من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
أبو بكر المخزومي الأعمى الموروري المدوّري
حاله: كان أعمى، شديد القحة والشّرّ، معروفا بالهجاء، مسلّطا على
الأعراض، سريع الجواب، ذكيّ الذهن، فطنا للمعاريض، سابقا في ديوان الهجاء، فإذا مدح ضعف شعره.
دخوله غرناطة: وذكر شيء من شعره، ومهاترته مع نزهون بنت القلاعي.
قال أبو الحسن بن سعيد، في كتابه المسمّى ب «الطالع السعيد»: قدم على غرناطة أيام ولاية أبي بكر بن سعيد عمل غرناطة، ونزل قريبا منه، وكان يسمع به؛ فقال: صاعقة يرسلها الله، ﷿، على من يشاء من عباده، ثم رأى أن يبدأه بالتأنيس والإحسان، فاستدعاه بهذه الأبيات:
يا ثانيا للمعرّيفي حسن نظم ونثر
وفرط ظرف ونبلوغوص فهم وفكر
صل ثم واصل حفيّابكلّ شكر وبرّ
وليس إلّا حديثكما زها عقد درّ
وشادن قد تغنّيعلى رباب وزمر
وما يسامح فيه الغفور من كأس خمر
وبيننا عقد حلفلبان شرك وكفر
فقم نجدّده عهدابطيب شكر وسكر
والكأس مثل رضاعومن كمثلك يدري؟
ووجّه له الوزير أبو بكر بن سعيد عبدا صغيرا قاده، فلمّا استقرّ به المجلس، وأفعمته روائح النّدّ»
والعود والأزهار، وهزّت عطفه الأوتار، قال:
دار السّعيديّ ذي أم دار رضوانما تشتهي النّفس فيها حاضر دان
سقت أبارقها للنّدّ سحب ندىتحدو برعد لأوتار وألحان
والبرق من كلّ دنّ ساكب مطرايحيي به ميت أفكار وأشجان
هذا النعيم الذي كنّا نحدّثهولا سبيل له إلّا بآذان
فقال أبو بكر بن سعيد: «ولا سبيل له إلّا بآذان»، فقال: حتى يبعث الله ولد زنا كلما أنشدت هذه الأبيات، قال: وإن قائلها أعمى، فقال: أمّا أنا، فلا أنطق بحرف في ذلك، فقال: من صمت نجا. وكانت نزهون بنت القلاعي، الآتي ذكرها، حاضرة، فقالت: ونراك يا أستاذ، قديم النغمة، بندّ وغناء وطيب شراب، تتعجب من تأتّيه، وتشبّهه بنعيم الجنة، وتقول: ما كان يلمّ إلّا بالسّماع، ولا يبلغ إليه إلّا بالعيان؟ لكن من يجيء من حصن المدوّر، وينشأ بين تيوس وبقر، من أين له معرفة بمجالس النّغم؟ فلما استوفت كلامها تنحنح الأعمى، فقالت له: دعه، فقال: من هذه الفاعلة؟ فقالت: عجوز مقام أمّك، فقال:
كذبت، ما هذا صوت عجوز، إنما هذه نغمة قحبة محترقة تشمّ روائح كذا منها على فرسخ، فقال له أبو بكر: يا أستاذ، هذه نزهون بنت القلاعي الشّاعرة الأديبة، فقال: سمعت بها لا أسمعها الله خيرا، ولا أراها إلّا أيرا. فقالت له:
يا شيخ سوء تناقضت، وأيّ خير أفضل للمرأة ممّا ذكرت؟ ففكّر المخزومي ساعة ثم قال:
على وجه نزهون من الحسن مسحةوإن كان قد أمسى من الضّوء عاريا
قواصد نزهون توارك غيرهاومن قصد البحر استقلّ السّواقيا
فأعملت فكرها وقالت:
قل للوضيع مقالايتلى إلى حين يحشر
من المدوّر أنشئت والخرا منه أعطر
حيث البداوة أمستفي أهلها تتبختر
لذاك أمسيت صبّابكلّ شيء مدوّر
خلقت أعمى ولكنتهيم في كلّ أعور
جازيت شعرا بشعرفقل لعمري من أشعر
إن كنت في الخلق أنثىفإنّ شعري مذكّر
فقال لها اسمعي:
ألا قل لنزهونة ما لهاتجرّ من التّيه أذيالها
ولو أبصرت فيشة شمّرتكما عوّدتني، سربالها
فحلف أبو بكر بن سعيد ألّا يزيد أحدهما على الآخر في هجوه كلمة، فقال المخزومي: أكون هجّاء الأندلس وأكفّ عنها دون شيء؟ فقال: أنا أشتري منك عرضها فاطلب، فقال: بالعبد الذي أرسلته فقادني إلى منزلك، فإنه ليّن القدّ رقيق الملمس. فقال أبو بكر: لولا أنه صغير كنت أبلّغك فيه مرادك، وأهبه لك؛ ففطن لقصده، وقال: أصبر عليه حتى يكبر، ولو كان كبيرا ما آثرتني على نفسك؛ فضحك أبو بكر وقال: قد هجوت نثرا، وإن لم تهج نظما، فقال: أيها الوزير، لا تبديل لخلق الله. وانفصل المخزومي بالعبد بعدما أصلح بينه وبين نزهون.
وقال يمدح القاضي بغرناطة أبا الحسن بن أضحى، رحمهما الله:
عجبا للزمان يطلب هضميوملاذي منه عليّ بن أضحى
جاره قد سما على النّطح عزّاليس يخشى من حادث الدهر نطحا
فكأنّي علوت قرن فلانأيّ تيس مطوّل القرن ألحى
فقال له ابن أضحى: هلّا اقتصرت على ما أنت بسبيله، فكم تقع في الناس؟
فقال: أنا أعمى وهم حفر فلا أزال أقع فيها، فقال: فأعجبني كلامه على قبحه.
وحديث مقامه بغرناطة يقتضي طويلا.
وفاته: قال أبو القاسم بن خلف، كان حيّا بعد الأربعين وخمسمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع