من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
محمد الحصري
ابن السيد عمر ابن السيد أبي بكر المعروف بالحصري الدمشقي سبط البكري الحسيني كان من خلاصة الأدباء النبهاء فاضلاً لوذعياً ماهراً ترجمه الأمين المحبي في نفحته وقال في وصفه نسيب تناسب فيه المدح والنسيب وحسيب ما مثله في كرم الطباع حسيب له همة سابغة المطارف وسيادة موصولة التالد بالطارف مروق الأخلاق صافيها مشمول الشمائل ضافيها تكاد ترى وجهك في خصاله ولا تغبن إذ أشريت بنوم العيون يوم وصاله وله أدب يطر اطراد الغدير حفت به خضر الوشائع وحديث كأنه
جني النحل ممزوج بماء الوقائع وبيني وبينه ود صميم طيب العرف والشميم استدعى الأمل الأيام للقياه ولو في الأحلام وقد وقفت له على شعر قليل فأثبت منه ما هو لرأس المجد اكليل انتهى مقاله وقد اطلعت أنا على ديوانه ومتعت طرفي في عقود منظومه التي نظمها صائغ يراعه وبنانه فمن ذلك قوله من قصيدة مطلعها
أتى وظلام الليل ولي مبددافراح ولم يشف الغليل من الصدى
وولي وما حققته دهشة بهفمن لي بذاك الطيف لو عاد أحمدا
أعيد ارقادي يا خليليّ كي أرىخيال حبيب بالجمال تفردا
بهيّ جمال بالمحاسن فاتنإذا ما بدا كالظبي أحور أغيدا
يفوق ضياء الصبح واضح فرقهوكالليل إن أرخى من الشعر أجعدا
هو الشمس لكن إن رأت نور وجههبدور السما خرّت على الأرض سجدا
من الترك مياد القوام مهفهفيفوق غصون البان ليناً إذا بدا
يهز عليّ الرمح وهو أخو الرشاويبرز من لحظيه سيفاً مجرّدا
غزال غزا قلبي بماضي لحاظهفصرت باشراك الجفون مقيدا
جفاني بلا ذنب ملحاً بهجرهفأضحى اصطباري في هواه مشردا
وأصبح قلبي بالصبابة هائماوأمسى بفيض الدمع جفني مسهدا
فهل باخل بالوصل يسمح باللقالصب بسكر الشوق ضل عن الهدى
لعمري إذا رمت الهدى بعد حيرةفمدحك مولى في البرية أوحدا
هو المنهل العذب الذي فاض فيضهوقد ملأ الآفاق مجداً وسؤددا
عليّ المفدى كامل الفضل والحجاوحيد العلا بالمكرمات تعوّدا
وله أيضاً
حاز الجمال بطلعة وسناءوسبى الأنام بمقلة وسناء
قمر يميس من الدلال تصلفاكتمايل النشوان بالصهباء
إن لاح قلنا يا شموس تبرقعيخجلاً كما بدر السما بحياء
وإذا تبسم ضاء نور ثاقبلمن اهتدى كالبرق في الظلماء
جمع المحاسن خدّه وبثغرهكنز يضئ بجوهر لألاء
زاهي الجمال مفتر الأجفان فيسحر بدا أمر على الأمراء
نطقت حروف الشكل أن لحاظهاتركت ببابل أعظم الأهواء
في وجهه نور وداخل مهجتينار يؤججها الهوى بحشائي
فكأنما عيني التي قد أوجبتتأثيرها في الوجنة الحمراء
وجنت على قلبي بلمحة ناظرفقصاصها ترعى نجوم سماء
أكرم بجيد حشوه جود يرىوالصدر بيت العلم والانشاء
حاوي المكارم والمفاخر والعلابحر طمى قدوة الفضلاء
المورد العذب الذي من فيضهبحران بحر ندى وبحر سخاء
قاض يعمّ بعدله كل الورىوبحكمه ترك العدا بشقاء
عمر المنازل عدله وكمالهعمر المفدّى أفصح الفصحاء
نتج الزمان به وفاق بفضلهوبجوده أربى على الأنواء
هو مرجع يزجي إليه وحقههو مقصد الفضلاء والكرماء
وله أيضاً
قلبي لصدّك صابر وحمولهيهات أني عن هواك أحول
يا من شغفت به فعذب مهجتيرفقاً فجفني بالسهاد كحيل
مالي سوى روحي وإن ترضى بهايا حبذاك وإن ذا لقليل
عيناك قد رمتا بقلبي أسهماًفلذا جفوني بالدماء تسيل
يا قاتلي ظلماً بلين قوامهعوفيت إن يك عن دمي مسؤل
أنت الطبيب لمن به حل الشقاوشفاء قلبي ريقك المعسول
قد كنت تأتي كل يوم زائراًواليوم حتى بالسلام بخيل
قل لي فما ذنبي وما ذاك الذيقد كان مني فالمحب حمول
أو أن أكن أخطأت جهلاً إننيأنا تائب والعفو منك جميل
بالله يا ريح الصبا فاحمل لهمني الرسالة والحديث طويل
وأخبره أن الروح من هجرانهذابت عليه ووصله المأمول
سقياً لأيام الوصال فإنهارقت كما رقت صبا وقبول
قد كان لي فيها رقيبي شافعاًوكذا العذول إلى الحبيب رسول
طابت كما قد طاب مدح الماجد المولى الممجد من نداه سجيل
وقال
أدر المدامة يا مليك الأنفسممزوجة في ثغرك المتلعس
صهباء بحلي في الكؤس كأنهاخود بدت في أحمر من أطلس
راح حكت في اللون خدّ مديرهابصفائها وشعاعها في الأكؤس
بكر إذا باكرتها لك أولدتسر السرور مع النديم الأكيس
في روضة تزهو بحسن أزاهرمن سوسن وقرنفل مع نرجس
والورد باد في الغصون كأنهسلطان حسن جالس في مغرس
والطير والشادي على صوتيهماقم يا نديم أدر كؤس المجلس
ساق كأن الله أودع حسنهوجماله سرّ الجمال الأقدس
يسبي الغزالة في السماء وفي الفلابجماله وبطرفه المتنعس
وإذا مشى يختال من صلف بهأزري ببانات الغصون الميس
وإذا رنا تيهاً بطرف فاترقالت أسود الغيل هذا مقوسي
رشقت لواحظه بقلبي أسهماأبدينها بحواجب هي كالقسي
بدر إذا ما ماس في داج تخلشمس الظهيرة أشرقت في الحندس
يفترّ عن درّ فتحسب في الحمىبرقاً تألق في نهار مشمس
رشأ حوى رتب الجمال كما حوىرتب الكمال وكل فضل أقعس
بحر الندى نجم الهدى من قد سماعمر المفدّى بالدنا والأنفس
مولى كساه الله ﷻثوب المهابة وهي أشرف ملبس
وقال أيضاً
قلب إلى لقيا الأحبة شيقومدامع طول المدى تترقرق
ونواظر ترعى النجوم فليتهاتغفو عسى منهم خيال يطرق
وإذا سمعت بذكرهم بين الورىفيصير قلبي من جواه يخفق
فأموت من وجدي وأذكر ما مضىوأذوب من حرقي ونفسي تزهق
ولقد بكيت على التلاقي ساعةحتى لكدت بماء جفني أشرق
وبمهجتي رشا يميس رشاقةكل الغصون إذا تبدّى تطرق
جدلان ساجي الطرف مهضوم الحشاحلو الشمائل طرفه متملق
فالبدر من لآلاء طلعته بداوجبينه منه الغزالة تشرق
إن لاح طرفي شاخص لجمالهأوصال قلبي من سطاه ممزق
ما ضرّ لو منع التجافي والقلىوبوصله قد جاد وهو الأليق
وعلام يمطل بالوصال أما يرىقلبي له متشوّف متشوّق
فإليك عني يا عذول فإننيمن جور أحكام الهوى لا أفرق
أو ما ترى الروض البهيّ كأنهنشر على وجه الرياض ورونق
والشهب تزهو بالضياء لأنهقد لاح نجم محمد يتألق
الفاضل الحبر الهمام ومن لهفضل على أهل الفضائل يفرق
وله من قصيدة
خيال أتى والليل راع ظلامهفشرّد عن جفن المعني منامه
وراح وألقى في الحشا لاعج الهوىمقيم بقلبي حره وضرامه
وما حققته العين من فرط دهشتيبذاك المحيا وهو راخ لثامه
وقد قرحت بالسهد أجفان ناظريودمعي على الخدّين طال انسجامه
فأصبح عما أشتكي لوعة الجفاوأمسى سروراً عل نحوي لمامه
إذا لاح برق في دجى الليل ساطعوتوهم طرفي أن ذاك ابتسامه
غزال رخيم الدل رخص بنانهله في الحشا مرعى وقلبي مقامه
يعير شموس الأفق من نوره كمايعير غصون البان ليناً قوامه
ويخجل بدر التمّ حسناً وطلعةوما البدر إلا عبده وغلامه
إذا ما نضا عنه القناع مخاطباًتقشع عن بدر الدياجي غمامه
يجرّد من سود اللواحظ أبيضاليجرح قلبي لحظه وحسامه
له طرّة تبدي الدجى وجبينهيزيح عن الليل البهيم قتامه
وقامته كالرمح والسيف ناظروحاجبه قوس رماني سهامه
بدير علينا راح ثغر قد انجلتبكأس عقيق قد حلا لي مدامه
وقد لامني الواشي على فرط حبهوأصعب شيء كان عندي ملامه
يروم سلوّي عن هواه وكيف ليوبين ضلوعي وجده وغرامه
لئن عز صبري عن لقاه فمخلصيبمدح الذي عم البرايا اهتمامه
وله من أخرى
قسماً بأني عهده لا أفسخولو أنه بالهجر وصلى ينسخ
بأبي وبي أفديه ظبي أغيدفي حسنه بدر السماء له أخ
ريان من ماء الشباب وخدّهمن مسك عارضه الأريج مضمخ
إن ماس أزرى بالعوالي قدّهوعلى غصون البان منها يجفخ
فكأن طرّته ونور جبينهليل دجوجي منه صبح يسلخ
يرنو بألحاظ نوافث سحرهاشهرت مواضي للعزائم تنسخ
علقت به روحي فعذب مهجتيبصدوده وعن التواصل يزمخ
ولقد كتمت هواه بين جوانحيإذ لم أجد لي للتلاقي مصرخ
يا للأخلا قد تزايد بعدهعني وفي هجري تراه يرضخ
وأحل قتلة عاشقيه أما ترىخدّاله بدم القلوب يضمخ
كيف التخلص من هواه وقد غداللحب في جنب المتيم مرسخ
إن لامني في حبه الواشي فليسمع عن التعنيف فيه أصلخ
لم يدر أني في هواه مخلصبمديح من في مجده يستبذخ
الماجد الشهم الذي بفضائلأضحت له الأعداء دوماً تدنخ
هو نجل إسمعيل من فاق الأولىبمكارم مثل السحائب تنضخ
وله من قصيدة
صبّ بالهجر تهدّدهقد ذاب جوى من يسعده
والسقم براه وأنحلهفلذا ملته عوّده
سهران الطرف له رقتفي الليل نجوم تشهده
وغدا يشدو من فرط جوىيا ليل الصب متى غده
يهواه الصب فيشغلهأسف للبين يردّده
قمر في القلب منازلهفعجيب عنه تباعده
ريحان العارض فيه حوىخطا ياقوت مجوّده
في الحسن فريد بل ملكفتعالى الخالق موجده
طفل لحديث السحر روىعن بابل طرف يسنده
رشأ ألليث بمقلتهيسطو للغاب يقيده
يرنو باللحظ فيسحبهللقتل دعاه مهنده
بالله أعيذك يا أمليمن قتل شج تتعمده
وأرفق بالقلب فإن بهجمراً قد زاد توقده
واسمح بالغمض لعل بانفي النوم خيالك يسعده
في قيدك قد أمسى دنفاًوأنا في ذاك مخلده
لم ألق خلاصاً منه سوىمن سام ذراه ومحتده
وله كذلك
أذى لآل أم عقود الجمانأم أنجم الجوزاء أم بهرمان
أم ذا هلال الأفق بادي السنىأم بدر تمّ قد تراءى عيان
أم بابل أهدت لنا سحرهافالعقل مني حائر والجنان
أم روض نوّار بدا نشرهفعطر الأكوان أم عرف بان
عاينت فيه الورد مع نرجسفقلت ما أحسن هذا القرآن
من حسنه قد حار عقلي ومننظم أتاني من بديع الزمان
نجل المفدّى والامام الذيكالشمس معروف لقاص ودان
بالعلم والأفضال عمّ الورىنفعاً وإحساناً كريم البنان
سقياً لقبر حل فيه وقدأسكنه الله فسيح الجنان
وأنت يا مولاي من بعدهعلامة العصر فريد الأوان
لقد أتاني منك لغز غداسناؤه يسمو على النيران
ثملت من معناه لما أتىفمنه سكري لا ببنت الدنان
يسال عن ورد زكا نشرهبه تذكرت خدود الحسان
وليث غاب إن سطا في الوغىسلاحه ماض كحدّ السنان
تحريفه يروى وإن درتهمساكن الأفراح في العنفوان
وثلثه أذكرني الشاعر الوأواء من للشعر حلي وزان
وما بقي فالدرّ إن درتهوإن تحرفه فدرّ اللبان
والأصل منه صدق ودّأتيما زال مأموناً إذا القلب بان
فما اسم شيء رق طبعاً بدافي الفضل مشهوراً به يستعان
يروق إشراقاً ولكنهيروع غرباً والمراع الجبان
له لسان أخرس كم بهكلم إنساناً بذاك اللسان
كم شق من نهر على سابحوهام في واد وخلى مكان
عذب حيناً في لهيب اللظىوكم رأى من طارق في الزمان
وصبره صيره راقياًوماضي الأحكام في كل آن
طوراً تراه راكعاً ساجداًمع المصلين اماماً عيان
فياله من عالم إن رأىمتنا فيشرحه بحسن البيان
مدبج اللون يرى أخضراًوأبيضاً في حمرة الارجوان
تصحيفه وصف لأنعامكموذا حنين أم حياء وصان
ضم حواشياً غدت سورةوقلب باقيه طبيب يدان
لم يخش من شيء ولكنهإن طاح منه الرأس فالموت حان
وهو رباعيّ ولكن إذاللربع تحسبه تجده ثمان
وربعه الثاني فصحف ترىنبتاً بدا تلقاه قبل الأوان
وما بقي منه بمقلوبهوهو الذي معناه في الصدر بان
بينه واكشف سرّ ما قد خفيمنه وحليه بعقد جمان
لا زلت تسمو للعلا راقياًإلى مقام دونه الفرقدان
ما حل لغزاً فاضل ذو ذكابدرّ ألفاظ وسحر البيان
وله مشجراً
عهدي على أني المقيم بعهدهولو أنه قدّ الفؤاد بقدّه
بأبي وبي أفديه بدراً مشرقاًبدر السما أضحى لديه كعبده
درى الثنايا تحت شفته بداخال توارى من تلهب خدّه
أصلى الفؤاد بنار وجد أضرمتلا تنطفي إلا بمرشف برده
لي في هواه شواهد دلت علىتلفى برقة خصره وببنده
لا أنتهي عن حبه لو قطعتأحشاي من جور الغرام وصدّه
هو بغيتي بل منيتي ومنيتيوضلال قلبي فيه غاية رشده
وله مضمناً
وتكللت وجنات من أحببتهعرقاً ففاح المسك من نفحاتها
وأتت عوارض حسنة تبدي لناقسماً بروضة خدّه ونباتها
وله من الدو بيت قوله
من سيج ورد خده بالآسحتى مرضي أعياه طب الآسى
أقسمت عليك بالهوى يا أمليدارك رمقي ولا تكن لي آسى
ومن معمياته قوله في حسن
يا أخا الوجد لو تعاين ما بيكنت ترثى لحالتي وشجوني
وجه حبى مع الظعائن سارافاتنالي وحاجب مقرون
وقوله في يونس
رب بدر سبي الأنام بحسنوبقد كغصن بان تثنى
قالت الشمس منذ لاح مضيئاًهو أرقى من نور وجهي وأسنى
وقوله في صالح
بالروح أفديه حبيباً غداناء عن المضنى بلا ذنب
من لحظه والقدّ لا تسألواما منهما قد حل بالقلب
وله غير ذلك ولم أدر وفاته في أي سنة كانت غير أنه في سنة احدى عشرة ومائة وألف كان موجوداً رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع