تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

عبد الجليل المواهبي

عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي الحنبلي الدمشقي الشيخ العالم المحقق المدقق الفهامة الامام الفاضل ولد بدمشق في سادس شعبان سنة تسع وسبعين

بعد الألف ونشأ بها في كنف والده المتقدم ذكره واشتغل بطلب العلم على والده وعلى غيره ولازم الشيخ إبراهيم الفتال ومفتي دمشق الشيخ إسماعيل الحايك والشيخ عبد القادر ابن عبد الهادي أخذ عنهم الأصلين والنحو والصرف والمعاني والبيان والعلامة الشيخ عبد الرحيم الكابلي نزيل دمشق وأخذ الفقه والحديث ومصطلحه عن والده وقرأ على الشيخ عثمان القطان وأجازه المحقق الرباني الشيخ إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة والعلامة السيد محمد البرزنجي الكوراني نزيلها أيضاً وبرع في المعقولات لا سيما النحو والصرف والمعاني والبيان وجلس للتدريس بالجامع الأموي وعكف عليه الطلبة للاستفادة وكان عجباً في تقرير العبارة يؤديها بفصاحة وبيان وله من التآليف نظم الشافية في الصرف وشرحها شرحاً حافاً وله تشطير بديع على ألفية ابن مالك في النحو وله أرجوزة في العروض وغير ذلك من الرسائل وكان وقوراً ساكناً كثير البر بوالده وشوهد مراراً إذا كان في درسه ومر عليه والده يقوم من الدرس ويأخذ مداس والده منه ويمشي خلفه بأدب وسكينة ويلازم حضور دروس والده بالجامع الأموي بين العشائين وكان والده يحبه كثيراً ويحترمه ويدعو له لما كان عليه من البر والديانة والصيانة وملازمة الطاعات وكف اللسان عن اللغو والانقطاع عن الناس وكان ينظم الشعر الباهر فمنه قوله مشطراً الأبيات المنسوبة لجعفر الصادق ﵁

عتبت على الدنيا وقلت إلى متىتسيئين صنعاً مع ذوي الشرف الجلي
أفاقدة الانصاف حتى عليهمتجورين بالهم الذي ليس ينجلي
فكل شريف من سلالة هاشمبسيء حظ في مذاهبه ابتلي
ومع كونه في غاية العز والعلايكون عليه الرزق غير مسهل
فقالت نعم يا ابن البتول لأننيخسيسة قدر عن علاكم بمعزل
وأما اساآتي فذلك اننيحقدت عليكم حين طلقني علي

وقوله مشطراً هذه الأبيات المنسوبة لأبن عباس ﵄

أحبوا الخيل واصطبروا عليهافإن بها المسرة والكمالا
وراعوا حقها في كل وقتفإن العز فيها والجمالا
إذا ما الخيل ضيعها أناسانلناها الترفه والدلالا
فخير في نواصيها أقتضي أنحفظناها فأشبهت العيالا
نقاسمها المعيشة كل يومولا نخشى لنعمتنا زوالا
ونلبسها المحاسن من حليونكسوها البراقع والجلالا

وقوله مذيلاً على البيت الأول

إذا ملك لم يكن ذاهبهفدعه فدولته ذاهبه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «محبتي لك طبع»
فجد للفقير بما يبتغيوأفضل مالك كن واهبه
ولا تلف دهرك مستوهباًفخير اليدين يد واهبه
وفي الله عن كل شيء غنيفكن راغباً فيه أو راهبه
ونل طيب العيش وأنعم بهولا تك أشعث كالراهبه
وعمرك راس جميع الذيملكت فبالخير كن ناهيه
وحاذر معاصي الآله التيتكون لأجر الفتى ناهبه
ومن مال ربك أنفق فماتملكت عارية لاهبه
ودم في علاه لترقى العلاوتنجو من ناره اللاهبه

