من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الوارث الفارسى النحوى أبو الحسين ابن اخت أبى على الفارسى النحوى
أحد أفراد الدهر وأعيان العلم وأعلام الفضل. وهو الإمام فى النحو بعد خاله أبى علىّ، ومنه أخذ، وعليه درس؛ حتى استغرق علمه واستحق مكانه.
وكان أبو علىّ أوفده على الصاحب القاسم بن عباد، فارتضاه وأكرم مثواه، وقرّب مجلسه.
وكتب إليه فى بعض أيامه هذه المعمّاة: «ما أسود غربيب، بعيد الدار قريب، يقدّم فحواه على نجواه، ويتأخّر لفظه عن معناه؛ له طرفان: أحدهما جناح نسر، والآخر خافية صقر؛ يلقاك من ميامنه بارح، ومن مياسره سانح، تجودك أنواؤه والسنون جماد، وتستقيك سماؤه والعيش جهاد؛ بينا تراه على كواهل الجبال؛ حتى يتهيّل تهيّل الرمال؛ قد تجافى قطراه عن واسطته، وانضمّ ساقاه على راحلته؛ يخونك
إن وفى لك الشباب، ويفى لك إن جهدك الخضاب؛ رفعته رفعة المنابر، ورفقته رفقة المحابر؛ يزوى عن الأحمر، وإن شئت عن يحيى بن يعمر؛ أفضى بك إلى روضة غناء ينعم رائدها، وشريعة زرقاء يكرع واردها، أخرجه أبو الحسين، أسرع من خطفة عين».
ولما استأذن الصاحب فى الصدر وقّع فى رقعته: «استبقاؤك يا أخى على الملال، أقوى من سرعة الارتحال، لكنّا نقبل العذر وإن كان مرفوضا، ونبسطه وإن كان مقبوضا، ولا أمنعك عن مرادك ووفاقك، وإن منعت نفسى عن مرادها بفراقك؛ فاعزم على ذلك وفّقك الله فى اختيارك، ووصل النجح بإيثارك».
وأصحبه كتابا إلى خاله أبى على هذه نسخته: «كتابى- أطال الله بقاء الشيخ وأدام جمال العلم والأدب بحراسة مهجته، وتنفيس مهلته- وأنا سالم، ولله حامد، وإليه فى الصلاة على النبى وآله راغب، وللشيخ أيده الله بكتابه الوارد شاكر، وأما أخونا أبو الحسين- فديته- فقد ألزمنى بإخراجه إلىّ أعظم منّة، وأتحفنى قربه بعلق مضنّة؛ لولا أنه قلّل المقام، واختصر الأيام. ومن هذا الذى لا يشتاق ذلك المجلس وأنا أحوج من كافّة حاضريه إليه، وأحقّ منهم بالمثابرة عليه! ولكن الأمور مقدّرة، وبحسب المصالح ميسّرة؛ غير أنا ننتسب إليه على البعد، ونقتبس فوائده عن قرب، وسيشرح هذا الأخ هذه الجملة حقّ الشّرح بإذن الله. والشيخ- أدام الله عزّه- يبرد غليل شوقى إلى مشاهدته بعمارة ما افتتح من البرّ بمكاتبته، ويقتصر على الخطاب الوسط، دون الخروج فى إعطاء الرتب إلى الشّطط؛ كما يخاطب الشيخ المستفاد منه التلميذ الآخذ عنه، ويبسط إليه فى حاجاته؛ فإنى أظنّنى أجدر إخوانه بقضاء مهمّاته.
إن شاء الله».
وتصرفت بأبى الحسين أحوال جميلة فى معاودة حضرة الصاحب وأخذه بالحظ الوافر من حسن آثارها. ثم ورد خراسان، ونزل نيسابور دفعات، وأملى بها فى الأدب والنحو ما سارت به الركبان. ثم قدم على الشابّ صاحب غوزستان، وحظى عنده ووزر له، ثم وزر للأمير إسماعيل بن سبكتكين، ثم أتى غزنة وعاد إلى نيسابور حاجّا، وجاور بمكة ثم رجع إلى غزنة، ثم جاء منها إلى نيسابور؛ وأقام بأسفرايين، ثم فارقها ونزل جرجان واستقربها، وأخذ عنه أهلها فضلا كثيرا.
ومن تلامذته عبد القاهر الجرجانىّ إمام وقته. وله شعر منه:
وما كتبت سطرا من الوجد أدمعىعلى الخدّ إلا وهو بالدم معجم
فمالى ألقى فى جنابك غلّةوحوضك للعافين غيرى مفعم
وقد يغتدى الروّاد يبغون نجعةفيرزق مرتاد وآخر يحرم
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع