من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
السيد عبد الرحيم بن أبي اللطف
السيد عبد الرحيم بن أبي اللطف بن إسحق بن محمد بن أبي اللطف الحنفي القدسي مفتي الحنفية بالقدس ورئيس علمائها العلامة العالم الفاضل الشهير كان هاشمي الطبع حسن الأخلاق مرضي الهمة عالماً مفسراً فقيهاً نحوياً ملازم الافادة والتدريس اماماً مقتدي ومستوفي العلوم العقلية والنقلية ولد في سنة سبع وثلاثين وألف ونشأ بالجد والاجتهاد وأخذ العلوم على من ورد من الأفاضل إلى القدس ثم ارتحل إلى مصر وجاور بها مدة ثم رجع ظافراً بمزيد الفضيلة حائزاً للعلوم الجليلة واشتهر بالبلاد وانتفع به العباد ثم ذهب إلى الديار الرومية واستقام بها مدة مديدة واكب الأفاضل بها عليه وقرأ في جامع السليمانية كثيراً من العلوم مدققاً منطوقها والمفهوم ففي ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وألف لازم من صدر الروم وقاضي العساكر المولى ابالي زاده مصطفى كعادتهم ودخل في سلك المدرسين فلما كان منفصلاً عن مدرسة بأربعين عثماني في سنة ثمان وستين أعطى افتاء بلدته مع مدرسة العثمانية ففي رجب سنة تسع وستين عزل من الفتوى والمدرسة من شيخ الاسلام المولى محمد الأسيري لأمر صدر منه فتبقى في بلدته صفر اليد مكدر الحال ففي رجب سنة اثنين وسبعين اعيد الافتاء مع المدرسة من شيخ الاسلام صنعي زاده المولى
السيد محمد وأعطاه اعتبار رتبة الداخل المتعارفة بين الموالي والمدرسين وبعده أعطى اعتبار رتبة موصلة السليمانية مع قضاء صفد على وجه المعيشة فبعد مدة بالقضاء الآلهي حبس في أحد القلاع وبعد أن خلص ذهب للديار الرومية لأجل عرض حاله إلى الدولة العثمانية العلية فصادفه الحمام بادرنة ولم ينل المرام وكان حج ولقي خلاصة الواصلين الشيخ أحمد القشاشي وهو يقري رسالة القشيري فأخذ عنه ثم رجع إلى بلاده بأمر من شيخه المذكور واشتهر في افتائه ثلاثين سنة وألف وحقق وأفاد فمن تصانيفه الفتاوي الرحيمية وله كتابة على منح الغفار نحواً من عشرة كراريس وكتابة على الرمز شرح الكنز للعيني وعلى البزازية والفتاوي الخيرية وبعض من كتب الفقه جمعها ولد الفاضل السيد محمد الآتي ذكره وسماها الفوائد الرحيمية على كتب كثيرة من كتب السادة الحنفية وله رسالة في الاشتقاق وشرحها وكتابات على حفيد المختصر وعلى عصام القاضي وله نظم رقيق جمعه ولده المذكور ديواناً ومشايخه الذين أخذ عنهم وقرأ عليهم منهم العلامة الشيخ حسن الشرنبلالي والشيخ أحمد الشوبري والشيخ علي الشبراملسي والشيخ يس الحمصي المصري والشيخ سلطان المزاحي والشهاب أحمد الخفاجي والشيخ إبراهيم الميموني والشيخ أبو السعود الشعراني والشيخ يوسف الخليلي والشيخ عبد الكريم الحموي والسيد محمد بن علي الدمشقي والشيخ محمد البلباني الدمشقي والشيخ الاستاذ زين العابدين الصديقي المصري وأخذ عنه جماعة من أهالي الروم منهم العلامة المولى أحمد بن سنان البياضي والمولى محمد رفيعي زاده والمولى أحمد جاويش زاده والمولى قره خليل علامة الروم وشيخ الاسلام المولى عبد الله ابه زاده ونقيب الأشراف المولى إبراهيم عشاقي زاده ومن فضلاء مصر الشيخ أحمد الدقدوسي مفتي الحنفية والشيخ شاهين الدمشقي الأصل القاهري السكن ومن أهال دمشق الشيخ إسمعيل اليازجي والشيخ صالح الجينيني ومن أهالي بلدته الشيخ أحمد العلمي ومن أهل الرملة الشيخ نجم الدين بن خير الدين الرملي وبالجملة فقد كان مفنناً في جميع العلوم حتى في الشعر فمن شعره قوله هذه النبوية
أبرق بدا من نحو طيبة لامعففاضت على تلك العهود مدامع
أم الشرق للسكان حرك كامناًفاحرق قلباً بالمحبة والع
أم العيس حنت للحجيج وشوقتأم العين أبكاها الحمام السواجع
نعم راعني ذكر الحبيب صبابةفكلي لأشواق الحبيب مجامع
أبات بذكراه أراقب بدرهيلوح بأوصاف الثنا وهو طالع
فأنظم أوصافاً تحلى بعقدهاوأضحى علينا من سناها لوامع
ولما تباهي الوصف جيداً تزاحمتعلى وصفها للواصفين مطامع
تروم مداها السابقات وتنثنيودون المدا بعد الزمان موانع
أجدد عمري في حياة نظامهافعمر سعيد ينقضي لي راجع
فأنسى بها يا عين قرى سعادةإذا لمني أمر وفيها المنافع
ويا نفس إن غبت عني فوقتنانقد طاب قومي والعيون الهواجع
وقولي بك السؤل مولاي اننياليك بجاه المصطفى العمر ضارع
آلهي بجاه الأبضحي محمدوعترته فرج وعفوك واسع
نبي له الخلق العظيم سجيةوفي وجهه نور النبوة ساطع
تبارك من أبدى نبياً وآدمبطينته المجدول فيه الودائع
وأظهره منها نتيجة جدلهارسولاً لدعواه الأنام تسارع
أتيت رسول الله شمس هدايةلها في قلوب المؤمنين مطالع
وأعربت عن علم العيوب بأمرهفأنت خيار الخلق للسر جامع
جليل امام المرسلين وخاتموهل أنت الا في زها العز يانع
منها
فيا خير خلق لله أنت ملاذناإذا ضاق أمر أو رمتنا المواجع
فجاهك أضحى للعصاة وقايةلها في قبول المذنبين مواقع
إلى فضلك لنا نور سرنا ركائباًومن ضره الحوباء ثم لواقع
رعى الله ذاك الفضل إن عيونهبذيل الهدى للشاربين قنائع
أيا رب قبل الموت والعود أحمدبسرك في أهل السعادة ذائع
أنلنا آلهي بالنبي محمدنبيك من فينا بأمرك صادع
وصلى وسلم دائمين كلاهماوتب وأعف عني انني لك طائع
فبابك مقصود وعبدك واقفوفضلك موجود وعفوك رائع
وللمترجم أيضاً
من منة المولى على أصوغنظماً وفي خبر البرية يفرغ
هو السول والمأمول في نيل المنىوالي الجنان به نفوز ونبلغ
عذب المديح تناؤه يحيي الحشاكالغيث يحيي الأرض بل هو أسبغ
إن ضاق ذرعك فالوسيلة جاههوالخير من تلك السعادة يبزغ
كشف التيقظ عن قلوب أصبحتمن حبه بهنا النعيم تصيغ
هذا النبي الهاشمي محمديوم اللقا سبل البخاة يبلغ
بمقامه المحمود خص مشفعاًجمع الخلائق بالشفاعة يسبغ
قامت له الأملاك تحت لوائهوالرسل صفواً ليس عنه مروغ
كل يشير إليه ليس لغيرهفي فتح باب الفضل ما يتسوغ
ما نال هذا قبله أحد ولامن بعده أضحى لذاك مسوغ
فتباهت الأزمان والعليا بهوالعيش مذ جاء الكريم يرغرغ
كم جاء بشرى الأنبياء لقومهمبالحاتم المختار ان قد يبزغ
ومحا الظلام ظهوره وبفجرهيعلو الهدى فوق الضلال ويدمغ
يا ليلة غراء أسفر صبحهاوالضوء من شمس الهداية ينبغ
فيها ابتهاج والسرور مكرراًللدين حقا إذ أتاه مبلغ
يا سيد الرسل الكرام ومن بهغوث الورى أنت الكريم المسبغ
أنت الشفيع بباب جاهك صبحتمنا القلوب بثقلها تتمرغ
واستوثقت بالحب من زمن الصباوازداد ما عن بابه تتروغ
انتهى توفي بادرنة من بلاد الروم في صفر سنة أربع ومائة وألف ودفن على قارعة الطريق رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع