من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
فصل فيما اشتمل عليه خارج المدينة من القرى والجنّات والجهات
قال المؤلّف ﵀: ويحفّ بسور هذه المدينة المعصومة بدفاع الله تعالى، البساتين العريضة المستخلصة، والأدواح الملتفّة، فيصير سورها من خلف ذلك كأنّه من دون سياج كثيفة، تلوح نجوم الشّرفات أثناء خضرائه، ولذلك ما قلت فيه في بعض الأغراض:
بلد تحفّ به الرّياض كأنّهوجه جميل والرّياض عذاره
وكأنّما واديه معصم غادةومن الجسور المحكمات سواره
فليس تعرى عن جنباته من الكروم والجنّات جهة، إلّا ما لا عبرة به مقدار غلوة، أما ما حازه السّفل من جوفيه، فهي عظيمة الخطر، متناهية القيم، يضيق جدّه
من عدا أهل الملك، عن الوفاء بأثمانها، منها ما يغلّ في السنة الواحدة نحو الألف من الذّهب، قد غصّت الدكاكين بالخضر الناعمة، والفواكه الطيّبة، والثمر المدّخرة، يختصّ منها بمستخلص السلطان، المرور طوقا على ترائب بلده ما بينهن منية؛ منها الجنّة المعروفة بفدّان الميسة، والجنة المعروفة بفدّان عصام، والجنة المعروفة بالمعروي، والجنة إلى المنسوبة إلى قدّاح بن سحنون، والجنة المنسوبة لابن المؤذّن، والجنة المنسوبة لابن كامل، وجنة النّخلة العليا، وجنة النخلة السفلى، وجنة ابن عمران، والجنة التي إلى نافع، والجرف الذي ينسب إلى مقبل، وجنّة العرض، وجنة الحفرة، وجنة الجرف، ومدرج نجد، ومدرج السّبيكة، وجنّة العريف: كلها لا نظير لها في الحسن والدّمانة والربيع، وطيب التربة، وغرقد السّقيا، والتفاف الأشجار، واستجادة الأجناس، إلى ما يجاورها ويتخلّلها، ممّا يختصّ بالأحباس الموقفة، والجنّات المتملّكة، وما يتصل بها بوادي سنجيل ما يقيّد الطّرف، ويعجز الوصف، قد مثلث منها على الأنهار المتدافعة العباب، المنارة والقباب، واختصّت من أشجار العاريات ذات العصير الثاني بهذا الصّقع، ما قصرت عنه الأقطار. وهذا الوادي من محاسن هذه الحضرة، ماؤه رقراق من ذوب الثلج، ومجاجة الجليد، وممرّه على حصى جوهرية، بالنبات والظّلال محفوفة، يأتي من قبلة علام البلد إلى غربه، فيمرّ بين القصور النّجدية، ذوات المناصب الرفيعة، والأعلام الماثلة.
ولأهل الحضرة بهذه الجنّات كلف، ولذوي البطالة فوق نهره أريك من دمث الرمل، وحجال من ملتفّ الدّوح، وكان بها سطر من شجر الحور؛ تنسب إلى مامل، أحد خدّام الدولة الباديسية، أدركنا المكان، يعرف بها.
قال أبو الحجاج يوسف بن سعيد بن حسّان:
أحنّ إلى غرناطة كلما هفّتنسيم الصّبا تهدى الجوى وتشوق
سقى الله من غرناطة كل منهلبمنهل سحب ماؤهنّ هريق
ديار يدور الحسن بين خيامهاوأرض لها قلب الشّجيّ مشوق
أغرناطة العليا بالله خبّريأللهائم الباكي إليك طريق؟
وما شاقني إلا نضارة منظروبهجة واد للعيون تروق
تأمّل إذا أمّلت حوز مؤمّلومدّ من الحمرا عليك شقيق
وأعلام نجد والسّبيكة قد علتوللشّفق الأعلى تلوح بروق
وقد سلّ شنّيل فرندا مهنّدانضى فوق درّ ذرّ فيه عقيق
إذا نمّ منه طيب نشر أراكهأراك فتيت المسك وهو فتيق
ومهما بكى جفن الغمام تبسّمتثغور أقاح للرّياض أنيق
ولقد ولعت الشعراء بوصف هذا الوادي، وتغالت الغالات فيه، في تفضيله على النيل بزيادة الشّين، وهو ألف من العدد، فكأنه نيل بألف ضعف، على عادة متناهي الخيال الشعري؛ في مثل ذلك.
ولقد ألغزت فيه لشيخنا أبي الحسن بن الجيّاب، ﵀، وقد نظم في المعنى المذكور ما عظم له استطرابه وهو:
ما اسم إذا زدته ألفا من العددأفاد معناه لم ينقص ولم يزد
وإنما ائتلفا من بعد ما اختلفامعنى بشين ومن نزر ومن بلد
ثم يتصل بالحسن العادي البديع، وهو على قسمين، خمس من محكم الكدان في نهاية الإبداع والإحكام، يتّصل به بناء قديم محكم، ويستقبل الملعب، العيدي، ما بين ذنابي الجسر إلى جدار الرابطة، وملعب بديع الشكل، عن يمينه جناح بديع، عن ميدانه عدوات النهر، وعن يساره الجنّات، ويفضي بعد انتهائه إلى الرّابطة، إلى باب القصر المنسوب إلى السّيد، وسيأتي ذكره؛ ويرتفع من هذا النهر الزّلال جداول، تدور بها أعداد من الأرحيّ لا نظير لها استعدادا وإفادة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع