل والصحبوحسبي فحبهم قد كفاني
فيهم قد كفيت أمر ماليوبنجل الصديق جور زماني
الامام الذي هو الجوهر الفردوحيداً في حل صعب المعاني
هو بين الأعلام واسطة العقدوحأوي السباق يوم الرهان

ومنها

أنفق المال في الجهاد وفي حبالتهامي وطاعة الرحمن
أورثتك الجدود بيت فخارشدته بالعلوم في كل آن
ورفعت العماد منه بأيدأركزت أمه بأعلى مكان
هي أيد تضمنتها أياديصيرت حاتماً أخاً خسران
تخجل السحب والغمام إذا ماأمسكت والظنون ليس تعاني
من شهرت اليمين في لنيل سيلاوسنوح اليسار كالسيحان
قلت بحران يا خليلي قل ليعمرك الله كيف يجتمعان
الامان الامان أنا غرقنامن ندى راحتيك في بحران
يا امام الكرام يا كعبة الجودوبيت العطا وركن الاماني
يا عباب العلوم يا مجمل الفضلونهر الروى وبحر البيان
يا محل الآمال يا موطن القصدوربع النوال والاحسان
يا غياث الملهوف يا كهف من قدطرقته طوارق الحدثان
دم مهنا كما تحب وتختار أميناً على مدى الازمان

وامتدحه الشيخ صادق الخراط بقصيدة مطلعها

طيور التهاني بالمسرات غردوافان المعالي قطبها الآن أسعد
وأنتم حداة البسط للشام يموافتلك العدا فيها من الغيظ انكدوا
ونال ابن صديق النبي كرامةبها مات ذلاً من له كان يحسد
وأنت لقد وفيت يا دهر بالمنىوجدت بما كنا نروم ونقصد
فلا زلت توفي الوعد يا دهر دائماًوتخلف للحساد ما أنت موعد
ولا زلتم يا آل صنو محمدعلى الناس يعلو قدركم ويشيد

وهي طويلة وكتب إليه ممتدحاً داره الكائنة في قرية جرمانا بقوله

أسعد الدهر قد بنيت دياراًعش بسعد في ظلها الممدود
من رآها يقول من غير شكهذه الدار من جنان الخلود

وقال أيضاً

لا زلت يا دار طول الدهر عامرةولا تعداك اقبال واسعاد
ولا برحت بيمن السعد مشرقةيرتاح في ربعك المعمور قصاد

وكتب إليه السيد الأمين المحبي يمدحه حين ولي نيابة حكومة الشرع بقوله

ليس بالفخر مدحة المعشوقانما الفخر مدحة الصديقي
ماجد كل ماجد من علاهيرتقي فوق هامة العيوق
لوذعي يكاد بالفكر يدريما درى الغيب من خيال رقيق
فاضل أبدعته أيدي قديرلترى فيه صنعة التخليق
جمعت فيه ما تفرق دهراًفتعجب للجمع والتفريق
ولي الشام نائباً فاطمأنتكل أسرارنا بمحض الوثوق
أيها الفاضل العريق الذي ندعوه فينا بالفاضل المنطيق
ان لي ذمة تشبثت فيهامن معاليك بالصدقي الصدوق
انأمن حاله لديك عيانوسكوتي يغنيك عن تنميقي
فارغ ودي بقيت في كل أمرنافذ القول عاملاً بالحقوق

وبالجملة فقد كان المترجم من رؤساء دمشق المنوه بهم والمعول عليهم وكأنت وفاته فجأة في ليلة الجمعة بعد المغرب الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين ومائة وألف ودفن يوم الجمعة في تربة الشيخ أرسلان ﵁ بمشهد عظيم حافل وكان قبل موته حصل له عارض سودأوي ومرض فانزوى في داره وعولج كثيراً ولم يفده شيء إلى أن مات ورثاه الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي بقصيدة مطلعها

عزيز قوم كان لا يذلبمهو على أسلافه يذلأوصافه محض الثنا مشيرة

بأنهم لفضلهم محلمن نسل صديق النبي ليس فيباطنه حقد وليس غل

ونسل طه المصطفى أيضاً كمايعرف من عقد له وحلوآأسفي على شريف طبعه

ذاك الذي بالجود لا يذلكان هماماً كيفما قصدتهوجدته لا يعتريه كل

يحل كل مشكل لكل منأموره تكاد لا تحلتواضع يزينه مع رفعة

وهو الكثير ما هو الأقلوكان ركناً في دمشق عمدةللكل يحتاج إليه الكل

مهذب الأخلاق صعب المرتقىحديثه الشهي لا يملكأنه الروض ذهت أزهاره

وكلل الأوراق منه الطل

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.