من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
عاصم بن زيد بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن محمد التميمي ثم العبادي الجاهلي
يكنى أبا المخشي، من أهل إلبيرة.
حاله: كان شاعرا مجيدا، شهير المكان، بعيد الصّيت على عهده. قال أبو القاسم: كان من أعلام الجند ومقدميهم. وقال الرّازي: دخل والده زيد بن يحيى من المشرق إلى الأندلس، واختطّ بكورة جند دمشق، وشهر ابنه عاصم هذا بالشّعر، إذ كان غزير القول، حسن المعاني، كثير النادر، سبط اللفظ، فاغتدى شاعر الأندلس، ومادح بني أمية، المخلّف فيهم قوافي شعر المديح الشاردة، وقد كان في لسانه بذاءة زائدة، يتسرّع به إلى من لم يوافقه من الناس، فيقذع هجوهم، ويقذف نساءهم ويهتك حرمهم. وكان أفّاكا نهابا، لا يعدم متظلّما منه، وداعيا عليه، وذاكرا له بالسوء، وهو مستهزئ بذلك، جار على غلوائه.
محنته: قال: وكان مع ذلك منقطعا إلى سليمان ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية، كثير المدح له، على أنه ما أخلى الأمير هشاما من مدحه، وهو مع ذلك لا يسأل سخيمته وحقده عليه؛ لانحطاطه في شعب سليمان أخيه، وبينهما من التنافس والمشاحة ما لا شيء فوقه. وروي أن الذي هاج غضب هشام عليه، أن قال له الساعي عليه: قد عرّض بك بقوله في مديح أخيك سليمان في شعر له فيه منه:
وليس كمثل من إن سيل عرفايقلّب مقلة فيها اعورار
وكان هشام أحول، فاغتاظ لذلك. وركب فيه من المثلة وركبه، وحقد عليه، إلى أن استدعاه إلى مدينة ماردة، وهشام يومئذ واليها في حياة الأمير أبيه، فخرج إليه أبو المخشي من قرطبة، طامعا في نائله، غير مرتاب بباطنه، فلمّا دخل عليه قال له:
يا أبا المخشي، إن المرأة الصالحة التي هجوت ابنها فقذفتها، فأفحشت سبّها، قد أخلصت دعاءها لله في أن ينتقم لها منك، فاستجاب لها، وسلّطني وتأذّن بالاقتصاص لها على يدي منك، ثم أمر به فقطع لسانه، وسمّلت عيناه، وعولج من جراحه، فاستقل منها، وعاش زمنا ممثّلا به. فأما لسانه، فانجبر بعيد وقت إلّا قليلا، واقتدر على الكلام إلّا تلعثما كان يعترضه، واستمرّ العمى، فعظم عليه مصابه، فكثرت في شكواه أشعاره. قال: ويذكر أن قصة أبي المخشي في نبات لسانه، لما بلغت مالك بن أنس، أشار إليها في فتواه في التأنّي بديّة اللسان طمعا في نبتها، وقال:
يتأنّى بالحكم عاما، فإن نبت أو شيء منه، عمل في ديّته بحسب ذلك، فقد بلغني أن رجلا بالأندلس نبت لسانه أو أكثره بعدما قطع، فأمكنه الكلام.
شعره: قالوا: وبلغ الأمير عبد الرحمن بن معاوية صنيع ابنه هشام بمادحهم أبي المخشي، فساءه وكتب إليه يعنّفه، وأوصل أبا المخشي إليه عند استيلائه بعد حين، فاعتذر إليه ورقّ له، وأنشده بعض ما أحدثه بعد، فكان لا يبين الإنشاد، فينشد له صبيّ كان قد علّمه ودرّبه، فأنشده قصيدته التي وصف فيها عماه وأولها:
خضعت أمّ بناتي للعدىإذ قضى الله بأمر فمضى
ورأت أعمى ضريرا إنمامشيه في الأرض لمس بالعصا
فبكت وجدا وقالت قولةوهي حرّى بلغت منّي المدى
ففؤادي قرح من قولها:ما من الأدواء داء كالعمى
وإذا نال العمى ذا بصركان حيّا مثل ميت قد ثوى
وكأنّ الناعم المسرور لميك مسرورا إذا لاقى الرّدى
عانى بالقرب وهنا طرببيّن لجّ في الحمى
....كيف يعتاد الصّبا من لا يرى
أبصرت مستبدلا من طرفهقائدا يسعى به حيث سعى
بالعصا إن لم يقده قائدوسؤال الناس يمشي إن مشى
وإذا ركب دنوا كان لهمهوجلا في المهمه الخرق الصّوى
لم يزل في كلّ مخشيّ الرّدىيصطلي الحرب ويجتاب الدّجى
امتطيناها سمانا بدنافتركناها نضاء بالفنا
وذريني قد تجاورت بهامهمها فقرا إلى أهل النّدى
قاصدا خير مناف كلهاومناف خير من فوق الثّرى
وهي طويلة. ومن شعره في الوقيعة بأبي الأسود الفهري، وكانت عظيمة من أعظم فتوحات الأمير عبد الرحمن:
ماذا تسائل عن مواقع معشرأودى بهم طلب الذي لم يقدر
رشد الخليفة إذا غووا فرماهمبالموبذيّ الجهم والمتأزّر
فغدا سليمان السّماح عليهمكالليث لا يلوي على متعذّر
غاداهم متقنّعا في مأزقبالموت مرتجس العوارض ممطر
أما سليمان السماح فإنهجلّى الدّجى وأقام ميل الأصعر
وهو الذي ورث النّدى أهل النّدىومحا مغبّة يوم وادي الأحمر
بعدا لقتلى بالمجانص أصبحتجيفا تلوح عظامها لم تقبر
فالليل فيها للذئاب فرائسونهارها وقف لنهش الأنسر
أفناهم سيف مبير صارمفي قسطلونة بل بوادي الأحمر
فلتركبنّك ما هربت مخافةمنه فقع يا ابن اللّقيطة أو طر
وفاته: قال ابن حيان: قرأت بخطّ عبادة الشاعر، قال: عمّر أبو المخشي بعد محنته الشنعاء حتى لحق دولة الأمير عبد الرحمن، فوالى بين مديح أربعة أمراء، ما بينه وبين جدّه عبد الرحمن بن معاوية الأمير الداخل. وتوفي بعد ذلك قريبا من تاريخ الثمانين والمائة، وبعد عليه لحاق دولة الأمير عبد الرحمن لهذا التاريخ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع