من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
حسن البخشي
حسن بن عبد الله بن محمد البخشي الحلبي كان عالماً فاضلاً ذكياً ذا هيبة ووقار لطيفاً خلوقاً ولد في سابع شهر سنة احدى عشر ومائة وألف وقرأ على والده العلامة المحدث الحجة الشيخ عبد الله البخشي أخذ عنه الفقه والنحو والحديث والتصوف وألبسه الخرقة ولقنه الذكر وعلى عمه العلامة الشيخ إبراهيم البخشي المدرس بمدرسة المقدمية بحلب وأخذ عنه الكتب الستة والأدب والعلوم العربية وكذلك عن عمه العالم الشيخ اسحق وعن عمه العالم السيد عبد الرحمن وقرأ على العلامة السيد محمد الكبيسي الحلبي حسب الله أمين الفتوي والشيخ عبد الرحمن العاري والشيخ علي الميقاتي والشيخ حسن السرميني وحسن الطباخ والشيخ قاسم النجار والشيخ سليمان النحوي والمولى علي الأسدي والشيخ علي الشامي والشيخ أحمد الحافظ وأخذ الفرائض والحساب عن العلامة الشيخ جابر المصري وأخذ علم الكلام عن شيخه السيد محمد الطرابلسي مفتي حلب والقرات عن شيخه الشيخ عمر البصير والسيد عبد الله المسوتي واستجاز له والده من المسند المحدث الشيخ حسن العجمي المكي والشيخ أحمد النخلي وأخذ عن الشيخ أبي الطاهر الكوراتي والياس الكردي نزيل دمشق والاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي وقرأ على الشيخ طه الجبريني الحلبي وعلى العلامة الشيخ محمد عقيلة المكي لما قدم حلب وعلى الشيخ
عبد الرحمن والشيخ عثمان ولدي الحجار الملازمين بالمدينة المنورة والمدرسين بالحرم النبوي وعلى الشيخ السيد عيسى المرشدي امام الحنفية بالكعبة المشرفة المكي وعلى الولي الزاهد الشيخ عبد الله الزمزمي وله سياحة في كثير من البلاد ذكر من اجتمع بهم من الأفاضل في رحلته وتردد على قسطنطينية مراراً وقرأ على علمائها وألف وأجاد ونظم وفضل فمن تأليفه بهجة الخيار في شرح حلية المختار ومنها النور الجلي في النسب الشريف النبوي وتأليف عظيم في الرد على من اقتحم القدح في الأبوين المكرمين ورسالة في رجال الشمائل وشرح على الشمائل وله شرح على أسماء البدريين وله تأليف في العقائد سماه تحرير المقال في خلق الأفعال وله ديوان حافل وشرح مفيد على قصيدته المسماة بعقود الآداب سماه تنقيح الألباب في حل عقود الآداب وكل يتعاطى القضا والنيابة بحلب وغيرها وقبل وفاته بأكثر من عشرين سنة انفصل عن قضاء صيدا بالفعل وترك طريق القضا اختياراً للعزلة ولازم تكية الاخلاصية بحلب وكان لا يخرج منها الا وقت الدروس وآلت مشيختها وتولية أوقافها له بحسب الشرط فلم يرغب لها رضاء بالقناعة والعزلة وسمح بها لأبن أخيه السيد محمد صادق ومن فرائد شعره قوله من قصيدة تبلغ مائة بيت امتداحاً في الجناب الرفيع ﷺ
رحم الحبيب تنفس الصعداءفأجاب فيه تضرعي ودعاي
قد لذ لي فيه التذلل والعناوغدا سقامي فيه عين شفاي
حارت ذوو الألباب فيه صبابةوضلالهم في ذا غدير هدائي
منها
فاضممه عني أن حظي عاقنيوأخبره أني قانع بفنائي
وبه انثنى نحو العقيق مقبلاًبالجفن خد التربة الفيحاء
ومنها
وبفيض جودك سيدي وبنسبتيقلبي الحزين معلل بقراء
أأضام في يوم الجزاء وملجأيلحماك فيه سيد الشفعاء
لا اختشي محل الرجال وجودكميغني إذا عن ديمة وطفاء
كل الورى يرجون منك شفاعةهي حصنهم في الشدة الدهماء
وكذاك ذا البخشي يرجو نظرةيسمو بها فرحاً إلى العلياء
ويفوز بالرضوان يوم مآبهمتشرفاً من نوركم بضياء
لا غر وأن يعطي مناه في غدحسن وأنت وسيلة الرحماء
ومن شعره بأهل بدر متوسلاً بقوله
يا سادتي أهل بدر ان قاصدكميعطي الأمان ولو حفت به الغير
ما نابني كدر يوماً ولذت بكمالا وساعد فيما ارتجى القدر
وله هذه القصيدة ممتدحاً بها صاحب الرسالة ومطلعها
