تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبيدس بن محمود النفزي

أبّذي الأصل، غرناطي الاستقرار، ويكنى أبا إسحاق.

حاله: خاتمة الرّحّال بالأندلس، وشيخ المجاهدات وأرباب المعاملات، صادق الأحوال، شريف المقامات، مأثور الإخلاص مشهور الكرامات، أصبر الناس على

مجاهداته، وأدومهم على عمل وذكر وصلاة وصوم، لا يفتر عن ذلك ولا ينام، آية الله في الإيثار، لا يدّخر شيئا لغد، ولا يتحرّف بشيء، وكان فقيها حافظا، ذاكرا للغة والأدب، نحويّا ماهرا، درس ذلك كلّه أول أمره، كريم الأخلاق، غلب عليه التصوّف فشهر به، وبمعرفة طريقه الذي ندّ فيها أهل زمانه، وصنّف فيها التصانيف المفيدة.

ترتيب زمانه: كان يجلس إثر صلاة الصبح لمن يقصده من الصالحين، فيتكلم لهم بما يجريه الله على لسانه، وييسّر من تفسير، وحديث وعظة، إلى طلوع الشمس؛ فيتنفّل صلاة الضّحى، وينفصل إلى منزله، ويأخذ في أوراده، من قراءة القرآن والذّكر والصلاة إلى صلاة الظهر، فيبكّر فى رواحه، ويوالي التنفّل إلى إقامة الصلاة، ثم كذلك في كل صلاة، ويصل ما بين العشاءين بالتنفّل، هذا دأبه أبدا.

وكان أمره في التوكّل عجبا، لا يلوي على سبب، وكانت تجبى إليه ثمرات كلّ شيء، فيدفع ذلك بجملته، وربما كان الطعام بين يديه، وهو محتاج، فيعرض من يسأله، فيدفعه جملة، ويبقى طاويا، فكان الضعفاء والمساكين له لياذا ينسلون من كل حدب، فلا يردّ أحدا منهم خائبا، ونفع الله بخدمته وصحبته، واستخرج بين يديه عالما كثيرا.

مشيخته: أخذ القراءة عن أبي عبد الله الحضرمي، وأبي الكوم جودي بن عبد الرحمن، والحديث عن أبي الحسن بن عمر الوادي آشي، وأبي محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله، والنحو واللغة عن ابن يربوع وغيره. ورحل وحجّ، وجاور وتكرّر. ولقي هناك غير واحد، من صدور العلماء وأكابر الصوفية، فأخذ صحيح البخاري سماعا منه سنة خمس وستمائة عن الشّريف أبي محمد بن يونس، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن المغرباني، ونصر بن أبي الفرج الحضرمي، وسنن أبي داود وجامع التّرمذي على أبي الحسن بن أبي المكارم نصر بن أبي المكارم البغدادي، أحد السامعين على أبي الفتح الكروخي، وأبي عبد الله محمد بن مستري الحمة، وأبي المعالي بن وهب بن البنا، وببجاية عن أبي الحسن علي بن عمر بن عطيّة.

من روى عنه: روى عنه خلق لا يحصون كثرة؛ منهم أحمد بن عبد المجيد بن هذيل الغسّاني، وأبو جعفر بن الزبير، وغيره.

تواليفه: صنّف في طريقة التصوّف وغيرها تصانيف مفيدة؛ منها «مواهب العقول وحقائق المعقول»، و «الغيرة المذهلة، عن الحيرة والتّفرقة والجمع»، و «الرحلة العنوية»، ومنها «الرسائل في الفقه والمسائل»، وغير ذلك.

شعره: له أشعار في التصوّف بارعة، فمن ذلك ما نقلته من خط الكاتب أبي إسحاق بن زكريا في مجموع جمع فيه الكثير من القول:

يضيق عليّ من وجدي الفضاءويقلقني من الناس العناء
وأرض الله واسعة ولكنأبت نفسي تحيط بها السماء
رأينا العرش والكرسيّ أعلىفواليناهما حرم الولاء
فأين الأين منّا أو زمانبحيث لنا على الكلّ استواء
شهدنا للإله بكلّ حكمفغاب القلب وانكشف الغطاء
ويدعوني الإله إليه حقّافيؤنسني من الخوف الرّجاء
ويقبضني ويبسطني ويقضيبتفريقي وجمعي ما يشاء
ويعي في وجود الخلق نحواينعت من تولّاه الفناء
فكم أخفي وجودي وقت فقديكأن الفقد والإحيا سواء
فسكر ثم صحو ثم سكركذاك الدهر ليس له انقضاء
فوصفي حال من وصفي ولكنظهور الحقّ ليس له خفاء
إذا شمس النهار بدت تولّتنجوم الليل ليس لها انجلاء

ومن شعره:

كم عارف سرحت في العلم همّتهفعقله لحجاب العقل هتّاك
كساه نور الهدى بردا وقلّدهدرّا ففي قلبه للعلم أسلاك
كسب ابن آدم في التحقيق كسوتهإنّ القلوب لأنوار وأحلاك
كلّف فؤادك ما يبدي عجائبهإنّ ابن آدم للأسرار درّاك
كيف وكم ومتى والأين منسلبعن وصف باريها والجهل تبّاك
كبّر وقدّس ونزّه ما أطقت فلميصل إلى ملك الأملاك أملاك
كرسيه ذلّ والعرش استكان لهونزه الله أملاك وأفلاك
كلّ يقرّ بأنّ العجز قيّدهوالعجز عن درك الإدراك درّاك

وقال: وهو ما اشتهر عنه، وأنشدها بعض المشارقة في رحلته في غرض اقتضى ذلك، يقتضي ذكره طولا:

يا من أنامله كالمزن هاميةوجود كفّيه أجرى من يجاريها
بحقّ من خلق الإنسان من علقانظر إلى رقعتي وافهم معانيها
أني فقير ومسكين بلا سببسوى حروف من القرآن أتلوها
سفينة الفقر في بحر الرّجا غرقتفامنن عليها بريح منك يجريها
لا يعرف الشوق إلّا من يكابدهولا الصّبابة إلّا من يعانيها
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «لا يعرف الشوق إلا من يكابده»

وقال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك، وقد ذكره: على الجملة فبه ختم جلّة أهل هذا الشأن بصقع الأندلس، نفعه الله ونفع به.

مولده: ولد بجيّان سنة اثنتين وستين وخمسمائة أو ثلاث وستين.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.