من «بلاغات النساء» لابن طيفور (ت ٢٨٠هـ)
كلام سودة بنت عمارة رحمها الله
قال أبو موسى عيسى بن مهران حدثني محمد بن عبيد الله الخزاعي يذكره عن الشعبي ورواه العباس بن بكار عن محمد بن عبيد الله قال استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسك الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها فلما دخلت عليه قالت هيه يا بنت الأسك ألست القائلة يوم صفين:
شمر كفعل أبيك يا ابن عمارةيوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر علياً والحسين ورهطهواقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخوالنبي ﷺ حمدعلم الهدى ومنارة الإيمان
فقه الحتوف وسر أمام لوائهقدماً بأبيض صارم وسنان
قالت أي والله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب قال لها فما حملك على ذلك قالت حب علي ﵇ وأتباع الحق قال فوالله ما أرى عليك من أثر علي شيئاً قالت أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى وتذكار ما قد نسى قال هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك قالت صدق قولك لم يكن أخي ذميم المقام ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
قال صدقت لقد كان كذلك فقالت مات الرأس وبتر الذنب وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه قال قد فعلت فما حاجتك قالت إنك أصبحت للناس سيداً ولأمرهم متقلداً والله سائلك من أمرنا وما افترض عليك من حقنا ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر ويوسمنا الخسيسة ويسلبنا الجليلة هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي وأخذ مالي يقول لي فوهى بما استعصم الله منه وألجأ إليه فيه ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فأما عزلته عنا فشكرناك وأما لا فعرفناك فقال معاوية أتهدديني بقومك لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول:
صلى الإله على جسم تضمنهقبر فأصبح فيه العدل مدفوناً
قد حالف الحق لا يبغي به بدلاًفصار بالحق والإيمان مقروناً
قال لها ومن ذلك قالت علي بن أبي طالب ﵇ قال وما صنع بك حتى صار عندك كذلك قالت قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا قدم علينا من قبله فكان
بيني وبينه ما بين الغث والسمين فأتيت علياً ﵇ لأشكو إليه ما صنع بنا فوجدته قائماً يصلي فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف ألك حاجة فأخبرته الخبر فبكى ثم قال اللهم إنك أنت الشاهد عليّ وعليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجواب فكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام فأخذته منه والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام فقرأته فقال لها معاوية لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيأ ما تفطمون ثم قال اكتبوا لها برد مالها والعدل عليها قالت إليّ خاص أم لقومي عام قال ما أنت وقومك قالت هي والله أذن الفحشاء واللوم إن لم يكن عدلاً شاملاً وإلاّ فأنا كسائر قومي قال اكتبوا لها ولقومها.
النص من طبعة مطبعة مدرسة والدة عباس الأول بالقاهرة (١٣٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع