تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

طه الجبريني

طه بن مهنا الشافعي الجبريني المحتد الحلبي المولد العالم الفاضل المتقن العلامة المحقق واحد الدهر في الفضائل المفسر المحدث صاحب الاحاطة بالعلوم العقلية والنقلية كان المعيا وحيداً له الذكاء المفرط كاملاً بحاثاً محققاً مدققاً ورعاً زاهداً ناسكاً ولد في سنة أربع وثمانين وألف وطلب بنفسه وأخذ عن علماء ذلك العصر وحبب إليه الطلب إذ بلغ فسعى وجد واجتهد ورحل إلى الحجاز في سنة احدى وثلاثين بعد المائة وسمع صحيح البخاري على شارحه المتقن الضابط أبي محمد عبد الله بن سالم البصري وأجاز له به وبباقي ما يجوز له وقرأ العربية على الشيخ عيد المصري ومن مشايخه الشيخ تاج الدين القلعي مفتي مكة والشيخ عبد القادر المفتي بها أيضاً وأخذ عنهما وعن الشيخ يونس المصري والشيخ أبي الحسن السندي ثم المدني وغيرهم وعاد إلى وطنه واشتغل بالافادة والحق الأحفاد بالأجداد ثم عاد إلى الحجاز في سنة احدى وستين بعد المائة أيضاً وجاور بمكة المكرمة نحواً من سنتين وعاد إلى وطنه وكتب على صحيح البخاري قطعة صالحة وصل بها إلى المغازي وله تراجم أهل بدر الكرام ﵃ وغير ذلك من التحريرات وانتفع به خلق لا يحصون كثرة وله مداعبة لأحبابه وكان يعاني حرفة الا لاجة ينسج له وتباع ولم يكن له وجه معيشة ولا وظيفة غير ذلك وله شعر فمن شعره الذي خدم به سيد المرسلين عاقد اللحلية الشريفة قوله

يا أهيل النقا لقد همت وجداًفي هواكم وقد جفا الجفن سهدا
ما تناسيت المربوع بسلعسل من الركب من تناسيت عهدا
كيف أنسى وفيكم من تسامىفي سماء السماء فخراً ومجدا
خاتم الرسل سيد الكون طهمن غدا في شمائل الحسن فردا
ذو جبين سما الهلال ووجهأخجل البدر بالبها اذ تبدى
في أساريره سنا الشمس تجريمن سناه أهتدي الذي ضل رشدا
أهدب الجفن فوق خدا سيلأكحل العين بالنفوس مفدى
أفرق السن إن تبسم تلقيمثل حب الغمام والدر نضدا
أزهر اللون أنفه كان أقنىبالقنا للعدا أباد وأردى
شثن الكف للكراديس ضخمراحتاه جوداً من البحر أندى
ربعة كان إن مشى يتكفأرجل الشعر ليس سبطاً وجعدا
كان فخماً مفخماً يتلألأخافض الطرف أكثر الخلق حمدا
بين كتفيه مثل بيض حمامخاتم الأنبياء للخلق مبدا
ومغيث لمن أتى مستجيراًمن ذنوب فاضت على البحر مدا
وصريخ لمستريح خطوبقد توالت عليه صكاً وطردا
ورؤف بنا وأيضاً رحيمكم حباني فضلاً وللخير أسدى
يا رسول الورى سميك طهقد سعى في الهوى مكباً مجدا
كلما كان يستعد لرشدأخرته القيود عما استعدا
وهو قد حل في حماك وحاشىأن ينال المنيخ بالباب ردا
وصلاة الآله في كل آنمع سلام إلى ضريحك يهدى
وإلى الآل والصحاب جميعاًما سنا كوكب بأفق تبدى

وله غير ذلك وكانت وفاته ضحوة نهار الخميس الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين ومائة وألف ودفن خارج باب المقام قبيل المغرب وقبره شمالي قبة العواميد وأسف عليه الناس بعد أن انقطع في بيته من أواخر صفر ومرض نحواً من عشرة أيام واختلط في مدة اقامته في بيته كثيراً وأعقب ولداً ذكراً وبنتاً وقد رأيت بعض من ترجمه ذكر أنه في فجر يوم وفاته وعنده جماعة منهم أولاد شقيقته وبعض أقاربه من النساء الخيرات إذ دخل عليه طائر أخضر وحام حوله مراراً والحاضرون ينظرون ذلك ويعبجون ثم جلس على صدره هنيئة وطار وقد أرخ وفاة هذا الاستاذ السيد عبد الله اليوسفي الحلبي بقوله

بشرى لطه حيث حاز فضائلاً عقلاً ونقلاًلقد ارتضاه وقد حبا

هـ الله مغفرة وفضلاًلما غدا الفردوس فيدار البقاء له محلا

أرخته بعلى الجنان محدث الشهباء حلا

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الطاء المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.