تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)

موفق الدّين عبد السَّلَام

لقد جمع الصِّنَاعَة الطبية والعلوم الْحكمِيَّة والأخلاق الحميدة والآراء السديدة والفضائل التَّامَّة

والفواضل الْعَامَّة

أَصله من بَلْدَة حماة وَأقَام بِدِمَشْق واشتغل على شَيخنَا الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم ابْن عَليّ وعَلى غَيره

وتميز فِي صناعَة الطِّبّ

ثمَّ سَافر إِلَى حلب وتزيد فِي الْعلم وخدم الْملك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد بن غَازِي صَاحب حلب وَأقَام عِنْده وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن تملك الْملك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد دمشق فَأتى فِي صحبته وَكَانَ مُعْتَمدًا عَلَيْهِ كثير الْإِحْسَان إِلَيْهِ

وَقلت هَذِه القصيدة أتشوق فِيهَا إِلَى دمشق وأصفها وأمدحه بهَا

لَعَلَّ زَمَانا قد تقضى بجلقيعود وتدنو الدَّار بعد التَّفَرُّق
وَإِن تسمح الْأَيَّام من بعد جورهابِعدْل وأنى بالأحبة نَلْتَقِي
فكم لي إِلَى أطلالها من تشوفوَكم لي إِلَى سكانها من تشوق
ترنحني الذكرى إِلَيْهِ تشوقاكَمَا رنحت صرف المدام الْمُعْتق
وَمن عجب نَار اشتياق بأضعليلَهَا لَهب من دمعي المترقرق
لقد طَال عهدي بالديار وَأَهْلهَاوَكم من صروف الْبَين قلبِي قد لَقِي
وَلَو كَانَ للمرء اخْتِيَار وقدرةلقد كَانَ من كل الْحَوَادِث يَتَّقِي
وَلكنهَا الأقدار تحكم فِي الورىوتقضي بِأَمْر كنهه لم يُحَقّق
دمشق هِيَ القصوى لمن كَانَ قَصدهيرى كل حسن فِي الْبِلَاد وينتقي
فصفها إِذا مَا كنت بِالْعقلِ حَاكمافوصف سواهَا من قبيل التحمق
وَمَا مثلهَا فِي سَائِر الأَرْض جنَّةفدع شعب بوان وَذكر الخورنق
بهَا الْحور والولدان تبدو طوالعاشموسا وأقمارا بِأَحْسَن رونق
وأنهارها مَا بَين مَاء مسلسلمن الرّيح أَو مَاء من الدفق مُطلق
وأشجارها من كل جنس مقسموأثمارها من كل نوع منمق
وللطير من فَوق الغصون تجاوبفَمَا أسجع الورقاء من فَوق مُورق
وَلَو لم تغن الطير من فَوق عودهَالما كَانَ للأمواه وَقع مُصَفِّق
وَرَاح تريح النَّفس من ألم الجوىوتبعد هم المستهام المؤرق
إِذا مزجت فِي الكاس يَبْدُو شعاعهاكَمثل شُعَاع البارق المتألق
وَيَا حبذا بالواديين حدائقلَهَا رونق من مَائِهَا المتدفق
فكم من مياه حسنها عِنْد رَوْضَةوَكم من رياض حسنها عِنْد جوسق
وَبسط رياض نبتها من بنفسجونيلوفر فِي وسط مَاء مروق
يمر نسيم الرّيح فِي جنباتهالطيفا كجس النبض من مترفق
فَمن كَانَ يَرْجُو للسلامة ملْجأيجده لَدَى عبد السَّلَام الْمُوفق
حَكِيم عليم فَاضل متفضلإِلَى ذرْوَة العلياء وَالْمجد مرتقي
وَمَا أحد فِي كل مخطر عِلّةبأدرب مِنْهُ فِي العلاج وأحذق
فضائله فِي كل علم وَحِكْمَةوأفضاله فِي كل غرب ومشرق
يفرق جمع المَال فِي مُسْتَحقّهوَيجمع أشتات الْعلَا المتفرق
وَمَا زَالَ يهدي القاصدين لفضلهبِنور عُلُوم بالبلاغة مشرق
فَفِي حَبسه للخير أكْرم منعموَفِي لطفه بالخلق أفضل مُشفق
وللعشق فِي الدُّنْيَا دواع كَثِيرَةوَمن يقْصد العلياء بالغرم يعشق
لَهُ فِي قُلُوب الْعَالمين محبَّةحلت وجلت عَن رُتْبَة المتملق
وَمن شخصه للعين أحسن منظروَمن لَفظه للسمع أعذب منطق
وللجود يلفى بَاعه غير قَاصِروللحلم يلفى صَدره غير ضيق
كثير الحيا دلّت مخايل نَفسهعلى طيب أصل فِي المكارم معرق
فدام سعيد الْجد مَا هبت الصِّبَاوَمَا دَامَ تغريد الْحمام المطوق) الطَّوِيل

وَلما قصد التَّرَدُّد إِلَى دمشق وَسمع بذلك أَهلهَا توجه الْحَكِيم موفق الدّين إِلَى مصر وَأقَام بهَا مُدَّة

ثمَّ خدم بعد ذَلِك الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة وَأقَام عِنْده بحماة وَله مِنْهُ الْإِحْسَان الْكثير وَالْفضل الغزير والآلاء الجزيلة والمنزلة الجليلة

النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.