تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الأزدي

من أهل بلّش، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن المرابع.

حاله: من نبهاء أدباء البادية، خشن الظاهر، منطو على لوذعيّة متوارية في مظهر جفوة، كثير الانطباع عند الخبرة، قادر على النظم والنثر، متوسّط الطّبقة فيهما، مسترفد بالشعر، سيّال القريحة، مرهوب الهجاء، مشهور المكان ببلده، يعيش من الخدم المخزنيّة، بين خارص وشاهد، وجدّ بذلك وقته، يوسّط رقاعته، فتنجح الوسيلة، ويتمشّى له بين الرّضا والسّخط الغرض.

وجرى ذكره في «التاج» بما نصّه: «طويل القوادم والخوافي، كلف على كبر سنّه بعقائل القوافي، شاب في الأدب وشبّ، ونشق ريح البيان لمّا هبّ، فحاول رفيعه وجزله، وأجاد جدّه، وأحكم هزله. فإن مدح صدح، وإن وصف أنصف، وإن عصف قصف، وإن أنشأ ودوّن، وتقلّب في أفانين البلاغة وتلوّن، أفسد ما شاء الله وكوّن، فهو شيخ الطريقة الأدبيّة وفتاها، وخطيب حفلها كلّما أتاها، لا يتوقّف عليه من أغراضها غرض، ولا يضيع لديه منها مفترض. ولم تزل بروقه تتألّق، ومعانيه بأذيال الإحسان تتعلّق، حتى برّز في أبطال الكلام وفرسانه، وذعرت القلوب لسطوة لسانه، وألقت إليه الصّناعة زمامها، ووقفت عليه أحكامها. وعبر البحر منتجعا بسعره، ومنفقا في سوق الكساد من شعره، فأبرق وأرعد، وحذّر وتوعّد، وبلغ جهد إمكانه، في التّعريف بمكانه، فما حرّك ولا هزّ، وذلّ في طلب الرّفد وقد عزّ، وما برح أن رجع إلى وطنه الذي اعتاده، رجوع الحديث إلى قتاده.

شعره: قال في «التاج»: وقد أثبتّ من نزعاته، وبعض مخترعاته، ما يدلّ على سعة باعه، ونهضة ذراعه. فمن النسيب قوله:

ما للمحبّ دواء يذهب الألماعنه سوى لمم فيه ارتشاف لمى
ولا يردّ عليه نوم مقلتهإلّا الدّنوّ إلى من شفّه سقما
يا حاكما والهوى فينا يؤيّدههواك فيّ بما ترضاه قد حكما
أشغلتني بك شغلا شاغلا فلمتناسى، فديتك، عنّي بعد ذاك لما؟
ملكت روحي فأرفق قد علمت بمايلقى ولا حجّة تبقى لمن علما
ما غبت عنّي إلّا غاب عن بصريبدرا إذا لاح يجلي نوره الظّلما
ما لحت لي فدنا طرفي لغيرك يامولى لحا فيه جفني النوم قد حرما
طوعا لطيعك لا أعصيك فافض بماترضاه أرضى بما ترضى ولا جرما
إنّ الهوى يقتضي ذلّا لغيرك لوأفادني فيك قربا يبرّد الألما
سلمت من كل عيب يا محمد لاكن قلب صبّك من عينيك ما سلما

ومن مخاطباته الأدبية، ما كتب به إلى شيخ الصّوفية ببلده مع طالع من ولده:

مماليكم قد زاد فيكم مرابعمن الأفق الكوني باليمن طالع
بأنواركم يهدى إلى سبل الهدىويسمو لما تسمو إليه المطالع
فواسوه منكم بالدّعاء فإنهمجاب بفضل الله للخلق نافع
أفاض عليه الله من بركاتكموأبقاكم ذو العرش ما جنّ ساجع

فوقّع له الشيخ المخاطب بها، أبو جعفر بن الزيات، ﵀، بما نصّه:

عسى الله يؤتيه من العلم حصّةتصوّب على الألباب منها ينابع
ويجعله طرفا لكلّ سجيّةمطهّرة للناس فيها منافع
ويلحقه في الصالحات بجدّهفيثني عليه الكلّ دان وشاسع
وذو العرش جلّ أسما عميم نوالهوخير الورى في نصّ ما قلت شافع
فما أنت دوني يا أباه مهنّأبه فالسرور الكلّ بابنك جامع

