تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

أبو عبد الله بن الجلاب الواسطى النحوى المقرئ الضرير

شيخ نحوىّ من أهل القرآن والسّتر والفضل، ذكره ابن التّنوخىّ، وقال بعد وصفه بالجميل: كان ابن محمان النّقيب قد عارض هذا الشيخ في عقار له، واحتجّ عليه بأنه لبعض أصحاب بختيار، وأنّه باعه منه حيلة على السلطان، وأدخل يده في العقار، وذلك في أيّام عضد الدّولة فنّاخسرو.

قال: فأتانى الرجل لأسأل ابن محمان في أمره، فركبت إلى ابن محمان، وسألته أن يقنع منه باليسير، فأجابنى وانصرفت، فقال له بعض الكتاب بعد انصرافى: هذه حيلة عليك، وأنت تعرف منزلة التّنوخىّ عند عضد الدولة، وإنّما بعثه إليك ليعلم فعلك في الأموال، والواجب أن تسبقه إلى الملك، وتعرّفه القصّة، فتركه ومضى إلى الملك، وتحدّث معه في ذلك وبالغ، فجاءنى رسول الملك يستدعينى، فلمّا دخلت إليه وجدت ابن محمان قائما، فقال لى الملك: خاطبت اليوم هذا في كذا وكدا؟ وذكر القصّة، فقلت: نعم، فقال: وما حملك

على هذا؟ فقلت: هذا رجل له صيت في البلد [فى] القرآن والنّحو والسّير، وهو ضرير وفقير، ولا ملك له ببغداد إلا هذا العقار، ولما سألنى ذلك أعلمت أبا علىّ بن محمان كيت وكيت، وهو يجيب العوّامّ إلى ترك أضعاف هذا.

فقلق ابن محمان من قولى، وقال: ما تركت لأحد شيئا قطّ، فقلت: هذا تسوّق ينكشف الساعة بأن تحضر أبا بكر بن حمدون التاجر الرازى، وفلانا، وفلانا، الّذين هم يتوسطوّن بأمور الصالحين، ويسألون عمّا ينظر بوسائطهم لنعلم ذلك، وأحسن حالتى معك أن تكون لى أسوة أمام هؤلاء في الوساطة، وإنما أنت تتسوّق بهذا، وتريد أن تعرّف الملك أنّك من الاجتراء على ما هذه صورته؛ فالتفت إليه الملك واستخفّ به بالفارسية، وكلّمنى بالعربية كلاما فيه إنكار لمعارضة الثواب في وجوه الانتفاع، فجمع بين المصلحتين فى إساءته، قال:

والواجب ألّا يسأل في مثل هذا غيرى، لأفعل أنا فيه ما أراه من المصلحة، فقلت:

السمع والطاعة، وانصرفت، وقد صارت بينى وبين ابن محمان وحشة، لم أزل أعرفها فيه إلى أن قتل في أيام بهاء الدولة بن عضد الدولة.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.