تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

ابن طاهر النحوى الأندلسى

المدعو بالخدبّ، قرأ النّحو ببلاده على مشايخ الأندلس، وأجاد فيه، ويقال، إنّ كتاب سيبويه كان على لسانه، وكان فيه كبر وشمم وجبه، وارتحل عن المغرب إلى المشرق لطلب الحجّ، ووصل إلى مصر وبها المجد الخنثىّ، مدرّس الحنفيّة بالقاهرة المعزيّة، فأكرمه وقدّمه، وأنزله بمدرسته بالسّيوفيّين المعروفة بدار المأمون بن البطامحى، واجتمع بالقاضي عبد الرحيم بن علىّ البيسانىّ، واستعمل معه الكبر الجارى به على عادته، فلم يؤاخذه القاضي بذلك، وصبر له إجلالا للعلم. وكان ابن طاهر هذا يقول له: قد اشتهرت قنيتك لأمهات الكتب، ورغبتك في تكرار النسخ، وهذا احتكار العلم، فقال له القاضي: يقف المجلس فيها على نوع متكرر، ومهما أشار بإخراجه أخرجته، وأمر بإحضار ما قرب منها، فأحضرت عدة نسخ من كتاب الفصيح لثعلب، وأخذ الشيخ في الوقوف عليها نسخة بعد أخرى، فلا يرى إلّا مالا يمكن إخراجه لجلالته، فأعادها جميعا إلى خزانتها، وقال: قد استكفيت منها، إلا بما ليس له فى استمساكه به حجة واضحة.

وجمع بينه وبين زيد بن الحسن بن زيد الكندى النحوىّ البغدادىّ مجلس، وكان في صحبة الأمير عز الدين فرّخشاه بالقاهرة المعزّية، وجرى بينهما كلام، حكى

الكندىّ قال: كنت إذا ذكرت مسألة سرد الكلام عليها من كتاب سيبويه، فتحقّقت أنه أحفظ النّاس للكتاب، قال: فحرجت معه إلى باب المغالطة لطلب المغالبة، فأدخلت عليه شكوكا وقعت لنحاة العراقيّين المتأخرين، فلمّا سمعها توقّف عن الإجابة، فحصل منه التقصير للحاضرين، وكان مقدورا، لأنه لا أنسة له بتلك الشكوك، ولا وردت على أهل المغرب في ذلك الحين.

وحجّ الخدبّ وعاد، وكان معه جارية له، فلمّا حصلت في المركب بالنّيل رأت فى المركب شابّا جنديا هويته، وسرقت من ابن طاهر مولاها جملة من دنانير، وسلّمتها إليه، فلما تحقق ذهاب المال زلّ عقله، وخلط في قوله، فتولّى معافاته المجد الخنثىّ ﵀ ولا طفه، وتوصّل إلى تقرير الجارية، وطولبت فأقرّت بالجندىّ، واستعيد منه المال المسروق، ولما أحضر إليه، ورآه رجع إليه عقله، وأخذ المجد في تجهيزه إلى بلد المغرب، فسار ووصل إلى بجاية، وأقام بها ليتجهّز منها إلى بلاده، فمات هناك فيما بلغنى في حدود سنة سبعين وخمسمائة.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.