وقوله

يا واجداً من بديع الحسن أجملهمالي جيدك عني كنت آمله
أليس يحرم لي الواجدين كمانص الآله على هذا وأنزله

وقوله

أيها المكتسي رداء جمالفوقه برنس المحاسن زانه
من ينعم بنظرة منك يوماًأذهبت عنه دائماً أحزانه
وسلا أهله وكل حبيبكان يهوى كما سلا أوطانه

وقوله

سلم لله الأمر ولاتيأس أبداً من رحمته
جهلت نفس عرفته ومارضيت بنفوذ أرادته
عجلاً يأتيك الروح إذاسلمت له ولحكمته
لله الأمر فلا تضرعللخلق وخف من نقمته
أوما المولى ملك أحدذل الأملاك لعزته
للحال وإن ضاقت فرجيأتي المهموم بنصرته
لبين بذلك قدرة منتجري الأشياء بقدرته
هون ما ضاق عليك ولاتيأس أبداً من رحمته
بينا الانسان يرى قلقاًمما يخشى من فاقته
عاد التوسيع عليه بمايجري المكروه بسرعته
دع ما يدعوك إلى الدنيامن حب المال وفتنته
فعسى المولى يؤتيك غنىويزيل الفقر بنعمته
سله ما شئت فإن جميعالخير له في قبضته
وبه يرجوه أخو الضراوالكرب لدفع مضرته
يا نفس ثقي بالله عسىتحظى برضاه وجنته
سعدت نفس أبداً رضيتبقضا المولى ومشيئته
رفقاً يا رب بمن يرجومنك التفريج لكربته
أرحمه وجد بالعفو فأنتهو الغفار لزلته
بمحمد المختار وبالآل الأطهار وشيعته

وقوله في فوارة ماء

انظر إلى فوار ماء حكىرأس عجوز أبيض اللمين
منتشر الشعر يرى دائماًمضطرباً يميل للجانبين
كأنها ثملى من الخمر أورعضاوة أو تلطم الوجنتين

وقوله أيضاً

انظر إلى فوارة قد حكتجارية قوامها كالغصين
أرخت على أعطافها حليةبديعة مثل خيوط اللجين

وفي الفوارة للاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي

رب فوارة زهت تتثنىبقوام دبت به الخيلاء
كقضيب الألماس لأبل كغصنمن لجين فاعجب له وهو ماء

وله فيها

ورب فوارة راقت نواظرناومن يشاهدها قد حركت طربه
يعلو وينزل فيها الماء منحدراًكأنه طاسة البلور منقلبه

وفي ذلك قول الوجيه المناوي

فوارة تشبه في شكلهاسبيكة من فضة خالصه
تلهيك في الحسن فقد أصبحتجارية ملهية راقصه

وقال ابن تميم مع التضمين

لوكنتها أبصرتها فوارةللشمس في أمواجها لألاء
لرأيت أعجب ما يكون ببركةسال النضار بها وقام الماء

وفي الفوارة تشابيه كثيرة اقتصرنا منها على ما ذكر وكانت وفاة المترجم في جمادي

الثانية سنة تسع عشرة ومائة وألف ودفن بتربتهم شرقي مزار الشيخ بكار بمرج الدحداح وتأسف عليه الغالب من الناس لا سيما والده فصبر واحتسب ورثاه الشيخ سعدي العمري بقوله مؤرخاً وفاته

ألا تباً ليومك من ذميمأيا فرد الفضائل والفهوم
أبحت لنا به أسفاً وحزناًيزيلان الحياة عن الجسوم
وغادرت الزمان بلا اماميرينا كيف فائدة العلوم
فلو تفدي النفوس فدتك مناقلوب من حمامك في حميم
ولكن لأمرد لما قضاهعلينا الله في الأزل القديم
وحين قضى امام العصر طراًأتى التاريخ بيتاً من نظيمي
جزاه الله عن دنياه مجداًوأسكنه بجنات النعيم

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.