وله يستدعي إلى الباكور:

بدار بدار قد آن البدارإلى أكواس باكور تدار
تبدّت رافلات في مسوحله لون الدّياجي مستعار
وقد رقمت بياضا في سوادكأنّ الليل خالطه النّهار
وقد نضجت وما طبخت بناروهل يحتاج للباكور نار؟
ولا تحتاج مضغا لا وليسعجيب لا يشقّ له غبار
فقل للخلق قل للضّرس دعنيففي البلع اكتفاء واقتصار

وممّا وقع له أثناء مقامات تشهد باقتداره، مقطوعة سهلة وهي:

رعى الله عهدا حوى ما حوىلأهل الوداد وأهل الهوى
أراهم أمورا حلا وردهاوأعطاهم السؤل كيف نوى
ولمّا حلا الوصل صالوا لهوراموه مأوى وماء روى
وأوردهم سر أسرارهموردّ إلى كلّ داء دوا
وما أمل طال إلّا وهىولا آمل صال إلّا هوى

وقال يرثي ديكا فقده، ويصف الوجد الذي وجده، ويبكي من عدم أذانه، إلى غير ذلك من مستطرف شانه:

أودى به الحتف لمّا جاءه الأجلديكا فلا عوض منه ولا بدل
قد كان لي أمل في أن يعيش فلميثبت مع الحتف في بغيا لها أمل
فقدته فلعمري إنها عظةوبالمواعظ تذري دمعها المقل
كأنّ مطرف وشي فوق ملبسهعليه من كلّ حسن باهر حلل
كأنّ إكليل كسرى فوق مفرقهوتاجه فهو عالي الشّكل محتفل
مؤقّت لم يكن يحزى له خطأفيما يرتّب من ورد ولا خطل
كأنّ زرقيل فيما مرّ علّمهعلم المواقيت فيما رتّب الأول
يرحّل الليل يحيى بالصراخ فمايصدّه كلل عنه ولا ملل
رأيته قد وهت منه القوى فهوىللأرض فعلا يريه الشّارب الثّمل
لو يفتدى بديوك الأرض قلّ لهذاك الفداء ولكن فاجأ الأجل
قالوا الدّواء فلم يغن الدّواء ولمينفعه من ذاك ما قالوا وما فعلوا
أمّلت فيه ثوابا أجر محتسبإن قلت ذلك صحّ القول والعمل

وأمره السلطان أبو عبد الله سادس الملوك النّصريين في بعض أسفاره، وقد نظر إلى شلير، وتردّى بالثلج وتعمّم، وكمل ما أراد من بزّته وتمّم، أن ينظم أبياتا في وصفه، فقال بديهة:

وشيخ جليل القدر قد طال عمرهوما عنده علم بطول ولا قصر
عليه لباس أبيض باهر السّناوليس بثوب أحكمته يد البشر
وطورا تراه كلّه كاسيا بهوكسوته فيها لأهل النّهى عبر
وطورا تراه عاريا ليس يشتكيلحرّ ولا برد من الشمس والقمر
وكم مرّت الأيام وهو كما ترىعلى حاله لم يشك ضعفا ولا كبر
فذاك شلير شيخ غرناطة التيلبهجتها في الأرض ذكر قد انتشر
بها ملك سامي المراقي أطاعهكبار ملوك الأرض في حالة الصّغر
تولّاه ربّ العرش منه بعصمةتقيه مدى الأيام من كلّ ما ضرر

نثره: ونثره كثير ما بين مخاطبات، وخطب، ومقطعات، ولعب، وزرديّات شأنها عجب. فمن ذلك ما خاطب به الرئيس أبا سعيد بن نصر يستجدي أضحية:

يقول شاكر الأيادي: وذاكر فخر كل نادي، وناشر غرر الغرر للعاكف والبادي، والرائح والغادي، اسمعوا مني حديثا تلذّة الأسماع، ويستطرفه الاستماع، ويشهد بحسنه الإجماع، ويجب عليه الاجتماع، وهو من الأحاديث التي لم تتفق إلّا لمثلي، ولا ذكرت عن أحد قبلي، وذلك يا معشر الألبّاء، والخلصاء الأحبّاء، أني دخلت في هذه الأيام داري، في بعض أدواري، لأقضي من أخذ الغذاء أوطاري، على حسب أطواري، فقالت لي ربّة البيت: لم جئت، وبما أتيت؟ قلت: جئت لكذا وكذا، فهات الغذا، فقالت: لا غذا لك عندي اليوم، ولو أودى بك الصّوم، حتى تسل الاستخارة، وتفعل كما فعل زوج الجارة، طيّب الله نجاره، وملأ بالأرزاق وجاره.

قلت: وما فعل قريني، وأرني من العلامة ما أحببت أن تريني. قالت: إنه فكّر في العيد، ونظر في أسباب التّعييد، وفعل في ذلك ما يستحسنه القريب والبعيد، وأنت قد نسيت ذكره ومحوته من بالك، ولم تنظر إليه نظرة بعين اهتبالك، وعيد الأضحى في اليد، والنّظر في شراء الأضحية اليوم أوفق من الغد. قلت: صدقت، وبالحقّ نطقت، بارك الله فيك، وشكر جميل تحفّيك، فلقد نبّهت بعلك لإقامة السّنة، ورفعت عنه من الغفلة منّة. والآن أسير لأبحث عمّا ذكرت، وأنظر في إحضار ما إليه أشرت، ويتأتّى ذلك إن شاء الله بسعدك، وتنالين فيه من بلوغ الأمر غاية قصدك، والجدّ ليس من الهزل، والأضحية للمرأة وللرجل الغزل. قالت: دعني من الخرافات، وأخبار الزّرافات، فإنّك حلو اللسان، قليل الإحسان، تخذت الغربة صحبتك إلى ساسان، فتهاونت بالنّساء، وأسأت فيمن أساء، وعوّدت أكل خبزك في غير منديل، وإيقاد الفتيل دون قنديل، وسكنى الخان، وعدم ارتفاع الدّخان، فما تقيم موسما، ولا تعرف له ميسما، وأخذت معي في ذلك بطويل وعريض، وكلانا في طرفي نقيض، إلى أن قلت لها: إزارك وردائي، فقد تفاقم بك أمر دائي، وما أظنّك إلّا بعض أعدائي، قالت: ما لك والإزار، شطّ بك المزار؟ لعلك تريد إرهانه في الأضحية والأبزار، اخرج عني يا مقيت، لا عمرت معك ولا بقيت، أو عدمت الدّين، وأخذ الورق بالعين. يلزمني صوم سنة، لا أغفيت معك سنة، إلّا إن رجعت بمثل ما رجع به زوج جارتي، وأرى لك الرّبح في تجارتي. فقمت عنها وقد لوت رأسها وولولت، وابتدرت وهرولت، وجالت في العتاب وصوّلت، وضمّت بنتها وولدها، وقامت باللّجج والانتصار بالحجج أودها، فلم يسعني إلّا أن عدوت أطوف السّكك والشوارع، وأبادر لما غدوت بسبيله وأسارع، وأجوب الآفاق، وأسأل الرّفاق، وأخترق الأسواق، وأقتحم زريبة بعد زريبة، وأختبر منها البعيدة والقريبة، فما استرخصته استنقصته، وما استغليته استعليته، وما وافق غرضي، اعترضني دونه عدم عرضي، حتى انقضى ثلثا يومي، وقد عييت بدوراني وهومي، وأنا لم أتحصل من

الابتياع على فائدة، ولا عادت عليّ فيه من قضاء الأرب عائدة، فأومأت الإياب، وأنا أجد من خوفها ما يجد صغار الغنم من الذّئاب، إلى أن مررت بقصّاب يقصب في مجزره، قد شدّ في وسطه مئزره، وقصّر أثوابه حتى كشف عن ساقيه، وشمّر عن ساعديه حتى أبدى مرفقيه، وبين يديه عنز قد شدّ يديه في رقبته وهو يجذبه فيبرك، ويجرّه فما يتحرّك، ويروم سيره فيرجع القهقرى، ويعود إلى ورا، والقصاب يشدّ على إزاره، خيفة من فراره، وهو يقول: اقتله من جان باغ، وشيطان طاغ، ما أشدّه، وما ألذّه وما أصدّه، وما أجدّه، وما أكثره بشحم، وما أطيبه بلحم، الطّلاق يلزمه إن كان عاين تيسا مثله، أو أضحية تشبهه قبله، أضحية حفيلة، ومنحة جليلة. هنّأ الله من رزقها، وأخلف عليها رزقها. فاقتحمت المزدحم أنظر مع من نظر، وأختبر فيمن اختبر. وأنا والله لا أعرف في التقليب والتّخمين، ولا أفرّق بين العجف والسّمين، غير أني رأيت صورة دون البغل وفوق الحمار، وهيكلا يخبرك عن صورة العمّار، فقلت للقصّاب: كم طلبك فيه، على أن تمهل الثّمن حتى أوفيه؟ فقال: ابغني فيه أجيرا، وكن له الآن من الذّبح مجيرا، وخذه بما يرضي، لأول التقضّي. قلت:

استمع الصوت، ولا تخف الفوت. قال: ابتعه مني نسيّة، وخذه هديّة، قلت: نعم، فشقّ لي الضمير، وعاكسني فيه بالنّقير والقطمير، قال: تضمن لي فيه عشرين دينارا، أقبضها منك لانقضاء الحول دنيّرا دنيّرا، قلت: إنّ هذا لكثير، فاسمح منه بإحاطة اليسير. قال: والذي فلق الحبّة، وبرّأ النّسمة، لا أنقصك من هذا، وما قلت لك سمسمة، اللهمّ إن شئت السّعة في الأجل، فأقضي لك ذلك دون أجل، فجلبني للابتياع منه الإنساء في الأمد، وغلبني بذلك فلم أفتقر منه لرأي والد ولا ولد، ولا أحوجت نفسي في ذلك لمشورة أحد، وقلت: قد اشتريته منك فضع البركة، ليصحّ النّجح في الحركة. فقال: فقيه بارك الله فيه قد بعته لك، فاقبض متاعك، وثبّت ابتياعك، وها هو في قبضك فاشدد وثاقه، وهلمّ لنعقد عليك الوثاقة. فانحدرت معه لدكان التّوثيق، وابتدرت من السّعة إلى الضّيق، وأوثقني بالشادّة تحت عقد وثيق، وحملني من ركوب الدّين ولحاق الشّين في أوعر طريق. ثم قال لي: هذا تيسك فشأنك وإياه، وما أظنّك إلّا تعصياه، وأت بحمّالين أربعة فإنك لا تقدر أن ترفعه، ولا يتأتى لك أن يتبعك ولا أن تتبعه، ولم يبق لك من الكلفة إلّا أن يحصل في محلّك، فيكمل سرور أهلك. وانطلقت للحمّال وقلت: هلم إليّ، وقم الآن بين يديّ، حتى انتهينا إلى مجزرة القصّاب، والعنز يطلب فلا يصاب، فقلت: أين التّيس، يا أبا أويس؟ قال: إنه قد فرّ، ولا أعلم حيث استقرّ. قلت: أتضيع عليّ مالي، لتخيب آمالي، والله لا يحزنك بالعصا، كمن عصا، ولا رفعتك إلى الحكّام، تجري عليك منهم الأحكام. قال: ما لي علم به، ولا بمنقلبه، لعلّه فرّ لأمّه وأبيه، وصاحبته

وبنيه، فعليك بالبريح. فاتجهت أنادي بالأسواق، وجيران الزّقاق، من ثقف لي تيسا فله البشارة، بعد ما أتى بالأمارة، وإذا برجل قد خرج من دهليز، وله هدير وهزيز، وهو يقول: من صاحب العنز المشوم؟ لا عدم به الشّوم، إن وقعت عليه عيني، يرتفع الكلام بينه وبيني. قلت: أنا صاحبه فما الذي دهاك منّي، أو بلغك عنّي. قال: إن عنزك حين شرد، خرج مثل الأسد، وأوقع الرّهج في البلد، وأضرّ بكل أحد، ودخل في دهليز الفخّارة فقام فيه وقعد، وكان العمل فيه مطبوخا ونيّا، فلم يترك منه شيا، ومنه كانت معيشتي، وبه استقامت عيشتي، وأنت ضامن مالي، فارتفع معي إلى الوالي، والعنز مع هذا يدور وسط الجمهور، ويكرّ كرّة العفريت المزجور، ويأتي بالكسر على ما بقي في الدّهليز من الطّواجن والقدور، والخلق قد انحسروا للضجيج، وكثر العياط والعجيج، وأنت تعرف عفرطة الباعة، وما يحوون من الوضاعة، وأنا أحاول من أخذه ما أستطيع، وأروم الإطاعة من غير مطيع، والباعة قد أكسبته من الحماقة، ما لم يكن لي به طاقة. ورجل يقول: المحتسب، واعرف ما تكتسب، وإلى من تنتسب، فقد كثر عنده بك التّشكّي، وصاحب الدهليز قبالته يبكي، وقد وجد عنده عليك وجد الشكوى، وأيقن أنك كسرت الدّعوى، وأمر بإحضارك، وهو في انتظارك، فشدّ وسطك، واحفظ إبطك، وإنك تقوم على من فتح باعه للحكم على الباعة ونصب لأرباب البراهين، على أرباب الشّواهين، ورفع على طبقة، ليملأ طبقة، ثم أمسكني باليمين، حتى أوصلني للأمين، فقال لي: أرسلت التّيس للفساد، كأنك في نعم الله من الحسّاد. قلت: إنه شرد، ولم أدر حيث ورد. قال: ولم لا أخذت ميثاقه، ولم تشدّد وثاقه، يا شرطي طرّده، واطرح يدك فيه وجرّده. قلت: أتجرّدني الساعة، ولست من الباعة؟ قال: لا بدّ من ذاك، أو تضمن ما أفسده هناك؟ قلت:

الضّمان الضّمان، الأمان الأمان. قال: قد أمّنت، إن ضمنت، وعليك الثّقاف، حتى يقع الإنصاف، أو ضامن كاف، فابتدر أحد إخواني، وبعض جيراني، فأدّى عني ما ظهر بالتّقدير، وآلت الحال للتّكدير. ثم أردت الانصراف بالتّيس، لا كان كيانه، ولا كوّن مكانه، وإذا بالشّرطي قد دار حولي، وقال لي: كلف فعلي بأداء جعلي، فقد عطّلت من أجلك شغلي، فلم يك عندي بما تكسر سورته، ولا بما تطفي جمرته، فاسترهن مئزري في بيته ليأخذ مايته. وتوجّهت لداري، وقد تقدّمت أخباري، وقدمت بغباري، وتغيّر صغاري وكباري، والتّيس على كاهل الحمّال يرغو كالبعير، ويزأر كالأسد إذا فصلت العير، فلقت للحمال: أنزله على مهل، فهلال التّعييد قد استهلّ، فحين طرحه في الأسطوان، كرّ إلى العدوان، وصرخ كالشيطان، وهمّ أن يقفز الحيطان، وعلا فوق الجدار، وأقام الرّهجة في الدار، ولم تبق في الزقاق عجوز إلّا وصلت لتراه، وتسأل عمّا اعتراه، وتقول: بكم اشتراه، والأولاد قد دارت به

وأرهقهم لهفه، ودخل قلوبهم خوفه، فابتدرت ربّة البيت، وقالت: كيت وكيت، لا خلّ ولا زيت، ولا حيّ ولا ميت، ولا موسم ولا عيد، ولا قريب ولا بعيد، سقت العفريت إلى المنزل، ورجعت بمعزل، ومن قال لك اشتره، ما لم تره، ومن قال لك سقه، حتى توثّقه، ومتى تفرح زوجتك، والعنز أضحيتك، ومتى تطبخ القدور، وولدك منه معذور، وبأيّ قلب تأكل الشّويّة، ولم تخلص لك فيه النيّة، ولقلّة سعدها، وأخلف وعدها، والله لو كان العنز، يخرج الكنز، ما عمر لي دارا، ولا قرب لي جوارا، اخرج عني يا لكع، فعل الله بك وصنع، وما حبسك عن الكباش السّمان، والضّأن الرّفيعة الأثمان، يا قليل التّحصيل، يا من لا يعرف الخياطة ولا التّفصيل، أدلّك على كبش سمين، واسع الصدر والجبين، أكحل عجيب، أقرن مثل كبش الخطيب، يعبق من أوداكه كلّ طيب، يغلب شحمه على لحمه، ويسيل الودك من عظمه، قد علف بالشّعير، ودبّر عليه أحسن تدبير، لا بالصّغير ولا بالكبير، تصلح منه الألوان، ويستطرف شواه في كل أوان، ويستحسن ثريده وقديده في سائر الأحيان، قلت: بيّني لي قولك، لأتعرّف فعلك، وأين توجد هذه الصّفة، يا قليلة المعرفة. قالت: عند مولانا، وكهفنا ومأوانا، الرئيس الأعلى، الشّهاب الأجلى، القمر الزّاهر، الملك الظّاهر، الذي أعزّ المسلمين بنعمته، وأذلّ المشركين بنقمته. واسترسل في المدح فأطال وفيما ثبت كفاية.

وفاته: في كائنة الطاعون ببلده بلّش في أواخر عام خمسين وسبعمائة، ودفن بها.

عبد الله بن إبراهيم بن وزمّر الحجاري الصّنهاجي

الأديب المصنّف، يكنى أبا محمد.

حاله وأوليته: أبوه أديب مدينة الفرج بوادي الحجارة، المصنّف للمأمون بن ذي النون كتاب «مغنيطاس الأفكار، فيما تحتوي عليه مدينة الفرج من النظم والنثر

والأخبار». وكان أبو محمد هذا ماهرا، كاتبا، شاعرا، رحّالا. سكن مدينة شلب بعد استيلاء العدو على بلاده بالثّغر. وله في التّحوّل أشعار وأخبار. قدم غرناطة وقصد عبد الملك بن سعيد، صاحب القلعة من بنيّاتها، واستأذن عليه في زيّ موحش، واستخفّ به القاعدون ببابه، إلى أن لاطف بعضهم، وسأله أن يعرّف به القائد، فلما بلّغ عنه، أمر بإدخاله، فأنشده قصيدة مطلعها:

عليك أحالني الذّكر الجميلفجئت ومن ثنائك لي دليل
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة
أتيت ولم أقدّم من رسوللأنّ القلب كان هو الرّسول
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة

منها في وصف زيّه البدوي المستقل وما في طيّه:

ومثّلني بدنّ فيه خمريخفّ بها ومنظره ثقيل

فأكرم نزله، وأحسن إليه، وأقام عنده سنة، حتى ألّف بالقلعة كتاب «المسهب، في غرائب المغرب»، وفيه التّنبيه على الحلى البلادية والعبّادية. وانصرف إلى قصد ابن هود بروطة، بعد أن عذله عن التّحوّل عنه، فقال: النّفس توّاقة، وما لي بالتّغرّب طاقة، ثم أفكر وقال:

يقولون لي: ماذا الملال تقيم فيمحلّ فعند الأنس تذهب راحلا
فقلت لهم: مثل الحمام إذا شداعلى غصن أمسى بآخر نازلا

نكبته: قال علي بن موسى بن سعيد: ولمّا قصد الحجاري روطة، وحلّ لدى أميرها المستنصر بن عماد الدولة بن هود، وتحرّك لغزو من قصده من

البشكنس، فهزم جيشه، كان الحجاري أحد من أسر في تلك الوقيعة، فاستقرّ ببسقاية، وبقي بها مدّة، يحرّك ابن هود بالأشعار ويحثّه على خلاصه من الإسار، فلم يجد عنده ذمامة، ولا تحرّك له اهتمامه، فخاطب عبد الملك بن سعيد بقوله:

أصبحت في بسقاية مسلماإلى الأعادي لا أرى مسلما
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة
مكلّفا ما ليس في طاقتيمصفّدا منتهرا مرغما
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة
أطلب بالخدمة، وا حسرتي!وحالتي تقضي بأن أخدما
فهل كريم يرتجى للأسيريفكّه، أكرم به منتمى
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة

وقوله:

أرئيس الزمان أغفلت أمريوتلذّذت تاركا لي بأسر؟
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة
ما كذا يعمل الكرام ولكنقد جرى على المعوّد دهري
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة

فاجتهد في فدائه، ولم يمرّ شهر إلّا وقد تخلص من أسره، واستقرّ لديه، فكان طليق آل سعيد، وفيهم يقول:

وجدنا سعيدا منجبا خير عصبةهم في بني أعصارهم كالمواسم
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة
مشنّفة أسماعهم بمدائحمسوّرة أيمانهم بالصّوارم
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة
فكم لهم في الحرب من فضل ناثر!وكم لهم في السّلم من فضل ناظم
للشاعر الحِجاري صاحب المسهب، اقرأ القصيدة

تواليفه: وتواليف الحجاري بديعة، منها «الحديقة» في البديع، وهو كتاب مشهور، ومنها «المسهب في غرائب المغرب»، وافتتح خطبته بقوله: «الحمد لله الذي جعل العباد، من البلاد بمنزلة الأرواح من الأجساد، والأسياف من الأغماد». وهو في ستة مجلدات.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.