لأتركنن لداعي اللهو واللعبوأحذر مخادعة الأهواء والطرب
منها
خلاصة القول أني مذنب وجلومن مكابدة الأهواء في نصب
لم يبق لي سالف العصيان معذرةالالتجائي لغوث الخلق خير بني
محمد المصطفى الهادي الذي شرفتبه الخلائق من عجم ومن عرب
قد بشرتنا به العجماء ناطقةوالجن والأنس والأملاك في الحقب
وأصبح الدهر مسروراً بمولدهوأظفرتنا يد الآيات بالعجب
فللسرور على أرجائه قمرمن حين ليلته الغراء لم يغب
وأشرق الكون بالتوحيد مفتخراًيختال من فرح فيه ومن عجب
فياله رحمة للناس شاملةونعمة للورى قاص ومقترب
لولاه لم تخرج الأكوان من عدمولا تنزلت الأملاك بالكتب
ولا اهتدى الخلق في الدنيا لخالقهمولا اضمحل ظلام الشرك والريب
كلا ولا أشرقت ولا غربتيوماً ولا دارت الأفلاك بالشهب
ومنها
يا صفوة الله في الكونين يا سنديويا ملاذي اذ ما الهول أحدق بي
هلكت ان لم تكن لي شافعاً سنداًفارحم مسيئاً لقد أخطى ولم يصب
اليك وجهت آمالي أطارحهانيل المرام وما أرجوه من أرب
فكن شفيعي إذا ما الخلق أذهلهميوم الزحام وخوف المكر والغضب
فلا ولي وصديق وذو شرفالأغدا وجلاجاث على الركب
يشبب من هوله الطفل الوليد إذاضاق الخناق على الجاني من الرهب
وثم لا والد يغني ولا ولدعن المسئ ولا ماحان من نسب
وكل خل له شان سيشغلهعن الخليل ويغنيه عن العتب
لكن رحمة ربي ثم معتمديوأنت واسطتي فيها ومنتدبي
فليس يحصرها حد ولا قلموحلمه بعطاه منتهى طلبي
أكبر جودك أن ألقى على جرميأحاله حسنات عند محتسبي
فان تفضلت يا فوزي ويا شرفيوان تكن شافعي يا خير منقلبي
وكم عصاة لهم في جودكم طمععقباه يلقونها أشهى من الضرب
ومنها
صلى عليك الهي ما همت سحبوما رجوت لكشف الضر والكرب
وكل آن على مر الدهور ومانجت مراحمك الجاني من العطب
كذا السلام بأبهى صيغة ودتيفوق ريا نشر المندل الرطب
والآل والصحب والأزواج من لهمفي القلب منزلة للغير لم تهب
بحبهم أرتجي حسن الختام إذاقضيت نحبي ونعم اللطف ذلك بي
وله قصيدة مجيدة ومطلعها
ألا ليس لي عن مورد الحب مذهبولي الوجد دين والصبابة مذهب
إذا غربت شمس النهار فمونسيشموس جمال نورها ليس يغرب
ومنها
خليلي قلبي ضاع مني فهل لهرجوع وهل للنازحين تقرب
خذ أحيت تجد طيب الله تربهاوباكرها من وأكف السحب صبب
ومرا بسلع والعقيق وحاجرفثم خيام للأحبة تضرب
بها حاز فخراً في المنازل لعلعووادي النقا واخيف ثم المحصب
ألما بهاتيك الربوع فانهامنازل أحبأبي بها القلب يطلب
وعوجاً بقلبي نحو طيبة أنهيحن للثم الترب منها فيندب
هي المربع الفياح مأوة نبوةومنها الثرى للعين كحل مجرب
مقام ختام الرسل أحمد من لهبكل مقام للآله تحبب
ومنها
اليك غياث الخلق سارت مقاصديولا يرتجي الاك قلبي المؤنب
اليك أتى البخشي يرجو شفاعةولا غر وان ينجو بجاهك مذنب
فيا حسن الأخلاق والخلق والعطاويا من إليه في الملمات أرغب
أجر حسناً يوم الزحام فإنهبه المرء عمن يصطفيه ينكب
أجر مذنباً يرجو الاقالة قاصداًحما جاهك العالي لبيك ينسب
ومنها
عليك من الرحمن أزكي صلاتهوأنمي تحيات من المسك أطيب
نعم ذوي القربى وصحبك من لهمبأعلى مقام المجد مثوى ومرجب
يعطر منها الكون ما سار نيرولاح بأفاق المجرة كوكب
ومن معمياته في عثمان وعلي
ودعتني وتشكت بينناودموعي فوق خدي كالجمان
قلت في كم ينقضي هذا الجفافأشارت لي بلحظ وثمان
وقوله معمياً في محمد
فوضت أمري لربي وارتضيت بماقضاه لي قبل تخليقي من القسم
وان جفا ذمتي ظلماً بغير وفاصابرته شاكراً والحمد ملأ فمي
وله في حسن
من مجيري في هواه شادنسهم لحظيه بعمد صائب
خلع الحسن عليه تاجةوحمى الطرة فوق الحاجب
وله غير ذلك وكأنت وفاته في حادي عشر رمضان سنة تسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع