من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
عبد الله بن محمد أبو العباس المعروف بابن شرشير الناشى الكبير
الشاعر النحوى العروضى المتكلم. أصله من الأنبار، وأقام ببغداذ مدّة طويلة، ثم خرج إلى مصر فنزلها إلى آخر عمره. كان يعلّم العلوم ويتبحّر فيها، علم النحو وأحكمه، ونظر فى علله وهو متكلّم، فتبين له بقوّة الكلام نقض أصوله، فنقضها وصنّف فيها. وكذلك العروض أدخل على قواعده شبها ناقضة لها، ومثّله بأمثلة غير أمثلة الخليل، وأحسن والله فى كل ذلك، وأظهر قوّة. وكذلك فعل بالكتب المنطقية. وإذا وقف الواقف على تصانيفه وأنصف ظهر له أثر الاجتهاد والإمتاع، حتى إن الغير منصف ينسبه إلى التّهوّس. وليس الأمر كذلك، وإنما هى قوّة وفطنة.
وله شعر كثير يتضمن فوائد، وله قصيدة مطوّلة فى فنون من العلم على روىّ واحد وقافية واحدة، تبلغ أربعة آلاف بيت. وله مصنّفات جميلة.
فمن شعره ما أنشده له محمد بن خلف بن المرزبان، وقد أحضرت له مغنيّة حسناء:
فديتك لو أنّهم أنصفوكلردّوا النواظر عن ناظريك
تردّين أعيننا عن سواكوهل تنظر العين إلّا إليك
وهم جعلوك رقيبا علينافمن ذا يكون رقيبا عليك
ألم يقرءوا- ويحهم- ما يرون من وحى حسنك فى وجنتيك!
قال ابن المرزبان: فشغفت بالأبيات. فقال ابن أبى طاهر: أحسنت والله وأجملت! قد والله حسدتك على هذه الأبيات.
قال سليمان بن أحمد الطّبرانىّ: أنشدنا الناشى لنفسه بمصر سنة ثمانين- يعنى ومائتين:
ليس شىء أحرّ فى مهجة العاشق من هذه العيون المراض
والخدود المضرّجات اللّواتىشيب جريالها بحسن البياض
ورنوّ الجفون والغمز بالحاجب عند الصّدود والإعراض
وطروق الحبيب واللّيل داجحين همّ السّمّار بالإغماض
مات أبو العباس الناشى بمصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع