تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

محمد بن جعفر أبو عبد الله التميمى النحوى القيروانى المعروف بالقزاز

كان الغالب عليه علم النحو واللغة والافتنان فى التأليف الذى فضح المتقدّمين، وقطع ألسنة المتأخّرين. وكان مهيبا عند الملوك والعلماء وخاصة الناس، محبوبا عند العامة، قليل الخوض إلا فى علم دين أو دنيا، يملك لسانه ملكا شديدا، وكان له شعر جيد مطبوع مصنوع ربما جاء به مفاكهة وممالحة من غير تحفّز له ولا تحفّل، يبلغ بالرفق والدعة، على الرّحب والسعة أقصى ما يحاوله أهل القدرة على الشعر من توليد المعانى، وتوكيد المبانى، بمفاصل الكلام، وفواصل النظام؛ من ذلك قوله يتغزّل:

أما ومحلّ حبّك من فؤادىوقدر مكانه فيه المكين
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة
لو انبسطت لى الآمال حتىتصيّر من عنانك فى يمينى
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة
لصنتك فى محلّ سواد عينىوخطت عليك من حذر جفونى
فأبلغ منك غايات الأمانىوآمن فيك آفات الظنون
على نفس تجرّع كلّ حينعليك بهن كاسات المنون
إذا أمنت قلوب الناس خافتعليك خفىّ ألحاظ العيون
وكيف وأنت دنيائى ولولاعقاب الله فيك لقلت دينى

وله، وهو لطيف فى نوعه:

أضمروا لى ودّا ولا تظهروهيهده منكم إلىّ الضمير
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة
ما أبالى إذا بلغت رضاكمفى هواكم لأىّ حال أصير
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة

وختن عبد الوهاب بن حسين بن الحاجب ولده وعبد الله ولد حسن أخيه، فاستدعى الناس وأغفل أبا عبد الله؛ إمّا سهوا وإما حملا عليه. واجتاز به بعض أصحابه مضمّخا طيبا، فعرّفه القصّة، فصنع من وقته:

واحسرتا! مات أترابى وأقرانىوشتّت الدهر أصحابى وأخدانى
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة
وغيّرت غير الأيام خالصتىوالمنتضى الحرّ من أهلى وإخوانى
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة
وصار من كنت فى السرّاء أذكرهبل لست أنساه فى الضّراء ينسانى
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة
هذا أخى وشقيقى المرتضى ويدى اليمنى وموضع إسرارى وإعلانى
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة
دعاهم للورى طرّا وأسقطنىإسقاطك النونّ فى ترخيم عثمان
وكنت فى النّقرى أدعى فصرت لقىلا أوّل الجفلى أدعى ولا الثانى
للشاعر القزاز القيرواني، اقرأ القصيدة

وركب إلى عبد الوهاب، فلما رآه عبد الوهاب تلقّاه ورفع مجلسه، ودهش منه، فهنأه أبو عبد الله القزّاز، ثم أنشده الأبيات، وأقسم بأيمان مؤكّدة أنه لا يحضر

وليمته أبدا. فشقّ ذلك على عبد الوهاب مشقة كبيرة. توفّى بالقيروان سنة اثنتى عشرة وأربعمائة.

وله من التصانيف: كتاب الجامع فى اللغة، وهو أكبر كتاب صنّف فى هذا النوع، ومنه نسخة فى وقف الفاضل عبد الرحيم بن على بالقاهرة المعزّية.

كتاب شرح المقصورة.

وفى سنة إحدى وستّين وثلاثمائة أمر معدّ أبو تميم المدعو بالمعزّ المتولّى على إفريقية عسلوج بن الحسن الدنهاجى العامل أن يأمر القزّاز النحوىّ هذا بأن يؤلّف كتابا يجمع فيه سائر الحروف التى ذكر النحويون أن الكلام كلّه اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، وأن يقصد فى تأليفه إلى شرح الحرف الذى جاء لمعنى، وأن يجرى ما ألفه من ذلك على حروف المعجم، فسارع لما أمر به، وجمع المفرّق فى الكتب النفيسة من هذا المعنى على أقصد سبيله، وأقرب مأخذه، وأوضح طريقه، فبلغ جملة الكتاب ألف ورقة، ورفع صورا منه إلى معدّ، فأعجبه ورضيه وقال له: اذكر ما يجىء من

الكلمات لمشاكلة الصّور فى الأمر والنهى والصفة والجحد والاستفهام التى يدلّ على المراد بها إعرابها على ما تقدّمها وتلاها من القول.

فقال محمد بن جعفر القزاز: ما علمت أن أحدا سبق إلى تأليف مثل هذا الكتاب، ولا اهتدى أحد من أهل هذه الصنعة إلى تقريب البعيد، وتسهيل المأخذ، وجمع المفرّق على مثل هذا المنهاج. فلما كان يوم الثلاثاء لثمان عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان من السنة المقدّم ذكرها دخل محمد بن جعفر النحوىّ القزاز هذا بالكتاب الذى أمر بتأليفه على يد عسلوج؛ فوقف عليه المعزّ وأعجبه، وقال للمصنف: إنى أرى فى أوّله فألا حسنا؛ فلا أدرى أوقع أم اعتمدته، وهو أنّك لما ذكرت اسما جئت به مرفوعا، فكان أحسن من أن تأتى به مخفوضا بالإضافة، فقلت: الحمد لله الذى وفّق لما يرضى.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.