تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

على بن الحسن بن عنتر بن ثابت أبو الحسن الحلى الأديب

يلقب شميما. قدم بغداذ، وأقام مدّة يقرأ النحو على أبى محمد بن الخشاب وغيره من الأدباء؛ حتى حصل طرفا من النحو واللغة والعربية، وحفظ جملا من أشعار العرب، وقال شعرا جيدا.

سافر إلى الشام ومدح أمراءها، وديار بكر ومدح أكابرها، وجمع من شعره كتابا سماه الحماسة، وكان مهوّسا، ناقص الحركات، سيّئ العقيدة، يتحرّك فى مجلسه بحركات يضحك منها وهو لا يضحك، فلا يغضب من ضحك الجماعة، ويصرف ضحكهم إلى أنه يعجب منه ومن جودة ما يأتى به، إلى أمثال ذلك من السّخف فى الفعل والقول.

أخبرنى أبو البركات سعيد بن أبى جعفر الهاشمىّ الحلبىّ قال: جاءنا الشّميم إلى حلب، فدخلنا عليه مستفيدين، قال: فرأيته يوما وقد أنشد لنفسه شعرا كثّرنا الاستحسان له، فقام إلى أحد أركان المنزل، ونام على ظهره، ورفع رجليه إلى الحائط، ولم يزل يرتفع حتى صار واقفا على رأسه، ثم جاءنا وقال: هكذا يشكر الله على النعمة، وهو أن يقف الإنسان على رأسه لا على رجليه.

وقال لى ابن الحيرانىّ النحوىّ الحلبىّ: اختبرت الشّميم الحلىّ عند وروده علينا فى النحو فلم أجده قيّما به. قال: ورأيته يكتب فى خطه «الحلوىّ»، فسألته عن ذلك، فقال: أليس تقول فى تصريفها: «حلّ حلولا»؟ قال: فلم أردّ عليه لحمقه وخرقه، أو قال كلاما هذا معناه؛ فإننى كتبته من حفظى.

وكان قد اكتسب مالا من عطاء المرفدين له، وكان لا ينفق منه ولا يفارقه، [يضعه] فى جمدان كبير له لا يزاوله.

وحكى لى ياقوت الحموىّ عتيق عسكر التاجر؛ قال لى الشّميم الحلىّ يوما- وقد خلوت به: قد أنست بفضلك وعقلك، ومعى فى هذا الجمدان بين ثيابى ستة آلاف دينار مصرية- أو قال ثلاثة آلاف دينار مصرية (الشك منى) - وقد عزمت على أنى أعطيك منها جزءا متوفرا تتجّر فيه لتجد به مرفقا، ومتى غنيت أعد إلىّ رأس المال. قال: فامتنعت من ذلك.

وذكر لى أبو البركات سعيد الهاشمىّ قال: رأيته يوما ونحن عنده وقد جرى ذكر نصيبين ووخمها، فقال: حضرتها فى بعض أسفارى سنة، وقد وخمت واشتد وخمها، ومات أهلها، فكنت كثيرا ما أرى الجنائز وخلفها النساء ينحن؛ فأصغيت إليهن، فلم يعجبنى قولهن، فصنّفت لهن نواحا ينحن به. ثم قام على قدميه وأمرنا بالقيام، ووقف على صفّة ونحن فى وسط القاعة وقال: قولوا كما أقول، والطموا على خدودكم كما ألطم، فأجبناه إلى ذلك، فقال:

بسّى نقوعك وبسّى حبّ رمّانككم تحملين الدوا قد كلّت اقدامك
بسّى نقوعك وبسّى تمر هنديككم تعملين الدوا قد كلّت ايديك

قال: وأخذ يلطم على خدّيه، ونحن نشير إلى خدودنا بمثل ذلك.

وأخبرنى العماد بن السابق الكتبىّ بحلب قال: أخبرنى أبو الخطاب بن دحية المغربىّ قال: ما رأيت أكفر من شميم؛ فإننى اجتمعت به وذاكرته، فقال: قد قيل فى «الدهده» كذا، وتلا آية من القرآن؛ فقلت: ما معنى قولك الدهده؟

فقال: الدهده فى كلام العرب: الهذيان (تعالى الله عما يقول علوا كبيرا) ومن شعره:

لا تسرحنّ الطرف فى بقر المهافمصارع الآجال فى الآجال
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
كم نظرة أردت وما أخذت يد المصمى لمن قتلت أداة قتال
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
سنحت وما سمحت بتسليم، وإقلال التحية فعلة المغتال
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
أضللت قلبى عندهنّ ورحت أنشده بذات الضّال ضلّ ضلالى
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
ألوى بألوية العقيق على الطّلول مسائلا من لا يجيب سؤالى
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
تربت يدى فى مقصدى من لا يدىقودى وأولى لى بها أولى لى
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة

يا قاتل الله الدّمى»

كم من دمأجرين حلّا كان غير حلال
أثّلن ذلّ اليتم فى الأشبالوفتكن بالآساد فى الأغيال
ونفرن حين ذكرت إقبالى ولوأنى نفرت لكان من إقبالى
لكن أبى رعيى ذمام الحبّ أنأولى الوفاء قطيعة من قال
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة

وكان إذا حصل له من يقوم به أقام عنده، وسكن إلى ذلك، حافظا لما معه من المال، غير منفق منه بخلا به.

واتفق أنه دخل الموصل، وعلم به رجل ورّاق يعرف بابن الحدوس البقال، وتحقق ما معه من المال، وأنزله فى مسجد له، وقام به إلى أن توفى وفاز بموجوده، وغفلت عنه الظلمة فى المطالبة به. وقيل: إنه ظهر ذلك فى ثروته.

وكانت وفاته بالموصل فى العشر الأخير من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.